|
حصارات علي- النجف مدينة تعتاش على الموتى
عرض للكتاب الجديد للمفكر العراقي عادل رؤوف
وتتبع إنتقاله من رحلة البحث المعرفي إلى التأسيس لمدرسة
معرفية جديدة
من الحلقة الأولى الى الخامسة
الحلقة الأولى ـ تمهيد
في سلسلة مقالات سابقة لنا جاءت في ثمانية حلقات والموسومة
"عادل رؤوف ... ظاهرة ثقافية وفكرية مميزة وفريدة قراءة أولية
في كتابه الأخير "أنبياء وأصنام" قلنا في الحلقة الأولى والتي
نشرت بتاريخ 23-5-2009 ما يلي:
"عادل رؤوف نوع متميز جداً من المثقفين أو المفكرين أو الكتاب
الإسلاميين، تصيبك الحيرة في تصنيفه فلا يمكنك الجزم أي واحداً
منهم هو، فهو اكبر من أي قالب توصيفي يمكن أن يخطر ببالك،
وربما يكون مزيجاً منهم جميعاً."
وقلنا ايضاً بأن:
"عادل رؤوف حين يصدر كتاباً جديداً فإنه يتربع على قمة فكرية
لا يتزحزح عنها إلا ليتربع على قمة مثلها أو أعلى منها، متمثلة
بكتابه الجديد التالي. فتراه وكأنه عملاق فكري لا يعرف الحركة
إلا لكي ينتقل من قمة إلى اخرى."
ومن الواضح اننا كنا على صواب إلى حد كبير في ذلك الإستقراء،
خاصةً عندما أكملنا قراءة كتابه الذي صدر مؤخراً والموسوم
"حصارات علي-النجف مدينة تعتاش على الموتى". وبعد أن أتممنا
قراءة الكتاب رأينا أنه من المفترض بنا أن نعرضه على القراء
الكرام بل ونرى ذلك واجب علينا، لأنه من المنطقي في هذه
المرحلة التي تعيشها هذه الأمة الإسلامية التي تكالبت عليها
الأمم، هذه الأمة المنكوبة بـ
«قياداتها»
و«رجالتها»
و«رجال»
دينها والحراس
الغلاظ «لمذاهبها»
المتعددة، من المنطقي أن تعلم هذه الأمة بما يجري من حولها،
وكيف ان السواد الأعظم منها إما قد تم تغيبيه فكرياً قسراً،
أو انه أضحى من
«المستحمرين»
بالولادة.
فهذا الكتاب ينقل كتابات عادل رؤوف في رحلته الطويلة والمضنية
في البحث المعمق ضمن المفردات والمفاهيم المعرفية، إلى
الإنتقال المنهجي المتميز إلى التأسيس (أكرر التأسيس) لمدرسة
معرفية جديدة تجعل من هذا النتاج الفكري مادة صالحة للقراءة
لسنوات طويلة قادمة وربما لعقود من الزمن. انه (أي الكتاب)
قراءة جديدة لواقع المجتمع العراقي وللعوامل الذاتية التي تفسر
لنا الحراك التاريخي والإجتماعي الذي شكل شخصية الفرد العراقي
وهوية مجتمعه. ومن زاوية مغايرة لما ذهب اليه تحليل الدكتور
علي الوردي في دراساته ومؤلفاته التي حللت واقع العراق
الإجتماعي، والتي تمحورت في معظمها حول نظرة معرفية أحادية
ومستقطبة أساسها نظرية (أبن خلدون) عن البداوة والحضارة، نقول
هذا مع إحترامنا الشديد للإنجاز المعرفي التأسيسي والريادي
للدكتور علي الوردي رحمه الله.
حيث غاص رؤوف في عمق التاريخ بدءاً من مرحلة الخلافة الراشدة
وحتى اللحظة الراهنة، ليأخذنا في رحلة لإستكشاف عوالم تبدو
بالنسبة للكثيرين منا غامضة وطلاسمية إلى حدٍ ما. ومفسراً
ايضاً من خلال رحلته تلك، كيفية تشكل المذاهب الإسلامية و«حراسها»
الأشداء (على حد تعبيره)، وظهور طبقة رجال الدين الذين يعتاشون
من عطايا (السلطان الغصبي) أو يكتسبون (مشروعيتهم) من إدعاء حب
(آل البيت)، حتى انهم نصبوا انفسهم
«ناطقين» بإسمهم،
وأكثر من ذلك فإن الكثير منهم ليس بعربي ولا يستطيع حتى أن
يتواصل مع (مقلديه) بلغة عربية سليمة. فكم من رجل دين يتاجر
بعلي بن أبي طالب (ع) ويعتاش على (البكائيات) التي تصف رحلة
الشهادة لأبنائه وأحفاده؟، إلا أنه (أي رجل الدين) لا يعترف
بفكر الإمام علي (ع) ممثلاً بـ (نهج البلاغة) وقام بدفنه
وتحنيطه ووضعه في (متحف) الفكر، وتجريده من أي صفة تأسيسية
للمذهب (الجعفري) تحت مقولة (أن نهج البلاغة لا حجية عليه).
ويذهب رؤوف إلى أبعد من ذلك حين يعود إلى الجذور الأولى ليناقش
(مشروعية) تأسيس المذاهب ذاتها (أي مذهب) من المنظور القرآني،
ووفق منطق معرفي وفكري متين يمكن أن نطبقه في الحكم على كافة
المذاهب الإسلامية بشكل عام.
كما نراه يناقش هيكلية المذهب (الجعفري) ومؤسساته ومفرداته
ونصوصه التي تمظهرت وتشكلت عبر التاريخ الإسلامي، أو حتى تلك
التي تم تزويرها خلال قرون طويلة في مسيرة دامية شهدها تاريخ
هذه الرقعة الجغرافية التي تتوسط ما أسماه رؤوف بالمثلث النبوي
الذي يشمل أساساً القدس ومكة.
لقد نسج عادل رؤوف موضوع كتابه حول عنوان محوري ومركزي مهم وهو
الإمام علي (ع)، وحاول إستكشاف وتقصي أثره (ع) في تكوين الواقع
العراقي كما نعرفه الآن، مذهبياً وإجتماعياً وحضارياً ونفسياً.
ويثبت الباحث بأن الإمام علي (ع) قد ظُلم بشدة حين أحيط بأكثر
من حصار في حياته، وحتى بعد مماته، ومن هنا جاء العنوان
الرئيسي لكتابه (حصارات علي).
ثم يثبت لنا الباحث عادل رؤوف علاقة علي (ع) بالجغرافيا من
خلال جدلية علي-العراق وكيفية إرتباط هذا (العراق) من الطرف
الثاني بجدلية العراق-الإسلام ومن الطرف الثالث بجدلية اخرى
ذات إشكالية أكبر هي العراق-الكون، وكيفية إنها (أي الجدليات
الثلاثة) امتزجت وتوحدت في رسم مصير وتاريخ ومجتمع العراق، بكل
محطاته الأساسية وفي رحلة مستمرة وطويلة من الألم والدم
والمعاناة التي لم يحدث مثيل لها في التاريخ.
وفي هذا السياق يذهب المفكر عادل رؤوف الى توصيف العراق بأنه
كان يبدو كمثل (لغز كوني)، ويقول في هذا الصدد ما نصه:-
”
اننا (ندعي) أنَّ هذا الكتاب يتكفل بالاحاطة بهذا (اللغز) على
اساس مجموعة من الفرضيات، وهي فرضية (العراق المركز الديني
والتاريخي والجغرافي الكوني) وإدراك الإمام علي (ع) لها،
وفرضية ( إنَّ علياً والعراق هما وجهان لعملة واحدة)، وفرضية
(ان جدل علي = جدل العراق = جدل الاسلام) وفرضية (ان دراسة
العراق من خلال علي تكشف عن ازمته اكثر من دراسة العراق ذاته
من خلال كثرته العنوانية)، فوفق هذه الفرضيات واثباتها
بالامكان تحديد (حصارات علي) التي احكمها الناطقون باسمه اكثر
من غيرهم، وما فرضته من كثرة الانماط الاجتماعية وتعدد الطبقات
بتمايزها السلبي واثرها التعددي (الانشقاقي) للمجتمع العراقي،
بما يقدم تصورات جديدة عن طبيعة هذا المجتمع وانسانه، وعلاقتها
بازمة المواطنة والوطن بما ينتهي اليه من احتلال وتهديم ودمار،
يرتد عاجلا ام آجلا على الذين ساهموا فيه كلهم."
من الواضح أن المعاناة والمرارة الذاتية والمعرفية التي تزخر
بها كتابات عادل رؤوف قد أسهم في تكونها إلى حدٍ كبير، سعة طيف
نظرته الإستقرائية، وتصديه لمحاولة فهم المكونات والعناصر
(التأسيسية) التي تشكل صورة الحدث المعرفية والفكرية.
من هنا جاء إنجازه (الكتابي) الأخير الموسوم (حصارات علي)،
ليشكل علامة فارقة فيما اسميناه في مقالنا المشار اليه اعلاه
حول كتاب :أنبياء وأصنام" حيث قلنا ما نصه:
"عادل رؤوف كاتب يجعلك تقرأ كتبه وانت متقطع الانفاس لاهثاً
بين سطورها، ويرغمك على إعادة ما تقرأ كي تحاول أن تتبع
المنطلقات المعرفية والفكرية التي يطرحها، أو الاسرار والوثائق
التي يوظفها في نصوصه. أو المفردات التي يبرع بنحتها وصياغتها
الى حد الإعجاز (البشري طبعاً).
عادل رؤوف هو من الصنف النادر من الكتاب والمفكرين الذين
يمتلكون القدرة والموهبة لإختراع المصطلح وتطويع الكلمات
وتكثيف المعنى وبغزارة يصعب عليك أحياناً حتى مجاراتها ولو
قراءةً. فهو لا يتحفنا بكل كتاب أو في كل فصل بمصطلح جديد، بل
إنك قد تجد في كل صفحة وربما في كل سطر فيها مصطلح جديد، ولا
نقصد بالمصطلح هنا مجرد كلمة أو بضع كلمات تختزل صورة معينة
بكثافة معرفية هائلة، بل انه سوف يصعب عليك جداً حتى مجرد
محاولة ايجاد بديل لها أو نظير لها. وأحياناً تشعر انه (أي
عادل رؤوف) لم يترك حيزاً أو فسحة لمن بعده كي يضيف شيئاً ذا
قيمة. انه ببساطة كاتب السهل الممتنع."
