|
جماعة البغدادي
أ. رشيد الخيون
بدأ
البغدادي (الحفيد) نشاطه السياسي والفكري حسب روايته في لقاء
متلفز, في الاطلاع على ادبيات
الاخوان المسلمين وحزب التحرير وانخرط في ( حركة الشباب
المسلم) الشيعية المار ذكرها
وبالتحديد العام 1963 تلك التي اسسها الشيخ عز الدين الجزائري
(ت 2005) متأثرا بدعوتها الى تحقيق مجتمع اسلامي وقيام دولة
اسلامية وظل فترة تحت الاختبار والتوجيه وقد اقترح على الحركة
ان تتبنى نشاطات رياضية وسفرات ترفيهة ولكن بحدودها الدينية
وان يكون الاتصال مع الشخص الجديد الانتماء مجرد صداقة لمدة
عام.
وتربطه صلة أُسرية بمؤسس الحركة الجزائري حيث كان متزوجاً من
حفيدة الشيخ عبد الكريم الجزائري, وابنة أخت الشيخ عزَّ الدين.
اعتمر البغدادي الحفيد العِمامة العام 1965 وختم كتابي: ((
المكاسب)) للشيخ الأنصاري (ت1864)، و((الكفاية)) للشيخ محمد
كاظم الخرساني (ت1911) اما ثقافته فتراها متعددة ربما تجاوزت
فتوى جده البغدادي ضد اليسار الى قراءة الفكر الماركسي, مثل
((البيان الشيوعي)) نفسه فمؤلفات لينين ومؤلفات ماوتسي تونغ
ذات الثورية الصارخة.
قال البغدادي مبررا القصد من قراءة التراث الماركسي: (حتى أني
عندما أناقش اليساريين الذين ينظرون الى عالم الدين بأنه رجعي
ومتخلف, حول الاستضعاف والاستكبار والاستحمار (هكذا وردت),
وخطورة الطواغيت الاقتصاديين, والاقطاعيين, والجواسيس المحليين
والعالميين, وأدافع عن مكتسبات العمال والفلاحين, وفي أثناء
حديثي استشهد بمقولات هؤلاء القادة والمفكريين, فأرى البعض من
المقدسين من لا يستسيغ مني هذه الاستشهادات او هذه المصطلحات
من أفكارهم بوصفي عالم دين).
ويبدو أن قراءة الكتب الماركسية, وهي حالة تراها نادرة بين
علماء الدين حيث أفتوا بقتل وتكفير الاحزاب الشوعية من دون ان
يقرأوا حرفا من كتبهم, نقلت البغدادي مع البقاء على الالتزام
الديني باطناً و ظاهراً, إلى قراءة ما هو أخطر منها ضد الدين,
وبما لا يقل عن لزوميات أبي العلاء المعري (ت449 هـ ـ 1057 م)
تمرداً وإثارة ألا وهي مؤلفات الكاتب السعودي الضرير عبد الله
القصيمي (ت1997) مثل كتابه (العالم ليس عقلاً) وكذلك قرأ كتاب
(الأمير) لميكافيلي(ت1527) وغيرها.
وأكثر من هذا أراه متأثرا كثيرا بـ(الفكر) والتنظيم
الماركسيين, من دون تبنيه عقيدةً, حتى يبدو وكأنه كان منتمياً
الى تنظيمات يسارية, أو أنه سمع وقرأ كثيراً حولها وطرق أدائها
وتحركاتها, وراقه أن يسير على نهجها, ولكن إسلامياً لا
ماركسياً. فإضافة إلى اقتراحه في ان يمر الشخص المنتمي حديثاً
لحركة الشباب المسلم بطور صداقة لمدة عام, وهذا ما لدى
التنظيمات اليسارية تماماً وعلى الخطى الماركسية أن المجتمع
المثالي لديه هو ((المجتمع اللاطبقي)).
واستخدام عبارات ثورية يسارية بامتياز مثل (الكادر الثوري
الملتزم) وغيرها من العبارات.