وما صح في قولنا عن كتاب "أنبياء وأصنام" يصح أكثر منه على
"حصارات علي"، حيث نجد انفسنا امام فيض من العناوين والمصطلحات
والكلمات (المفتاحية) سواءاً جاء بها كعناوين للفقرات أو ضمن
النصوص.
فكتاب "حصارات علي" جاء بمقدمة واربعة عشر فصلاً وختم
بالإستنتاجات. ونستعرض فيما يلي عناوين تلك الفصول:-
«علي العراقي»، «علي (المشتوم) اموياً في العراق .. علي
(الشاتم) عباسياً للعراق!!»، «علي (الحوزوي)!!»، «علي
(الطبقي)!!»، «علي (المذهبي)!!»، «علي (العضلات)!!»، «علي
القرآني»،
«علي (الذكوري)!!»، «علي (الزعيم)!!»، «علي (الملياردير)!!»،
«علي (المناطقي) .. علي (النجفي)!! »، «علي العربي .. علي
(الاعجمي)!!»، «علي (القبور)!!»، «كربلاء (دولة الشيرازيين)!!»
.
عناوين قد تبدو لبعض القراء ولأول وهلة بأنها (غرائبية)
استخدمت للإثارة أو لفت النظر وهي غير ذات مضمون. ولكنها في
الواقع على العكس من ذلك تماماً، فهي عبارة عن مصطلحات عنوانية
معرفية وفكرية مكثفة، ولا نبالغ إذا ما قلنا أن كلاً من هذه
العناوين قد يصعب إستبداله بأخر يحمل نفس المضمون ويحمل ذات
القيمة المعرفية، بل أن كل واحد منها ربما يحتاج ليس إلى فصل
واحد كما فعل رؤوف، بل إلى كتاب مستقل لشرحه والبحث من كل
الوجوه للوصول إلى كامل عمقه ومضمونه.
في عرضنا السابق لكتاب "انبياء وأصنام" قمنا بإختيار بعض
المواضيع التي اعتقدنا انها مهمة وينبغي ان يتم تسليط الضوء
عليها وعرضها على القاريء الكريم، وحاولنا قدر إمكاننا ان نشرح
ما اجتهدنا في فهمه من كتاب"انبياء وأصنام"، ولا نعلم إن كنا
قد وفقنا في ذلك أم لا، فالحكم فيه للقاريء الكريم.
وفي محاولتنا المتواضعة الحالية (ورغم إقرارنا بصعوبتها)
سنحاول ان نطرح قراءتنا الذاتية لكتاب عادل رؤوف الجديد
"حصارات علي"، وسنكون مرغمين (من الناحية الفنية) على ان نرسم
خلفية في الحلقة التالية (الثانية)، لحدث تاريخي مفصلي وتأسيسي
للجدل حول الشخصية المحورية الرئيسية للكتاب أي الإمام علي
(ع)، وسنحاول تجميع أجزاء هذه الخلفية التي سنستلها من ثنايا
ما استعرضه رؤوف الكتاب عن شخصية علي (ع) قبل وبعد إجتماع
«السقيفة»،
التي نعتبرها محطة رئيسية اريد لها (قسراً) ان تأسس لما اعتبر
لاحقاً (مشروعية) لتكوين مذهب من مذاهب الدين الإسلامي. ثم نمر
على ما تبع ذلك من احداث تاريخية اعقبت مبايعة علي (ع) للخلافة
وتمرد معاوية عليه.
بعدها، وبدءاً من الحلقة الثالثة، سوف نتعرض إن شاء الله لكل
فصل من فصول الكتاب محاولين تلخيص أهم ما فيه، رغم إننا نؤمن
(كما ذكرنا أعلاه) بصعوبة ذلك حيث ينبغي أن يتم الشرح والتوسع
في مبحثه بكتاب مستقل وليس العكس. من جهة أخرى فإننا نؤمن بأن
إستعراضنا لفصول الكتاب واحداً بعد الآخر، هو أمر مهم جداً كي
نتبين كافة الركائز الأساسية للبناء المعرفي الذي يحاول رؤوف
أن يؤسس له من خلاله مدرسته المعرفية الخاصة. ونسأل الله عز
وجل أن يمكننا من إكمالها بأفضل صورة نتمكن منها.
وفي هذا الصدد سنسعى لأن نخصص لكل فصل حلقة خاصة، أو قد يستوجب
الأمر أن نقوم بدمج أكثر من فصل في الحلقة الواحدة عندما نجد
ذلك ضرورياً، لوجود ترابط وتجانس بينها يفيدنا فيما سنحاول أن
نستكشفه من إبداعات المفكر والباحث عادل رؤوف مستعينين بالله
عز وجل وراجين منه التوفيق والسداد، والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.
رعد الجبوري
كاتب ومحلل سياسي مستقل
16-10-2009
الحلقة الثانية-
اجتماع سقيفة بني ساعدة
نبدأ مع المفكر عادل رؤوف عند توقفه في واحدة من اهم المحطات
واللحظات التاريخية الفارقة والحزينة في تاريخ الإسلام كدين،
وللدولة والأمة الإسلامية كمشروع وليد بدأت شمسه بالبزوغ، وتلك
اللحظة هي يوم وفاة الرسول الأعظم محمد (ص)، التي طرحت إشكالية
آنية طارئة وكبيرة، لم تستعد لها الدولة الوليدة، الا وهي
التسليم بغياب الرسول (ص) نهائياً عن المشهد اليومي في إمامة
وقيادة وحياة المسلمين، وضرورة ان يتصدى خليفة له، لملء موقع
إمامة المسلمين وتسلم قيادة الأمة سياسياً والتعامل مع شؤونها
وشجونها اليومية. وكلنا يعرف الاحداث التي جرت في حينها خاصةً
ما يتعلق منها بالإجتماع الذي عقد في سقيفة بني ساعدة والذي
إنتهى بتسمية ومبايعة أبو بكر الصديق (رض) كخليفة للرسول (ص).
والذي شهد أيضاً تغيب أو (إستغلال ابتعاد) حسب توصيف البعض،
الإمام علي بن أبي طالب (ع) عن ذلك الإجتماع بـ (قصدية) أو
بدونها. في مظهر خلافي استمر أشهر قليلة، لكنه كان أكثر من
كافٍ للبعض كي يجعلوا من هذا الحادث حجر زاوية (شرعي) و(متين)
لتبرير (مشروعية) تأسيسهم لـ (مذهب) جديد، ليس آنياً بل لاحقاً
بعد عقود من الزمن، وليس في حياة الإمام علي (ع) بل بعد وفاته.
وقد استند الكثير من حراس (المذهب) على هذه الحادثة وأسموها
(خلاف السقيفة).
وفي هذا الصدد يقول رؤوف في الصفحة 46 ما نصه:
"وفق رأي الذين يرون أن علياً حُرمَ الخلافة من خلال إبعاده عن
سقيفة بني ساعدة، فيما أنني أعتقد أن علياً لو دعي لإجتماع
السقيفة وحضر أو لم يحضر فلن يتصدى للخلافة، لأن الخلافة لديه
مشروطة بتطبيق الشورى بشكلها القرآني الذي يستوعبه نخبة
المؤمنين جميعا وبالبيعة .. بيعة الناس، والدليل على ذلك موقفه
منها بعدما دعي اليها ورفضها لأول مرة، إلا أنه عندما اكتملت
البيعة بشروطها قبلها .. والبيعة على أية حال لا تتعارض مع
الوصية، سواء بالنسبة للذين يعتبرون الوصية ترشيحاً أو بالنسبة
للذين يرونها تنصيباً ".
وهذا الرأي يستحق التوقف عنده طويلاً، لما للتسليم بصحته أو
بأرجحيته من أثر كبير يسهم في هدم واحدة من أهم الأسس (إن لم
يكن أهمها على الإطلاق) التي استند عليها الحراس «المذهبيون»
الغلاظ لتبرير مقولاتهم «التأسيسية» لـ «المذهبية». وفي رأينا
الشخصي نرى ان هذا الرأي الذي صرح به المفكر عادل رؤوف يمكن ان
يكون له أثر تأسيسي معاكس بالضد مما حرص حراس «المذهبية» على
إشاعته والتذكير به في كل وقت وحين.
من جانب آخر ذي صلة، وخلافاً لما ذهب اليه د. محمد عابد
الجابري في كتابه (العقل السياسي العربي محدداته وتجلياته، نقد
العقل العربي - 3) صفحة 145 يقول عادل رؤوف في الصفحة 47 ما
نصه:
"وأذن لم يكن أمر الخلافة بالنسبة لعلي هو محاولة الحصول عليها
كما يشي بذلك نص يسوقه الجابري بهذا الإطار"
ويعود رؤوف ليؤكد ذلك من جديد حيث يقول عن الإمام علي بن ابي
طالب (ع) وفي الصفحة 50 من كتابه ما نصه:
"فهو حتى عندما يستشار «حول إمامة الحسن) (ع)» يحيل أمر ذلك
إلى الأمة .. وكما أسلفنا إن ذلك لا يتعارض مع «الوصية»
فالإمامة مشروطة بالبيعة، ولعل تجربته خير دليل على ذلك."
وهنا يعيد رؤوف التأكيد على مشروطية الإمامة بالبيعة والبيعة
تختص بها الأمة بمجموعها وهذا ما يؤسس للنظام السياسي الأسلامي
الصحيح وفق الشرط القرآني {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ }.
أما عن الإمام علي (ع) بعد (السقيفة) فيقول عادل رؤوف في
الصفحات 218-219 ما نصه:
"فهو عايش أبو بكر وعمر وعثمان (رض) بعد تخطي واقعة السقيفة
بزمن «خلافي» قصير، لا يقارن بأي وجه من الوجوه مع الزمن
التعايشي لهم الذي طال عشرات السنين. لقد اُريد لهذا
الزمن«الخلافي» القصير الهامشي أن يتحول إلى أصل تأسيسي لهويات
الأمة «المذهبية»، على حساب زمن التعايش والتعاون الطويل،
واُريد لأشهر «خلافية» ان تتحول إلى أصل على حساب عشرات السنين
التعاونية التكاملية بينهم ... وكذلك لموقف علي (ع) الناصح
والمسدد لعثمان (رض) والمدافع عنه .. اُريد لهذا الموقف أن
يتحول إلى نقيضه وضده، مع أن مسار التاريخ كان واضحاً في هذا
الاطار .."