وفي المجال السياسي, حسب مذاكرته أسس البغدادي, وهو داخل
العراق في التسعينيات من القرن المنصرم, تنظيما سماه ((حركة
الاسلاميين الاحرار)). قال: ( قد أسست حركة إسلامية ثورية
وحديثة بواقعها الجديد وتسميتها الجديدة, تأسست مباشرة بعد
اجهاض الانتفاضة الشعبانية العام 1991, واعلنت عن نفسها في
ليلة الخامس عشر من شعبان العام 1994. وهجم رجال الأمن على
منزلي ومكتبي لإلقاء القبض عليَّ بسبب إيوائي مقاتلي الأهوار،
والتنسيق مع مجاميع أفواج الرفض, والمقاومة لحركة الاسلاميين
الاحرار.
ومعلوم, أن يوم 15 شعبان هو ذكرى مولد الإمام المهدي المنتظر
وواحدة من مناسبات الزيارة الكبرى إلى كربلاء, حيث ضريح الإمام
الحسين بن علي بن أبي طالب, وقد شاع اسمها بالزيارة الشعبانية
حتى كأنها توحي بأنها خطوة لظهور المهدي, حيث مناسبة ولادته,
والحشد لمبايعته. جعل البغدادي نفسه المرشد الروحي للحركة,
وأنها هي التي فجرت مخازن الحلة العسكرية بنجاح, حدد البغدادي
الحدث في(10 آذار/ مارس 1998). وقد حصل تفجيران قريباً من
الحلة , حيث يوجد معسكر خاص بصناعة المتفجرات وغيرها بُعيد
الحرب العراقية الايرانية, وبُعيد الخروج من الكويت (1991) وقد
اتهمت السلطة العراقية في الأولى حزب الدعوة الإسلامية, إلا أن
الأمر ظهر, حسب أحد العاملين هناك من ضباط الاحتياط, التقيته
في بيروت (شباط/ فبراير 2008م ) بأن ما حصل في الأولى كان
أسباب فنية, وله علاقة بما كان يأمر به حسين كامل (قتل 1996),
وزير التصنيع العسكري من أوامر بلا دراية وخبرة.
ولايفوت البغدادي أن يذكر مطالبته من قِبل آخرين التصدي
للمرجعية بعد وفاة أبي القاسم الخوئي (ت 1992) (( إلا أنه رفض
ذلك أسوة بالسلف الصالح))! وأنه خرج من العراق سيراً على
الاقدام عبر الأهوار والتقى بمرشد الثورة الايرانية آية الله
خامنئي, لكنه لم ينسجم مع المعارضة الإسلامية العراقية وأفاد
بعد عودته إلى العراق, إثر الغزو الأمريكي, أنه دافع وهو في
إيران, عن محمد محمد صادق الصدر, وغمز من قناة المجلس الأعلى
للثورة الإسلامية وآل الحكيم حيث تجدد خلافهم مع آل الصدر بعد
سقوط النظام.
قال:(( صرحت في المهجر، وبخاصة عندما كنت في قُمْ المقدسة،
وبحضور مجاهدي الأهوار: كل مَنْ ظلم السيد الصدر إما جاهلاً
وإما ظالماً وإما جاسوساً للمخابرات المحلية والعالمية. وعندما
نشرت هذه المقولة في الصحافة العربية والإسلامية استنكرها بعض
رموز المعارضة ... وألقى محاضرة نقد من أتهم فيها السيد الشهيد
بأنه حكومي . وتعني مفردة الحكومي أنه متعامل مع السلطة
السابقة!
وبعد ما قاله حول هروبه بسبب تأسيسه لـ (( حركة الاسلاميين
الاحرار)) . وإثر عملية تفجير مخازن الحلة العسكرية عاد يتهم
المرجعية الدينية في النجف ببثها معلومة خطيرة حوله، مفادها
بأنه ألف كتاباً ضد النظام السابق تحت عنوان (( الطاغوت يحكم
)) ، إلا أنه هرب قبل ان يصل الامن الخاص إليه . وتراه في
لقاءاته الصحافية بعد سقوط النظام، يقف ضد المرجعية في النجف
وضد المعارضة القادمة من خارج العراق. نعت الاولى بالدكتاتورية
الحوزوية الانهزامية ، ويشير الى الثانية بأنها تاجرت بالشعب
العراقي ، في الداخل والخارج ، وانها نسقت مع الدول الإقليمية
الرجعية منها والتقدمية ، وكسب أحزابها الملايين (( من
الدولارات الصفراء )) ، على حد عبارته .