هكذا الحال إذن فعلي (ع) قد تخطى واقعة السقيفة، بعد الزمن
«الخلافي» القصير والهامشي. كان علي (ع) متعايش وناصح لأبو بكر
وعمر وعثمان (رض). فإذا كانت العلاقة بين علي وباقي الخلفاء
الراشدين (رضوان الله عليهم)، هي كما وصفها رؤوف بصدق وحيادية،
إذن لماذا تعاني الأمة الإسلامية منذ أربعة عشر قرناً من دعاوى
«غصب» الخلافة و«المظلومية» و «المذهبية» والشتم والشتم المضاد
...الى آخره من الأفعال والأقوال التي مزقت الأمة وشتت جهود
أبناءها وبددت ثرواتها والأهم من ذلك ضيعت الصراط المستقيم
وطمست الحق وشوهت دين الإسلام وفرقته شيعا.
وتأكيداً لذات المنهج في السعي وراء الحقيقة في تعامله مع
التاريخ واحداثه بحيادية وأمانة وإنكاراً للذات قل نظيره،
يتوقف عادل رؤوف عند مقولة «لولا علي لهلك عمر» ، فعلى الصفحة
221 يقول ما نصه:
"وأحاديث عمر (رض) في حق علي (ع) تتحرك «شيعياً» جيلاً بعد جيل
شفاهياً وسماعياً. وحركة هذه الثقافة جعلت منها مقولات جاهزة
للحفظ والترديد على لسان صغار «الشيعة» وشبابهم وكبارهم، ولا
يوجد «شيعي» تسقط عن حافظته هذه المقولات، لا فرق في ذلك بين
الجاهل والعالم، بين «االعامي والمجتهد» ... «الشيعة» يرددون
تلقائياً هذه المقولات التي على رأسها مقولات الهلاك ومفردة
«الهلاك» ... «لولا علي لهلك عمر»"
هنا يبدأ رؤوف رحلته البحثية في تفكيك هذه المقولة وما شابهها
ليقرر فيما دونه في الصفحة 222 ما نصه:
"أولاً: انها مقولات تعترف اعترافاً جزمياً بان عمر بن الخطاب
(رض) كان يمارس إدارة أمور الأمة ليس بطريقة شخصانية
ودكتاتورية ... بل بالتشاور مع الصحابة (رض) انذاك، ويأتي على
رأس هؤلاء الصحابة الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وبالتالي فان
إدارته شؤون الأمة الإسلامية لم تكن تتم بطريقة دكتاتورية، بل
بطريقة شورية .. تجسد عملياً مبدأ الشورى القرآني: «وأمرهم
شورى بينهم». بغض النظر عن «أزمة السقيفة» و«أشهر الخلاف
الستة» التي حُوْلَتْ إلى «أصل تأسيسي للمذهبية» مسقطة عقود
التعايش، تحذفها حتى كملحق لهذا التعايش الإيجابي بين الخلفاء
الأربعة (رض)، وليست شورى شكلية استناداً على «الروايات
والأحاديث الشيعية»، ولو أن مبدأ الاعتماد الى «الروايات
والأحاديث والأخبار» بشكل عام له حديث مستقل."
لا نعتقد بعد هذا النص أن يخامر احداً شك في حيادية وموضوعية
ومنهجية كتابات عادل رؤوف، فهو لا يبحث عن دور أو موقع كما
يفعل الكثير من «كتاب» المناسبات او «المفكرين» بالصدفة من
الذين تعج بهم الساحة الثقافية العراقية والعربية والإسلامية.
أنه لا يهمه ما يدّعيه حراس «المذاهب» الذين يدافعون بشراسة عن
«دينهم الموروث» مصداقاً لقوله تعالى {إِنَّا وَجَدْنَا
آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم
مُّقْتَدُونَ}، وحين تدعوهم الى العودة إلى ما أنزله الله في
قرآنه المجيد {قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ
آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً
وَلاَ يَهْتَدُونَ}، ولا يهم رؤوف أن رضوا عنه أو ناصبوه
العداء، فالحق بالنسبة اليه أحقُ أن يُتبَع. وما يسنه أي
«مذهب» أو وما يبتدعه «حراسه» ينبغي أن يعرض على القرآن أولاً،
لنتبين مدى صلاحيته وإلا فينبغي إستبعاده. فالقرآن إذن، وفق
تحليل عادل رؤوف، هو الحارس الأمين على صحة أي «مذهب» أو تشريع
أو فكر.
بعد ذلك يرى عادل رؤوف أن علي (ع) عندما عارض بصفة مؤقتة نتائج
السقيفة فذلك للتعبير عن موقف فكري وثقافي تأسيسي يشير إلى أن
تفاصيل ما حدث في (السقيفة) ليس لحب علي (ع) في الزعامة، لأنه
كان أصلاً زاهداً فيها، بل لأن ما حدث لم يتطابق تماماً مع
مبدأ الشورى كما جاء في الكتاب والسنة. وإنهاء ذلك الخلاف جاء
حفاظاً على وحدة الدين والأمة وتعبير إضافي عن موقف ثقافي
تأسيسي أيضاً مرتكزه وعنوانه الأساسي هو وحدة الأمة، وعن ذلك
يقول رؤوف في الصفحات 227-228 ما نصه:
"أراد علي بن أبي طالب (ع) الا تقع الأمة في ما وقعت فيه من
«مذهبية» تمزيقية، وأراد لهذه الأمة ألا تؤسس ثقافتها
الإسلامية على أساس الشخصانية، ولذا فإنه عندما عارض مؤقتاً
النتائج التي فرضتها سقيفة بني ساعدة، فهو عارضها لأنها لم
تحرز الملاك الكامل لمبدأ الشورى في المسألة القيادية التي
أسسها القرآن الكريم والرسول (ص) .. كما انه لم يبايع ابا بكر
(رض) بعد خلاف فترة وجيزة بالقوة.. بل بايعه حفاظاً على وحدة
الأمة ومصلحة المسلمين العليا.. وهو لم يتعاون مع الخلفاء
ويتحالف معهم وهو خارج موقع الخلافة الرسمي في فترة «خلاف
السقيفة» «إعتباطاً» أو «مجاملة»، بل ليكرس بذلك أسس الثقافة
الوحدوية للأجيال اللاحقة. فلم يكن علي ابن أبي طالب (ع) تهمه
الزعامة كشخص حتى نرفع شعار «مظلوميته الشخصية» .. و هو الذي
قال عن زهده فيها ما قال، بل هو أراد للإسلام أن لا يُظلم،
ومَنْ ينتمى الى مذهب علي (ع) حقاً فعليه ان يتبع المنهج الذي
أسسه وسار عليه أيام حياته،"
ولن نجد نصيحة أهم وأبلغ من قوله (أي رؤوف) من العبارة الأخيرة
التي وردت في النص السابق. وحقاً فإن من يدعي بأنه يحب علي
وينتمي اليه، ولا يقتدي بنهجه فهو إما جاهل أو مدسوس أو
(مستأكل) بحب علي وآل البيت عليهم السلام.
وسنكتفي بذلك في هذه الحلقة ونحاول في الحلقة التالية إن شاء
الله، أن نبدأ رحلتنا في إستعراض فصول الكتاب بدءاً من الأول
الذي حمل عنوان «علي العراقي»، ونحاول أن نستكشف معاً كيف ومتى
ولماذا ارتبط اسم علي (ع) بالعراق إبتداءاً، وكيف تحول العراق
تاريخياً بعدها إلى صنو علي (ع) وآل بيته رضوان الله عليهم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رعد الجبوري
كاتب ومحلل سياسي مستقل
26-10-2009
الحلقة
الثالثة – قراءة
في الفصل الأول
يتضمن الفصل الأول والموسوم
«علي العراقي»
عدة فقرات تحمل العناوين التالية: علي «الجدلي»-في التاريخ
المكتوب، علي المنعطف المكاني-في المسار الإسلامي، علي
والعراق-الظروف الآنية والمرحلية، الإتجاه القبلي-علي«القبلي»
!! .. علي الإسلامي، الإتجاه «السياسي»-علي «الفتنة» !! ..
علي الوحدة، جمهور البيعة .. جمهور علي، جدل علي .. نظرية
الحكم-نشوء الدول وإنهيارها، العراق-المركز الكوني الديني
النجفي الوسيط، الحسين العراقي-الإختيار المكاني الثاني.
في هذا الفصل الممتد على الصفحات 19-112 من كتاب (حصارات علي)
يعرض عادل رؤوف لما أسماه جدلية علي-العراق كمنهج تأسيسي أول
في رحلته المعرفية والفكرية ضمن رؤيته من الزاوية التي يبحثها
في الكتاب. ولعل من المنطقي أن نعرض إبتداءاً لرؤية عادل رؤوف
وقراءته للبعد الجغرافي. فإذا ما استنطقنا القرآن (وفق ما يذهب
اليه رؤوف) وتحديداً ما ورد في مطلع سورة الإسراء {سُبْحَانَ
الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا
حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
البَصِيرُ}، فأن الدولة الإسلامية بحدها الأدنى جغرافياً يفترض
أن تشتمل مكة والقدس، أو بمفاهيمنا المعاصرة عن الجغرافيا
فأنها يفترض ان تشتمل على الجزيرة العربية وبلاد الشام، ويقول
رؤوف أن العراق ممثلاً في الكوفة كعاصمة ومركز للخلافة في
الدولة الإسلامية الناشئة هو نقطة المركز في دولة الحد الأدنى
إسلامياً، فعلاوة على أن العراق تاريخياً ودينياً هو أرض
التوحيد الأولى ومهبط معظم الأنبياء والرسل مثل آدم ونوح وأيوب
ويونس وإبراهيم (عليهم الصلاة والسلام) وسواهم الكثير. فانه
(أي العراق) يمثل مركز جغرافي واصل بين المركزين الآخرين مكة
والقدس والتي اسماها رؤوف (المثلث النبوي)، وقد سبق وأن أشرنا
إلى ذلك في سلسلة مقالاتنا السابقة والموسومة "عادل رؤوف ...
ظاهرة ثقافية وفكرية مميزة وفريدة-قراءة أولية في كتابه الأخير
"أنبياء وأصنام" "، وتحديداً في الحلقة الثامنة والأخيرة منها
والتي نشرت بتاريخ 8-8-2009 إلى ما كتبه عادل رؤوف عن هذا
الموضوع.
وبالعودة الى كتاب (حصارات علي) نرى أن الكاتب يذهب إلى أن
أختيار علي (ع) للكوفة كمقر له، هو إختيار واعي ذو رؤية
إستشرافية واضحة وواعية تستدل بالمنطوق القرآني للـ «الجغرافية
النبوية»، إضافة طبعاً لأسباب اُخرى عرضها رؤوف بين ثنايا هذا
الفصل. ومنذ هذه اللحظة التاريخية الفارقة يبدأ قدر العراق في
الإرتباط بعلي وإرتباط علي به حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ونحن نضيف على ذلك أيضاً بأن العراق وبلاد الشام كانا يمثلان
في حينها (الحجابات) وفق المفهوم العسكري، كونهما يشكلان خط
التماس بين أكبر إمبراطوريتين وقتذاك وهما الرومانية والفارسية
اللتين إنتهى وجودهما الفاعل في لحظة زمنية تاريخية وجيزة من
عمرهما، قياساً للعناصر المادية المجردة لقوتهما وتفوقهما
المطلق آنذاك، والمعجز في ذلك المشهد أن الامبراطوريتين ورغم
صراعهما الدائم الذي تمظهر في الكثير من محطاته بمعارك كبرى،
إلا إتها لم تكن سبباً في أن تنهي أحداهما الأخرى. حتى جاءتهما
قوة ثالثة، أضعف منهما كثيراً بالمقاييس المادية للقوة، لكنها
تتسلح بذخيرة إيمانية هائلة، فتقضي عليهما وتطيح بهما معاً في
معركتين حدثتا بشكل متزامن وكأنهما معركة واحدة بجبهتين
بالمعنى الحرفي للكلمة، وشكلت حتى يومنا هذا علامة تاريخية
فارقة أسست، خلال عقود قليلة لاحقة، لأكبر دولة في التاريخ
امتدت من تخوم الصين إلى جبال البرنيه على حدود فرنسا.
أما في حديثه عن علي «الجدلي»-في التاريخ المكتوب فأن عادل
رؤوف يكتب في الصفحات 21-22 ما نصه:
"
وبإيجاز كَتبَ الكثيرون ويكتبون عن علي بن أبي طالب (ع)..
والكل يتحدث فيه وعنه.. أعداؤه وخصومه، وأصدقاؤه ومحبوه..
والعجيب أنه كلما ازداد التراكم الكتابي والكلامي عنه.. تجددت
الحاجة للكتابة وللكلام عنه أكثر في ظاهرة عكسية تماماً لمنطق
الأشياء.. حيث يُستَنفَد الموضوع أو المحور تراكمه الكتابي
وتُستَنفَد الحاجة إليه متى ما تحول إلى معرفة خالدة ومشبعة.
إذ عندما تخلد المعرفة وتشبع، تتحول إلى معرفة مقروءة أكثر مما
هي محفز للكتابة.. تتحول إلى معرفة بحاجة إلى إكمال.. أو أنها
تصبح في موقع الاستدعاء من حيث أنها أصبحت مصدراً من مصادر
التحقيق.. أو موقع الاستدعاء من حيث الدفاع عنها أو دحضها..
باختصار إنها تتحول إلى تاريخ معرفي مصدري خاضع للاستدعاء
والتحليل التاريخي والتأسيس للحاضر على ضوء الماضي.. "
ثم يشرح رؤوف كيف أن جدل علي ارتبط بجدليات اُخرى يشرح بعضها
بقوله في الصفحة 23 ما نصه:
" فإن علي بن أبي طالب (ع) هو الوحيد الذي شكَّل هذا الجدل
الذي ساوى في كل الحقب الإسلامية جدل الإسلام على الأرض في
الفكر والعلاقات والمذاهب والدول والثورات والمجالات الأخرى
كلها. ولأن علي بن أبي طالب اختار العراق مقراً له، فكان لا بد
لهذا الجدل أن يتركز في العراق أكثر من غيره، ولأن هذا العراق
احتضن مرقده المقدس، فلا بد أن يأخذ خصوصيته في هذا الجدل،
الذي يساعدنا على فهم أبعاد أزمة هذا البلد، التاريخية
والآنية، كما أنَّ هذا الجدل لا بد له أن يعبر عن نفسه بكثرة
كتابية متواصلة،"
ويذكرنا رؤوف بالجهد الرائد الذي بذله الدكتور علي الوردي في
كتابه «وعاظ السلاطين» حيث انتبه الى هذهِ الظاهرة الإجتماعية
وعزاها "على أساس أنها ظاهرة «إنتمائية لعلي (ع)»" ولكنها
جاءت من زاوية محددة، هي إعتماده (أي الوردي) في تحليل المجتمع
العراقي وشخصية الفرد فيه، من خلال ميله لتحليلها كظاهرة
إجتماعية تعود "إلى عامل البداوة كعامل مركزي وثقل مركزي في
أزمة العراق التاريخية."
ويورد رؤوف على الصفحات 25-26 نص من كتاب «وعاظ السلاطين»
(الصفحات 182-183) يقول فيها الوردي ما نصه:
"«لم تختلف أمة في رجل من رجالها بمثل ما اختلفت أمة الإسلام
في علي بن أبي طالب. وهذه ظاهرة اجتماعية تلفت النظر. فما هو
السبب فيها؟
والغريب أن معظم الفرق الإسلامية تدّعي الانتساب إلى علي.
فالشيعة هم شيعة علي فيما يزعمون. وأهل السنة يقولون إنهم هم
شيعة علي دون بقية الفرق. والمتصوفة تدعي بأنَّ رائدها ومؤسس
طريقتها هو علي.
ويزعم أهل الفتوة بأن أول فتى في الإسلام كان علي بن أبي طالب،
ويستندون في ذلك على قول النبي: (لا فتى إلا علي ولا سيف إلا
ذو الفقار).
ويدّعي هواة الرياضة القديمة، أو هواة (الزورخانة) كما يسمونهم
في هذه الأيام، أن علياً هو الذي أسس هذه الهواية، وتراهم
يهتفون باسمه عند البدء بتمارينهم المعروفة.
ويقول ابن أبي الحديد ان علياً كان أبا علم الكلام في الإسلام.
وهو ينسب كذلك فقه أبي حنيفة وفقه مالك إلى تعليم علي.
ويُعزى إلى علي أنه هو الذي وضع أسس النحو العربي. واشتهر عن
علي أنه كان أول واعظ بليغ في الإسلام. ولاتزال مجموعة الخطب
المنسوبة إليه، والتي تدعى (نهج البلاغة)، متداولة في أيدي
المسلمين، إذ يتخذها الكثير منهم قرآناً ثانياً، ويقولون عنها
إنها دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق.
وتشير أبحاث الدكتور بيرج إلى أن الجيش العثماني القديم،
الملقب بالجيش الانكشاري، كان يعتنق مذهب البكتاشية،
والبكتاشية طريقة صوفية تغالي في حب علي، ولعلها كانت تؤلهه
على وجه من الوجوه».
ويضيف الوردي في الصفحة 184 قائلاً:
«يقول البروفسور نيكسون إن حِكَمَ علي وأقواله شائعة تتناقلها
الأفواه في مختلف أرجاء الشرق الإسلامي.
ويقول البروفسور فيليب حتي: إن علياً يقوم في التراث العربي
مقام سليمان الحكيم.. حيث تجمّع حول اسمه عدد لا يحصى من
الحِكَم والمواعظ والأمثال، ووجد اسمه محفوراً على كثير من
السيوف العربية في القرون الوسطى، وأصبح عليّ قدوة ومثلاً أعلى
لكثير من جمعيات الفتيان والدراويش."
ويستمر عادل رؤوف في التدرج في بناء المفاهيم المعرفية التي
تؤسس لمدرسته الخاصة وتحليلاته المتماسكة والمترابطة منهجياً
ومنطقياً ومعرفياً، ففي موضوع جدل علي يذهب رؤوف إلى ان
الأحاديث التي نقلت عن الرسول محمد (ص) في مدح علي (ع)
والمتداولة بين الناس حتى هذا اليوم ربا تكون هي النواة وكتب
بهذا الصدد في الصفحة 27 ما نصه:
"والظاهر أن هذه الأماديح النبوية في علي أصبحت في العهود
التالية بمثابة النواة، حيث تراكمت حولها إضافات عديدة جيلاً
بعد جيل. وهذا ما يمكن تسميته بعملية (التراكم الفكري). فالناس
إذا أحبوا شخصاً، لسبب من الأسباب، رجعوا إلى فضائله السابقة
فغالوا فيها وأضافوا إليها مرة بعد مرة ـ إلى غير نهاية."
ثم يؤكد الكاتب بأنه ربما يضاف الى ما سبق موضوع آخر وهو رد
الفعل العكسي المتولد نتيجة أمر حكام بني أمية بشتم علي من على
منابر المسلمين طيلة حكمهم وتضيقهم على ذريته ومحبيه، مما تسبب
في دفع الناس الى التطرف في الإنحياز الى الجهة المعاكسة وذلك
بإزدياد تعلقهم بعلي، بل والتطرف والمغالاة في حبهم والولاء
لهم. ويعبر عنه في الصفحة 31 بما نصه:
"إذ أن الولاء المتطرف اللا مفكر فيه قد يؤدي إلى نسج الأساطير
ووضع الأحاديث التي لا أساس لها من الصحة"
ويصف عادل رؤوف مشهداً ذو مغزى وهو استخدام معاوية لزياد بن
أبيه ضد اتباع وشيعة علي (ع) ومناصريه وينقل في الصفحة
32 ما ورد في كتاب علي الوردي وعاظ السلاطين صفحة 211 بما
نصه:
" واستخدم معاوية زياداً في مطاردة الشيعة، وكان زياد في بدء
أمره من شيعة علي، فكان يعرفهم شخصياً ويعرف مكانتهم، وبهذا
كانت وطأته عليهم شديدة. ومر على المسلمين حين كانوا يفضلون
فيه أن يقال لهم زنادقة أو كفرة ولا يقال إنهم من شيعة علي بن
أبي طالب."
و لا أعلم لماذا نقلني هذا المشهد إلى اللحظة الراهنة، حيث
ذكرني بإستخدام قوات الإحتلال الأمريكي للعراق لبعض ضعاف
النفوس من العراقيين ممن كانوا في صفوف المقاومة العراقية
وأغروهم بفتات المال الحرام والسلطة والإعلام، فشكلوا من
شراذمهم الملعونة ما سمي زوراً بـ
«الصحوات» ليخونوا
الله ودينه الحق ومن ثم شعبهم فأصبحوا خناجر مسمومة في خاصرة
المقاومة العراقية. وأسهموا في الإضرار بالمشروع الوطني
المقاوم للإحتلال الأمريكي، وأسهموا بفعلهم المشين بإطالة
معاناة شعبنا العراقي المبتلى.
وبالعودة إلى الكتاب نجد أن رؤوف يشير إلى عامل إضافي مهم آخر
وهو ما عرف بالإسرائيليات فيما نسب لعلي (ع) التي تستخدم
كمصادر في بعض الكتب
«الشيعية»، ثم تطور الأمر لاحقاً خاصة في العهد الصفوي على يد
السلطان و «الفقيه» وجمهوره إلى حملة تدوين كبرى لا يهمها ما
هو صحيح وما هو مزور في الروايات والأحاديث. التي نسبت إلى علي
(ع) الكثير من الأمور الخرافية والخارقة وغير الصحيحة.