وتراه يرجع خلافه مع مرجعية أبي القاسم الخوئي الى سنوات
مبكرة، أي الى بداية الثمانينيات من القرن الماضي . قال: ((
كنا نوجه عتاباً هادئاً عندما قتل الشهيد الخالد محمد باقر
الصدر، فإن المرجع في ذلك الوقت التعيس لم يدافع عنه بسبب
الأخذ بالتقية اللاشرعية. لذا أقول: إن الاخذ بالتقية، التي
تفضي الى نسف معالم أصول الدين من اكبر المحرمات الشرعية. هذه
مسألة بديهية لا تحتاج الى تفسير أو دليل ، فلا يخدعكم رجل دين
دجال أو حزبي ضيق)).
ويحدد البغدادي التقية بفروع الدين لا بأصوله :(( أن نصلي
بصلاة أهل السُنَّة والجماعة ، وأن نحجّ بحجهم، ونجاهد بجهادهم
ضد الهجمات الخارجية، هذا إذا كانت هناك ضغوط طاغوتية ضدنا...
أما الأخذ في التقية في أصول الدين فلا يسوغ إطلاقاً عند كافة
المذاهب الاسلامية المختلفة إذا كان الدين في خطر)).
استفاد البغدادي من الوضع الجديد بعد التاسع من نيسان/أبريل
2003م، مثل غيره من السائرين في العملية السياسية أو المعارضين
لها من أعداء أمريكا وأصدقائها على حد سواء، وأخذ يخطب من على
منابر مدينة الثورة، ويسميها(( مدينة الصدر المنورة)) بالتنسيق
مع التيار الصدري، من دون إغفال أو نسيان ما قرأه او تأثر به
من قراءاته الاولى في الماركسية .
قال:(( هذه المدينة مستهدفة من قِبل الرتل الخامس، والقوى
الرجعية المضادة بوصفها مدينة العمال والفلاحين والمحرومين)).
ومما لاشك فيه أن الهتاف بروح طبقية هو شأن ماركسي بامتياز!
لكن ليس من الحق احتكاره, ولربما استعاض عنه الاسلاميون
بالمظلومين أو الضعفاء. وبالمقابل وظفت حركات ثورية عديدة
الآية ، مثلما ظهر ذلك بين الحركات الثورية الماركسية باليمن
الشمالي مثلا: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ
اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).
وكبقية رجال الدين المسيسين، يرى البغدادي، وهو يخطب من مدينة
الثورة، حيث معقل الصدريين أن(( السياسة هي الدين والدين هو
السياسة. كل مَنْ يزعم أن الدين ليس له علاقة بالسياسة هو
فاسق بإجماع الأئمة، علماء الإسلام سُنَّة وشيعة سواء بسواء ))
. وعلى طريقة ما كان توصف به خطابات القادة، ومنهم صدام حسين ،
أخذ أتباع البغدادي, (وهم قلة) يصفون خطابه بالتأريخي.
دعا البغدادي الى جبهة وطنية، الا انه يضعها تحت تسمية اسلامية
مع انها تحوي في داخلها كفارا وملحدين وفساقا على حد تعبيراته
اذ قال: (( يجب ان نتعاون مع اي جهة، مع اي فئة، ومع اي حزب،
حتى لو كان فاسقا، بل حتى لو كان كافرا، بل حتى لو كان ملحدا،
بمجرد ان يحاول هذا الحزب او تلك الفئة التنسيق والتعاون معنا،
يجب علينا ان نقيم الجبهة الوطنية والاسلامية)) تبدو دعوة
انفتاح لا حدود لها، اتت من رجل دين، اجده مستلهما اخوان الصفا
وخلان الوفا، ومذهبهم الديني من ارومة مذهب البغدادي مع
الاختلاف، وهم القائلون في رسائلهم: ((وبالجملة ينبغي لاخواننا
ايدهم الله تعالى ان لا يعادوا علما من العلوم، او يهجروا
كتابا من الكتب، ولا يتعصبوا مذهبا من المذاهب، لانا رأينا
مذهبنا يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم جميعا))
لكن كيف يمكن تكوين جبهة مع مَنْ وصفهم بتلك الأوصاف، التي
تخرج أصحابها من الاسلام والدين عامة، وهو يريدها جبهة ثم دولة
اسلامية؟! إلا أن لتلك القوى ، والتي يدعوها البغدادي لمشاركته
الجبهة الوطنية، تجربتها مع آية الله الخميني ، وقد أتى به
مثالاً في خطابه عندما تعاون في بداية الثورة مع الحزب الشيوعي
الإيراني والقوى الليبرالية واليسارية، ثم أنقلب عليها، وقسا
ضدها، وتنكر لفعلها البالغ في قيام الثورة، بل ظهر عليها
مستبداً! هل هو هذا النموذج أم دعوة الى الشراكة في القرار
بعيداً من الإصرار على تحقيق الاهداف، والسيد البغدادي حسبما
تقدم في سيرته أنه قرأ كتاب ميكافلي (الأمير) !..