ليتلقفها البعض من «محدودي التفكير» و «الخبثاء» ليؤسسوا للغلو
في «علي» وابنه «الحسين» عليهما السلام.
ثم ينتقل رؤوف إلى فقرة جديدة عنوانها «علي-المنعطف المكاني
في المسار الإسلامي» حيث يبدأ رحلته المعرفية البحثية في مطلع
هذه الفقرة بربط علي وجدله، مع المكان (العراق) وجدله، ويمهد
لذلك بمناقشة حقيقة «شتم» علي للعراق وأهله والطعن فيهم، وهل
أن التركيز عليه كان «عفوياً» أم لا. ويرصد بأسلوب علمي ومنطقي
رصين وبتأسيس قرآني، بأنه حتى لو سلمنا جدلاً بأن علياً (ع) قد
شتم ولعن العراقيين، فانه لا يمكن أن يكون هذا اللعن أبدياً
ويمتد حتى للأجنة في الأرحام، ولو سلمنا بأن العراقيين قد
«غدروا» فعلاً بعلي والحسين فلا يمكن أن يستمر هذا الغدر بشكل
«وراثي» ليتقمص الأجيال العراقية كلها عبر السنوات والقرون
اللاحقة، في الوقت الذي كتب الله على نفسه الرحمة وقرر لنا بأن
﴿وَلاَ
تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ﴾،
و﴿كُلّ
نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾.
ولعل هذا المنطق يحرر العراقيين من عقدة الشعور بالذنب ومن
كونهم «مطعونين وملعونين» بالوراثة وسلفاً. ثم يدلل الكاتب على
«خرافة» الطعن واللعن تلك ببعض النصوص التي أسست لها، والتي
يشير الكاتب انها أرادت تكريس لـ «مبدأ» القطيعة بين علي وأهل
العراق. والنتيجة شعور الفرد العراقي بالألم المستمر، ويربك
ويزعزع شعوره بالهوية الوطنية ومقوماتها، وفي الوقت ذته فإن
هذا «الطعن واللعن» اصبح في الكثير من الأحيان «مثلبة» و
«عاراً» وسوطاً بيد غير العراقيين يجلدونهم به كلما (إقتضى)
الحال ذلك.
ومن خلال ذلك يفند رؤوف الكثير مما في ورد في تلك النصوص
المختلقة والروايات المزورة منذ أن كانت «شتماً اموياً» لعلي
(ع)، حتى تحولها لاحقاً (في عهد العباسيين) إلى «شتماً علوياً»
لجمهوره وحاضنته. وهذا الموضوع لنا وقفات اخرى معه لاحقاً.
ثم ينتقل الكاتب بعدها إلى الأسباب والظروف الآنية والمرحلية
لإختيار علي (ع) للعراق مكاناً له في فقرة عنوانها «علي
والعراق-الظروف الآنية والمرحلية» حيث أنه يعزوها لنهوضه على
عدة إتجاهات، مما يستدعي تفرع عنوان الفقرة إلى عناوين ثانوية
هي الإتجاه القبلي-علي«القبلي» !! .. علي الإسلامي، الإتجاه
«السياسي»-علي «الفتنة» !! علي الوحدة.
وبما يخص علي«القبلي» يرى الباحث إن علي (ع) لم يكن ذو نزعة
قبلية، ولم يستقوي بقريش على النقيض من معاوية. بل أن علياً
(ع) ومن خلال فهمه العميق لروح الدين الإسلامي، وهو الذي تربى
في كنف النبي (ص)، فأنه جعل الأمة الإسلامية كلها قبيلته ورفض
مبدأ «حزب القبيلة». وبعد إستعراض شيق لجوانب هذا الموضوع
ينتهي رؤوف في الصفحة 51 بما نصه:
"
وخلاصة القول هنا أننا إذا ما أحضرنا مخاضات الدعوة الإسلامية
في مراحلها الأولى.. ومخاضات الدولة، ومخاضات ما بعد الدولة،
ومن ثم دور الإمام علي (ع) وسيرته.. فضلاً عن خصوصياته
المعرفية الإسلامية.. يمكن القول إلى حد الجزم إنه كان ضد
القبلية.. وتحوَّل عقل علي (ع) اللاقبلي إلى عامل ضدي له فيما
بعد في المخاضات اللاحقة لتجربة الخلافة الراشدة.. وذلك كله
يمكن التأسيس عليه عبر القول أنَّ العامل القبلي كان أحد
العوامل السلبية والضدية لتجربته لو بقي في المدينة المنورة..
وإنه كان مُحفِّزاً له إلى التفكير بنقل الخلافة منها إلى
العراق."
ثم يختم هذه الفقرة على الصفحة 52 بنص مطول من كتاب (دين ضد
الدين) للدكتور علي شريعتي التي يشرح فيها على الصفحات 74-75
بإسهاب علاقة علي (ع) بالقبيلة وكيف انها انعكست عليه سلباً
لاحقاً في صراعه بمعاوية.
وتحت العنوان الثانوي "الإتجاه «السياسي»-علي «الفتنة» !! علي
الوحدة:، يخلص الباحث إلى أن علي (ع) كان وبحكم موقعه
بالطليعة وفي قلب القيادة السياسية بعد وفاة الرسول (ص)، إضافة
لكونه مستشاراً وناصحاً لمن سبقوه من الخلفاء الراشدين، فانه
(ع) كان راصداً حاذقاً لكل ما يجري حوله من العوامل التي بدأت
تتشكل ومهدت للثورة-الفتنة. وكان همه المركزي الحفاظ على جبهة
إسلامية داخلية متماسكة قبل النظرإلى الخارج.
وانتهى علي (ع)، كما يذكر رؤوف في الصفحة 54 إلى وجوب أن:
"تتأسس القيادة على الشورى والبيعة والكفاءة والتقوى معاً..
فالناس لديه سواسية ولا يمكن أن يتحول الإنسان مهما يكن لونه
أو نسبه أو تاريخه أو عرقه إلى معيار.. فالمعيار هو الحق
وتطبيقه في شخصية القيادة «.. لا يعرف الحق بالرجال، أعرف الحق
تعرف أهله». ولقد جسد علي (ع) هذا المنهج بشكل صارم لا نظير له
في تاريخ الإسلام، لاسيما بعد توليه الخلافة ومواجهة من أشاروا
عليه بـ «المناورة»"
فكان منهج الإمام علي (ع) بعد تصديه للخلافة هو ذاته قبلها،
فهو لا يحيد عن منهج الحق ولا يساوم عليه. ويعلق الباحث على
الموقف الذي وقفه علي في أول عهده بالخلافة حين عزل الولاة
والعمال على عهد عثمان (رض) ويقول رؤوف في ذلك
على الصفحة 54
نقلاً عن كتاب علي الوردي (وعاظ السلاطين) والذي اشار في
الصفحة 22 ما نصه:
"ومن ينظر في هذا الفعل الذي قام به علي لا يستطيع إلا أن يصف
علياً بقصر الباع في أمور السياسة. فكيف يجوز لحاكم جديد أن
يهدم دفعة واحدة ما بناه سلفه. إن التدريج في مثل هذه الحالة
ضروري هذا ولكن علياً لا يعرف هذه الضرورة.. فالمساومة الأولى
تجر وراءها مساومات. والترضية الواحدة تؤدي إلى سلسلة متتابعة
من الترضيات والمراوغات.
نصحه المغيرة بن شعبة، وكان معدوداً من دهاة العرب، فقال له:
(..أقرر العمال على أعمالهم حتى إذا أتتك طاعتهم وبيعة الجنود
استبدلت أو تركت). فأجابه علي: (لا أداهن في ديني ولا أعطي
الدنية في أمري)."
ونقول بأن هذا النص ينبغي أن نتوقف عنده قليلاً، فما أحوجنا في
هذه الأيام المظلمة الحالكة الظلام التي تمر بها أمتنا
الأسلامية والعربية أن نستلهم من رموزنا العظيمة أمثال علي (ع)
مبدئيته في دينه، فهو لا يتوكأ على
«فقه
الضرورة»
كما يفعل
«حكامنا»
و«سلاطيننا» بتأييد من «وعاظهم» و«فقهائهم». وما أحوجنا اليوم
أن نستذكر قول الوردي بأن «المساومة تجر وراءها مساومات» فكم
ساوم «حكامنا» في حقبة ما بعد الإستعمار وسايكس-بيكو في العراق
وفلسطين ومصر و.... والقائمة تطول لتشمل الجميع. وكم من
الترضيات قدمت لإعداء الأمة والإسلام على إمتداد التاريخ
الإسلامي منذ ما بعد الخلافة الراشدة وحتى اللحظة الراهنة.
وكم داهن
«ولاة أمورنا» وأعطوا الدنية في أمرهم. وتأكيداً لهذه المبدئية
يورد رؤوف في الصفحة 61 من كتابه، نص مقتبس من كتاب
(الإمامة والسياسة) لإبن قتيبة، ص51 – 52 يوضح لنا بجلاء كم
كان الامام علي (ع) بعيد النظر في شؤون الحكم والسياسة دون أن
يتزحزح عن ثوابته، فحين عرض عليه أثنين (من الطامعين بالزعامة)
أن يبايعاه على أن يكونا شريكاه في الأمر، يذكر رؤوف ما يبين
حصافة علي (ع) وإحساسه الشديد بعظم اللحظة التاريخية التي كانت
تعيشها الأمة الوليدة في حينها، ودوره كخليفة لرسول الله، ونرى
ذلك بوضوح من خلال النص:
"في الرواية أن ابن عباس نصح علياً بأن يوليهما البصرة
والكوفة، فضحك علي وقال: (ويحك إن العراقين بهما الرجال
والأموال، ومتى تملكا رقاب الناس يستميلان السفيه بالطمع
ويضربان الضعيف بالبلاء ويقويان على القوي بالسلطان)."
وهذا والله حالنا اليوم فمتى حصل احدهم
على «ولاية أمورنا»، تملك السفيه بالطمع وضرب الضعيف بالبلاء
وقويَّ على القوي بالسلطان. وللأسف نجد اليوم بإن الكثرة
الكاثرة ممن يداهنوا «ولاة الأمور» وحلفائهم من اعداء الإسلام
في العراق وفلسطين وأفغانستان والصومال وسواها، هم من
(السفهاء).
وفي إستعراضه الموجز لما حدث في مطلع احداث الفتنة في آخر عهد
عثمان (رض) يذهب رؤوف الى القول على الصفحة 61 ما نصه:
"كان
عثمان بمقاييس «الديمقراطية المعاصرة» حاكماً «ديمقراطياً»
يحاور وينفذ ويسمع ويبكي.. إلا أن حاشيته والمؤامرات التي كانت
تجري بعلمه وبدون علمه قطعت شوطاً كبيراً، لا يُمكّنه من
السيطرة عليها"
ثم يشرح لنا الباحث كيف أن علياً (ع) كان يدرك تماماً بأن
الأمور مع بني أمية ستنتهي بالصدام لا محالة، وإن علي مؤمن
بأن الأولى الا يساوم معهم. كذلك فإنه بات مقتنعاً بأن المدينة
باتت لا تصلح مقراً للخلافة، لأنه لابد ان يتصدى لمعاوية
بنفسه، وأن مواجهة معاوية ستكون من العراق، لذا فأنه لابد من
أن ينتقل اليه مما سيشكل منعطفاً مصيرياً لمسيرة الإسلام، وهذا
ما أسس لمرحلة جديدة ربطت بين علي والعراق. ومن ثم تحول العراق
إلى مسرح أو نقطة انطلاق أو محطة استهداف بين علي من جهة وبين
الحزب الأموي والطامحين نحو الزعامة من جهة أخرى.
وفي استعراضه لأحداث الفتنة يشير رؤوف في الصفحة 62 بما نصه:
"والحضور القوي لعلي (ع) من أجل درء الفتنة وإصلاح الأمور، ...
وحضور الناس في الشأن السياسي ـ الاجتماعي حضوراً ميدانياً
حاداً غير مسبوق ...إن هذه الأبعاد والتداعيات كلها لذلك
المنطق، شكلت زمناً تواصلياً في تطوراته يجعل من الجدل
الإسلامي الحاد باسم علي (ع) مستقراً في العراق، فتشكلت بذلك
ثلاثية جدل الإسلام وعلي والعراق في بدايتها الحادة"
ثم ينتقل رؤوف الى فقرة جديدة عنوانها
"جمهور البيعة .. جمهور علي" ويذهب لتحليل الواقع الديموغرافي
(البشري) لجمهور البيعة ويقول أن الجمهور الذي ثار على عثمان
(رض) لم يكن من الجزيرة بل من البلدان الاخرى التي دخلت
الإسلام كمصر والعراق وسواها وسببه ممارسات ولاة عثمان وعماله
وانحرافاتهم وإيذائهم لأهل تلك البلدان، والذين كان إختيارهم
جاء نتيجة تدخل حاشية أو بطانة عثمان وإدارتها لشؤون الحكم
بعقلية الحزب القبلي الأموي، علماً بأن المجال الحيوي السري
لهذه الحاشية كان في تلك البلدان البعيدة (خارج المدينة)، حيث
ان تلك البلدان لم تعايش مباشرةً عهد الرسول (ص) والخلفاء (رض)
من بعده.
ومع محدودية جمهور علي (ع) في داخل المدينة المنورة والذي كان
معظمه من الموالين والفقراء والمستضعفين انتقل الثقل البشري
لجمهور علي (ع) بعد البيعة الى خارج الجزيرة وهنا برز العراق
كمركز (منطقي) جديد للخلافة وعلى تماس جغرافي مباشر مع مركز
الإستقطاب الآخر (أي الشام) الذي تمرد على الخلافة. كل ذلك جعل
من المنطقي الإنفتاح إلى الفضاء البشري الأوسع.
ويخلص عادل رؤوف من كل ذلك الى القول على الصفحات 67-68 ما
نصه:
"كان
العراق ـ بين تحدي مواجهة معاوية في الشام، وتحدي الجغرافية
الإسلامية ـ هو المركز الاضطراري كمكان ومستقر، لاسيما أن
العراق آنذاك فيه الرجال والمال ـ حسب وصف ابن أبي طالب
المنقول ـ وأنه كمكان كان أكثر تحضراً من غيره إلى حد ما،
والانتماء القبلي فيه أقل حدة وقسوة وصراعات وملابسات سياسية
آنذاك، وموقعه الجغرافي يشكل المركز لجغرافيا الإسلام البشرية،
فهو بالإضافة إلى أنه على تماس مع الجزيرة، فهو على تماس مع
إيران بمساحتها الشاسعة، وتركيا، وعلى تماس بخصم علي الذي تمرد
عليه في الشام.. وانطلاقاً من منظومة العوامل هذه كلها،
المرحلية والظرفية، سواء كانت «السياسية» أو المكانية أو
القبلية، أو الجغرافية البشرية الإسلامية أو الحربية كان لابد
أن يكون العراق هو المكان لعلي بن أبي طالب (ع).."
وفي فقرة جديدة عنوانها "جدل علي .. نظرية الحكم-نشوء الدول
وإنهيارها" والتي جاءت على الصفحات 68-83 يحلق عادل رؤوف
عالياً في فضاء التحليل الفكري والمعرفي لنظرية الحكم وكيفية
تشكلها في زمن خلافة علي (ع) وبعد إستشهاده وقيام الدولة
الأموية وإستشهاد الحسين (ع) وبعد سقوط الدولة الأموية وظهور
الدولة العباسية على انقاضها ومروراً بعد ذلك بكل المراحل
والدول التي قامت في العراق وصولاً إلى اللحظة الراهنة.
فعلي (ع) كان حاضراً بشكل أو بآخر "في
الدول التي تأسست وانهارت في تاريخ الإسلام وفي العالم
الإسلامي كله والعالم العربي بمشرقه ومغربه.."
ويؤكد رؤوف بأن كل الدول التي ظهرت بعد علي (ع) حكمت بإسم
الإسلام وليس بمضامينه، رغم حصول بعضها على «مشروعية فقهية»
منحت لها من «فقيه» السلطان بغض النظر عن «مذهبه»، وهذا
«الفقيه» هو ذاته كان صنيعة "الظروف السياسية والمعرفية التي
لعب فيها السلطان الدور الأبرز فيها".
ويؤكد رؤوف في الصفحة 70 على تحليله لجدل علي والحسين (ع)
وحضورهما فيقول ما نصه:
"ومن ظاهرة الدولة الأموية التي تأسست وانهارت في ظل جدل علي
(ع).. تلازم حضور علي (ع) مع تأسيس الدولة العباسية في تكرار
لهذه الظاهرة أو دورانها اللاحق.. حيث تحرك العباسيون في
معارضتهم الأمويين انطلاقاً من رمزية علي (ع) واعتبروه «مرجعية
فكرية وسياسية» لهم، كما أنهم رفعوا شعارات «يا لثارات
الحسين».. حيث اعتبرت الدولة العباسية حين انتصارها وتأسيسها
على أنها دولة «شيعية».. وتحول كل من علي والحسين عليهما
السلام ـ كما أشرنا ـ إلى «مرجعية استقوائية» في الحراك
السياسي ـ الاجتماعي، وتم توظيفهما في سياق هذا الحراك، لا على
أساس ولاء حقيقي لمضامين «خطهما» الفكري فحسب.. بل لأنهما
أصبحا أكبر رمزين للتعبئة في مناهضة الظلم القائم ايضا"
ثم يعرج رؤوف لشرح مفاهيم خلافية استنزفت جهد الأمة وبعثرت
جهودها ومنها تلك التي تدور في جوهرها حول موضوع "وحدة الأمة"
مقابل السكوت على "الدولة الظالمة" ويقول في الصفحة 71 ما نصه:
"فالوحدة في «خط» علي (ع) ينبغي ألا تنهض على الظلم ونقيض
مبادئ الإسلام في أصول القيادة الإسلامية وقواعدها وقوانينها،
وفي رسالة الإسلام الناهضة على اساس العدل الاجتماعي.
أما السكوت عن الظلم وتأسيس الدولة «الموحدة» على الظلم فهذا
يعني التخلي عن قيم الإسلام ومبادئه العظيمة، وبالتالي التخلي
عن كل مضامين ما جاءت به رسالة خاتم الأنبياء.. ومن هنا ينبغي
الالتفات إلى إشكالية جوهرية في قراءة التاريخ الإسلامي..
مضمونها: «بأن الفقهاء الذين أعطوا المشروعية للحاكم الظالم
إنما أعطوها حفاظاً على وحدة المسلمين.. رغم اعترافهم بانحراف
هذا الحاكم عن مبدأ الشورى في القيادة وتحولها إلى وراثة..
ورغم المظالم التي يقترفها"
وبعد تحليل مسهب لهذا الموضوع يقول الباحث في الصفحة 73 ما
نصه:
"فالدولة إذا لم تنهض على الإسلام الحقيقي.. تبقى مشروعاً
مفتوحاً لإقامتها على هذا الأساس.. ولا يمكن استبدالها بدولة
ظالمة، حيث أن الظلم في النهاية لا يكون قاعدة للوحدة إطلاقاً،
بل يلعب دور السرطان داخل جسد الإمبراطوريات الضخمة ويؤدي بها
إلى الانهيار.. وهذا ما شهده التاريخ الإسلامي من خلال كثرة
نشوء الدول الإسلامية الظالمة وانهيارها، وارتدادات هذا النشوء
والانهيار في الساحة العراقية بدءاً من الدولة الاموية،
وانتهاء بالدولة الصفوية، والدولة العثمانية، وصراعهما فيها."
بعد ذلك ينتقل رؤوف وعلى الصفحات 73-83 من كتابه إلى تحليل
معمق لكيفية نشوء الدول الإسلامية وكثرتها وكيفية انهيارها
بسبب عدم مشروعية بقاءها لإبتعادها عن المنهج القرآني ودخولها
في عداد الدول الظالمة لإسباب كثيرة ومتنوعة، والتي لا يمكن أن
تؤسس لدولة (الوحدة) القائمة على العدل وفق المنظور القرآني
،والذي يركز رؤوف دوماً على أنه الأساس الذي يفترض أن يحكم
نشوء الدولة الإسلامية بغض النظر عن الأصل
«المذهبي» للدولة أو للسلطان،
ويعتبره رؤوف ايضاً شرطاً أساسياً لدوام هذه الدولة.
وهو يعيد التأكيد في أكثر من موضع على أن معظم هذه الدول
«الإسلامية»
التي نشأت
في الساحة الإسلامية من إيرن والمشرق العربي وحتى المغرب
العربي، قد ارتبطت كلها بشكل أو بآخر بأسم علي (ع)، وأن الساحة
العراقية كانت حاضنتها المركزية وحاضنة أيضاً لإرتدادات نشوئها
وأنهيارها.