ويعرض البغدادي فكرته أو عقيدته في المهدي المنتظر في سياق
إجابته على سؤال حول قول مقتدى الصدر : بأن أمريكا جاءت لوأد
قضية الامام المهدي! قال:((على كل فرد شيعي أن يفكر بالظهور،
حتى لو كانت المساجد قائمة، والصلوات اليومية قائمة، وأداء
فريضة الحج قائمة)) فالإمام المهدي حسب المرويات، لايظهر إلا
بعد خلو الأرض من تلك الفرائض.
وقال أيضاً: (( إن مصيبة الإمام المهدي أعظم من مصيبة الرسول
الأعظم (ص) لانه يأخذ بالظاهر الاسلامي! فمن قال : لا إله إلا
الله محمد رسول الله حقن ماله ودمه وعرضه . أما الامام
المنتظر (ع) فإنه يحاسب الناس حساباً واقعياً. مثلاً: تأتي
إليه العشائر، ويرفعون شعار: جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل
كان زهوقا! فيقول الإمام: اقتلوا رئيس العشيرة بوصفه منافقاً،
عندها تجد الناس يشتمون الامام المنتظر، ويقولون: كيف هذا؟ ابن
الرسول يقتل ابناءنا وييتم أطفالنا))!
وهناك رواية تقول:(( إن الإمام عندما يوجد على ظهر الكوفة ،
ويستقبله اربع مائة عالم دين يقولون له: يا ابن رسول الله ارجع
من حيث أتيت فإن القرآن يكفينا! فيغضب الامام فيقول: حاجج
العرب جدي بالحجارة، هؤلاء يحاججوني بالقرآن! فيضع السيف على
أعناقهم، ويقتلهم عن بكرة أبيهم، فيبدو أن هناك ـ وقت ظهور
الميمون ـ ظاهراً إسلامياً ومراجع وحوزات وأحزاباً إسلامية ،
ولكنها على ما يبدو تؤمن بالإسلام الأمريكي)) . عبرت تلك
الروايات عن وجهة نظر في معارضة أو مقاومة من نوع آخر، أو طريق
معتقديها في بناء وطن وإنقاذ شعب مما هو فيه .
ووصف البغدادي نفسه بالاسلامي التقدمي ، (ربما) لانفتاحه
المتقدم، أو مخالفته للمرجعية التقليدية، ولعل في كتبه جوانب
لاتنكر من التقدمية قياساً بآخرين. ومن كتبه: ((السلطة
والمؤسسة الدينية الشيعية في العراق))، و ((جهاد السيد
البغدادي)) جده ، و((منشأ اختلاف الأمة)). وقيل إنه نال اجازة
الاجتهاد بتأييد من جده الحسني البغدادي (ت 1973)، والشيخ علي
الغروي (قتل 1998) . ويصفه البعض بإنه صعب الانقياد ، فلا
تستطيع حركة إسلامية أن تستقيم معه، ولا حوزة دينية أن تخالطه
، إلا أن تؤمن برأيه وتدين بعقيدته)) . ولا ندري هل كان هذا
الوصف معه أم ضده ، لكن قد يعتبره إطراء لشخصه! وكم يتعارض هذا
مع دعوته الى ((جبهة وطنية)) تجمع الاتجاهات المتنافرة!
مقتطفات من كتاب: ((لاهوت السياسة الاحزاب والحركات الدينية
في العراق)) .
رشيد الخيون
الناشر: درسات عراقية ، ص 268 وما بعدها .
ط 1 ، بغداد ـ اربيل ـ بيروت . 2009
|