وفي تحليله الرائع يقودنا رؤوف للبحث المعمق بين النصوص
التاريخية والكتابات المعاصرة أيضاً لمناقشة مفهوم
«الوصية»
وعلاقتها بـ
«البيعة»
، ويحاول أن يتلمس طريقه البحثي بحذر بين تلك النصوص في محاولة
لتبين ما هو مزور منها وما هو أصيل.
ويعود رؤوف في الصفحة 75 ليؤكد ما قاله سابقاً حول فهم الإمام
علي للبيعة:
"وعلينا بعد ذلك أن نفهم امتناع علي (ع) عن البيعة بعد
السقيفة.. فهذا الامتناع يعود إلى هذا الفهم للمسألة القيادية
في الإسلام.. وهو أن يتحقق شرط البيعة والشورى معاً بأعلى سقف
ممكن، من جمهور المسلمين.. وهذا ما يقود إلى ما أسميناه
إشكالية جوهرية تاريخية كبرى، وهي إشكالية إعادة النظر في هذا
التاريخ المكتوب وحتى المنسوب الى علي (ع)"
ثم ينتقل لمناقشة موضوع على قدر كبير من الأهمية الا هو نشوء
«المذاهب»
وتحديداً
«السنة والجماعة» و«الشيعة»
حيث كانا من أصل واحد هو
«الشيعة»، ويرصد نشوء الدولة العباسية على أساس إنها دولة
«شيعية» رفعت شعار «يا لثارات الحسين»، لكنها سرعان ما تحولت
إلى «دولة ظالمة» ومتطاحنة بين عباسيين وعلويين هذه المرة،
وهنا حصل تبادل للأدوار وظهر ما يسمى «فقيه السلطان» والذي كان
يبرر «شرعية» ظلم «السلطان». وعن ذلك يقول في الصفحة 81 ما
نصه:
”
والصورة تبدو أن كل ما في الأمر يرتكز إلى «التقية» التي سبق
الفقيه «السني» بها «الفقيه الشيعي» الذي لم يكن له وجود في
زمن «الأئمة الشيعة».. أما بعدهم فهو أصبح في هذه المسألة
كالفقيه «السني» ـ والكلام ليس إطلاقياً ـ في إعطاء
«المشروعية» للدولة الظالمة.."
وفي الفقرة التالية التي عنونها رؤوف "العراق-المركز
الكوني الديني النجفي الوسيط" يطوف بنا رؤوف من جديد حول نقطة
مركزية العراق في القراءة الإستشرافية لعلي (ع)، ويسهب الكاتب
في الدفاع عن وجهة نظره القائلة بأن القاري العادي للقرآن
العظيم بفطرته لا بد أن يتوقف عند البعد الجغرافي الوارد ضمن
الإشارات المتكررة بكثرة في القصص القرآني بصياغاتها المختلفة
عن تاريخ الأنبياء قبل محمد (ص)، وانه (أي القاريء العادي) سوف
يدرك بأن العراق كمركز نبوي وحاضنة جغرافية للكثير من
الأنبياء، لابد أن يكون ذا شأن ودلالة في تاريخ الكون لاحقاً
كما كان في عصر اولئك الأنبياء (ع). لذا فمن المؤكد حينها
الجزم بأن علياً (ع) كان يدرك قطعاً، وربما أكثر من سواه، هذه
الأهمية الإستثنائية للعراق، ويؤكد الباحث على ذلك في الصفحة
89 بأن علي (ع):
"
كان يختزن في عقله الحكمة من «جغرافية الأنبياء» و«تاريخ
الأنبياء» أو «جغرافيا المراكز الدينية» و«تاريخ هذه
المراكز».. وهو بدا في حينه قبل أن يقرر الانتقال إلى العراق
أمام تحديين داخليين، تحدٍ في مكانه الذي يحتضن «المسجد
الحرام» و«القبلة الثانية» للمسلمين، وتحدٍ رابض بجوار في
القبلة الأولى.. النقطة القصوى."
ويخلص الباحث الى القول بأن العراق بكثرته النبوية وكثافته
الحضارية عبر التاريخ، وموقعه في حركة النبوة عبر التاريخ، كما
حصل على الأقل بوضوح مع سيرة إبراهيم (ع)، لابد أن يشكل هذا
العراق، من الناحية المنطقية والعقلية، رابطاً مرجحاً بين
المركزين النبويين الآخرين المشار اليهما في أول سورة الإسراء،
أي القبلة الأولى والقبلة الثانية.
ومن ذلك يؤسس الكاتب إلى أنه لابد أن يكون:
"العراق هو المأوى الإجباري الذي يخوض علي (ع) الحرب من خلاله
على جبهتين.. الجبهة الزاحف هو إليها باتجاه الشام المؤدية الى
القدس.. والجبهة التي كان واضحاً لديه أنها ستزحف عليه من
القبلة الثانية، فكانت هنا معركة الجمل"
ثم يربط الكاتب ذلك كله بالحاضر ويثبت بأن الإستهداف المستمر
للعراق عبر التاريخ كان أصلاً وفي أوضح صوره على شكل حرب دينية
صليبية يهودية، هدفها القضاء على الإسلام أكثر من كونه
إستهدافاً إقتصادياً أو حضارياً، ويتجلى في الماضي القريب
واللحظة الراهنة بحصار من نوع آخر كما يعبر عنه الكاتب في
الصفحة 92 بما نصه:
"حصار لهذا العراق بالمعنى الديني أيضاً.. لا بالمعنى
الاقتصادي أو الإنساني الذي ينحّي البعد الديني قسراً.. فإذا
كان الأمر التدميري في ما مضى ـ وخلال أكثر من ثلاثة عشر عاماً
ـ يقع تحت عنوان الحصار وعناوين أخرى.. فإن الأمر هنا يقع تحت
عنوان الحصار.. ولكن الحصار الديني.. وبالذات حصار علي (ع)
والحسين (ع) وأبي حنيفة النعمان (رض)، وكل الرموز الدينية
«الشيعية والسنية».. وتدمير مضامين الإسلام من خلال هذا الحصار
من جهة، وبنية العقل العراقي الثقافية من جهة أخرى."
ثم ينتهي الكاتب في نهاية هذه الفقرة وفي الصفحة 92 بما نصه:
"وفق هذا التصور لم يكن إنتقال علي (ع) الى العراق بما يجعل من
مسار هذا العراق «علويا» في احداثه، وبما يجعل من علي «عراقيا»
ليس قراراً ظرفياً آنياً بل يجعل منه قراراً استراتيجياً لعلي
(ع) حول العراق كمكان ايضا، قصده تاركا موطن ولادته «الجزيري»
زاحفا منه الى «فلسطين».. الى قبلة المسلمين الاولى التي لا
يمكن لعلي (ع) ان يفهم الدولة الاسلامية العادلة بحدها
الجغرافي الادنى دونها.. ولذا كان علي (ع) اول قائد اسلامي
فدائي من اجل فلسطين."
وفي الفقرة الأخيرة من هذا الفصل والموسومة "الحسين
العراقي-الإختيار المكاني الثاني" يربط رؤوف بين إختيار علي
للعراق كمقر للخلافة وتحول العراق بعد إستشهاده (ع) إلى مقر
إقامته الأبدية، وبين إختيار الحسين نفس المكان لمواجهته مع
الأمويين لكي يسطر ملحمة إستشهاده، ويربط رؤوف تلك الواقعة
الكربلائية بدلالاتها المكانية بمركزية العراق الكونية التي
قرأها علي (ع) قبله.
ثم ينتقل الكاتب للبحث عميقاً في نشوء الدول وتمددها، ولجوئها
الحتمي الى منطق القوة المتصاعدة التي تظن إنها الوسيلة الأمثل
التي ستحميها، حتى تكون نفس هذه القوة لاحقاً هي المعول الأبرز
في هدمها وفي هذا الصدد يقول رؤوف في الصفحات 93-94 ما نصه:
"إن لحظة الاستئثار بالقوة.. وهالة الزعامة غالباً ما تؤدي إلى
النظر الى الأمور من خلال بُعد واحد.. بعد «الحتمية» اللحظوية
التي تدفع إلى «التأسيس» الفرضي للتمدد والهيمنة والتخطيط
للاندفاع والتوسع وفرض «النموذج» بالقوة.. تماماً كما هو الحال
بالنسبة لكل زعماء الإمبراطوريات «الدكتاتورية أو الديمقراطية»
أو «الدينية» في التاريخ والحاضر.. ولقد شهد تاريخ البشرية
أنماطاً عديدة من بروز تلك الإمبراطوريات وانهيارها.. التي
تنزع إلى فرض هيمنتها بالقوة.. والقوة الإضافية.. والقوة
المضاعفة.. والإصرار على القوة.."
وبذلك يعتبر رؤوف ان الإعتماد على القوة هو الأمر المشترك أو
(الثابت) التي تسير عليه كل الإمبراطوريات والدول ويربط الماضي
بالحاضر وصولاً إلى الإحتلال الأمريكي الحالي للعراق فيعبر عن
ذلك في الصفحات 94-95 بما نصه:
"«الثابت» يقرره القرآن الكريم في عشرات الآيات.. والغريب أن
هؤلاء غير المسلمين الذين يقرؤون القرآن ويستفيدون منه في
أمور، لا يريدون أن يتوقفوا عند هذا «الثابت».. ثابت انهيار
الإمبراطوريات العاملة بالقوة.. نعود لنقول كان معاوية بن أبي
سفيان وإمبراطوريته الأموية التي «استتب» لها الأمر بعد
استشهاد علي بن أبي طالب عليه السلام شأنها شأن أي إمبراطورية
أخرى في هذا المجال، والأمر لا يختلف إلا بالأفكار والمسميات
والشعارات ومستويات الجريمة التي ترتكب.. فالشعار أيام معاوية
«وحدة المسلمين» و«عطايا وهدايا»، والشعار الأميركي الآن في
العراق «إعمار العراق» و«بناء السلام العالمي».."
ثم يعود بنا رؤوف الى موضوع الحكمة من (تكرار) إختيار العراق
من قبل الإمام الحسين (ع) كساحة للمواجهة مع يزيد، ويبين
بالدليل العقلي والمنطقي بأن إختياره للعراق هو بمثابة
«صك براءة»
لأهل العراق بأنهم لم
«يغدروا»
بأبيه، وفي هذا الصدد يقول الباحث في الصفحة 98 ما نصه:
" ولايحتاج الأمر إلى التأكيد على مغالطة هذه الظاهرة التي
تسقط الإثم والجريمة من «عراقيي» القرن الأول الهجري على
العراقيين في أي زمان، وإذا كان «الغدر العراقي» بعلي (ع) قد
شكل سابقة فيفترض أن أول من يقرأ هذه السابقة بـ «الغدر» هو
أقرب المقربين إليه، ابنه ووريثه الحسين الشهيد (ع).. وكان
المفروض بالحسين (ع) أن «يستفيد» من التجربة العراقية في
التعاطي مع أبيه وأن يختار مكاناً آخر للثورة على يزيد غير
العراق «الغادر»، وإذ هو لم يفعل ذلك على الرغم من «كثرة
النصائح» التي قدمت إليه بهذا الصدد، ورغم أن أحداً آخر غيره
لا يمكن أن يكون قارئاً وحافظاً ومعنياً بخطابات الإمام علي
(ع) «الطاعنة» في العراقيين،"
ويضيف الباحث إلى ذلك تساؤله الكبير عن هذا
«التناقض» المبهم وغير المنطقي في موقف الحسين (ع) ويعلق عليه
في الصفحة 99 ما نصه:
" الإمام الحسين (ع) سيكون، في هذه اللحظة وإزاء هذا القرار
التأسيسي الذي سيرسي ثقافة الثورة والاستشهاد في الإسلام، في
لحظة استدعاء كل التجارب لانتخاب الساحة التي يؤدي دوره الشرعي
التأسيسي فيها.. فكيف بتجربة علي (ع) والده وقائده وإمامه
«المغدور عراقياً»، كيف له أن «يعلم ويعاني من هذا الغدر»،
ويقرر الرحيل الى العراق؟"
ويجاهد رؤوف وهو يقلب الأمور على كل الوجوه، ليثبت لنا أنه
إستهداف،
وإختيار «قصدي»
للعراق ... ولكن لماذا؟ في ذلك يقول على الصفحات 99-100 ما
نصه:
"إنه الاستهداف التاريخي لهذا العراق بكل شيء والذي يراد الطعن
فيه وفي ابنائه لا «القتلة الغادرين» وحدهم.. بل الذين يولدون
إلى يوم الدين.. في شكل من أشكال التخطيط تستخف بالعقل
الإنساني عندما يُصنع بأي طريقة تاريخية موروثة أو معاصرة. أو
إنَّها كارثة العقل المتلقي. لا العقل التحفزي الذي هو شرط
الدين الحقيقي.. أو أن الأمر كارثة من كوارث فنون تخدير العقل
المفضي إلى الدين التخديري بمصل الرواية الدينية التي لا تناقش
ولا يُفكر فيها، بل تؤخذ أخذاً جاهزاً فيما يشبه ظاهرة المعرفة
الملتهَمة، أو حينما يصبح العقل وعاءً أو سلة لافراغ حمولة
التاريخ المعرفية فيه، بما يجعله عاجزاً عن فرز هذه الحمولة
وتصنيفها، لأنها على درجة مرعبة من التشابك، هارباً منه إلى
التسليم والترديد الببغائي لبعض ما استقر في ذاكرته، ولو تضارب
ذلك مع البعض الآخر منه.. فلأن العراق حاضنة «التشيع» الأساسية
ولأنه حمالة آلامه ومعاناته، لا بد أن يُستهدف بهذه القسوة،
ولابد أن يُدمر عقل هذه الحاضنة والحمَّالة البشرية لعلي
والحسين (ع) والأئمة (ع) «السنة والشيعة» وجهادهم الذي يصب في
نفس اطار علي والحسين (ع)، وتحاصر بحصار أشد من حصارهم، ولا
كلام بعد ذلك إلا أن نقول بأن العراق سينتصب مرةً ثانية مكاناً
اضطرارياً واختيارياً للحسين الثائر (ع) كميدان لثورته. كما
كان خياراً لعلي (ع) من قبل على ضوء ذات القراءة التي مارسها
لتاريخ الأديان وجغرافيتها التي تصب في نفس اطار علي والحسين
(ع).. وقراءة كتاب القرآن الكريم كمرجعية أولى وأساسية لموقع
العراق الوسيط بين المسجدين والقبلتين.. إذ أن الحسين (ع) في
الإمامة وفي «الخط» وفي المبادئ يقع في طول جدل علي (ع)
التاريخي، ويرفد انعطافاته الأولى على يده بانعطافة مدوية
هائلة لاستمرارية هذا الجدل.. فهي انعطافة جدلية كبرى ثانية
نابعة من الانعطافة الجدلية الأولى «المرجعية» التي تشكل بداية
جدل الإسلام على أرض العراق. وتربطه بجدله ما قبل هذا
الإسلام."
وهنا يقودنا رؤوف بعدها إلى نتيجة مؤكدة حيث يقول على الصفحة
100 ما نصه:
"
وإذا ما كرر الحسين (ع) ذات الاختيار المكاني لانعطافته
الجدلية بعد أبيه (ع).. فهذا التكرار يعد تكريساً وتعميقاً
للقراءة الأولى.. قراءة علي (ع) للمكان ـ العراق ـ وموقعه
الديني ـ كما مر معنا ـ ولا داعي لتكراره.."
بعد ذلك كله يورد رؤوف نصوص منتقاة من الصفحات 66-68 من كتاب
(الحسين و إرث الدم) للدكتور علي شريعتي، والتي يقدم فيها
قراءة اخرى لثورة الحسين (ع)، تستلهم البعد المكاني لتلك
الثورة من الداخل العراقي، ونلاحظ فيها بأن الدكتور شريعتي
يعتبر «الجغرافيا أصدق من التاريخ»، وقد أثنى رؤوف على هذه
الرؤية المتميزة رغم أنه (أي رؤوف) يرى أن: "المنهج السليم أو
الكامل في التعاطي مع المسألة الدينية هو المنهج الجامع بين
قراءة الوحي وقراءة الكون ـ الطبيعة كما اعتمدناه نحن في حين
ان شريعتي اكتفى بقراءة موقع العراق الديني عبر الطبيعة فقط،
وعبر جغرافية العراق الداخلية فقط"
ثم يعود الباحث إلى اللحظة الراهنة لينتقد بشدة اولئك الذين
خانوا علي والحسين (ع) "عندما حولوهما الى بكائيتين
«اميركيتين» لا «بكائيتين ثوريتين» فتاجروا بالاسلام والعراق،
وعلي والحسين (ع)، والصدرين وشعبهما من اجل الزعامة المؤقتة."
وبعد هذه الإستفاضة (المبررة) في تناول الفصل الأول من كتاب
عادل رؤوف الأخير (حصارات علي-النجف مدينة تعتاش على الموتى)،
لم يعد أمامنا إلا أن نختم هذه الحلقة بنص يكرر فيه عادل رؤوف
تصوره عن رؤية الإمام علي (ع) للدولة الإسلامية وفق المنظور
القرآني لها، وكيف تتناقض تلك الرؤية بحدة مع تولية معاوية على
الشام. فيقول في الصفحة 111 ما نصه:
"وهو بقدر ما يهمه فكر الدولة والالتزام بالمبادئ الاسلامية
وتطبيق الاسلام الحق، كان يهمه الحفاظ على هذه الدولة النوعية
التي اذا ما انفرطت، انفرط الوعي الاسلامي القرآني، وهذا
التلازم بين الفكر القرآني للدين والدولة، وجغرافية هذه الدولة
هو تلازم قدري، عندما تصبح الدولة العادلة «قرآنياً» هي المقصد
الاعلى للدين... اذن علي (ع) قضى فترة خلافته حروبا من اجل
الإبقاء على وحدة الدولة بمساحتها الجغرافية الالهية،
وبمضمونها الاسلامي العادل. والا فإنَّ البدائل امامه في حال
اقراره سلطة معاوية على الشام، اما «ثنائية الدولة» وهذا ما
دعاه الى خيار الحروب لكي لا يقع المحذور، واما «وحدة الدولة»
على أساس ظالم، لا أساس عادل اسلامي، وهذا هو الذي حصل في
نهاية المطاف، وبعد استشهاد علي (ع) على ارض العراق «مركز هذه
الدولة» التي اراد الحفاظ عليها، فسقط المركز والدولة معا في
حضن الامويين، وبقي هذا المركز فاعلا ثوريا عبر الواقعة
الكربلائية، والوقائع الثورية التي تلتها، حتى عاد الى الامساك
بالدولة، الا انها «دولة ظالمة»"
ثم يختم عادل رؤوف هذا الفصل بما يجعل لموضوعه صلة بما آل اليه
واقع العراق في حاضره الدامي، حيث يقول في الصفحة 112 ما نصه:
"نقول وبعد مرور الف واربعمئة عام على ما شهده العراق «العلوي»
و«الحسيني»، وبما راكمته من حصارات تراكمية عليهما يرتد
التاريخ على ذاته، ويتحول العراق «حاضنة علي والحسين» الى ساحة
محتلة ومدمرة يهوديا واميركيا ووهابيا وصفويا في واقعة كونية
حصارية كبرى لهما، مرفقة بكلام عن «نهاية التاريخ»، وسوف يعلم
رموز هذه الواقعة بعد حين ان واقعتهم الحصارية هذه ستقضي
عليهم في «نهاية» لهذا التاريخ عراقية البصمة والملامح."
وبعد هذه الرحلة نستودعكم الله عزّ وجلّ على أمل ان نلتقي في
الحلقة القادمة،والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رعد الجبوري
كاتب ومحلل سياسي مستقل
06-11-2009
الحلقة الرابعة – قراءة في الفصل الثاني
في الفصل الثاني من كتابه (وهو موضوع هذه الحلقة) يعود عادل
رؤوف للبحث في مواضيع إشكالية عويصة تراكمت سلباً تاريخياً فوق
بعضها البعض وبالضد من فهم علي (ع) الصحيح والعميق للإسلام
والقرآن، لتُأسس لما أسماه الكاتب حصارات علي. وقد جاء هذا
الفصل بأربعة فقرات رئيسية هي:-
(علي: في ارض النبوات .. مرتكز الصراع الكوني التاريخي)، (علي
.. «الجزيري المولد، العراقي الموطن، الفلسطيني الهدف»)،
(مركَّب معادلة «الشتم» العراقيه)، (الانقلاب الجدلي: «علي
الشكل» .. علي المضمون).
وفي الفقرة الأولى (علي: في ارض النبوات .. مرتكز الصراع
الكوني التاريخي) يعرض رؤوف بأن الإمام علي (ع) كان له فهم
متميز للإسلام بحكم قربه من الرسول (ص) ومعايشته وتواصله
اليومي معه، وبحكم تشربه (ع) بروح الإسلام والقرآن قولاً
وفعلاً وإيماناً مطلقاً بعبوديته لله عز وجّلْ بعقلين وليس
بواحد فقط، فعقله الأول (الذي في رأسه) هو الذي يستوعب علم
الرسول (ص) وتفقهه في كتاب الله، وعقله الثاني (الذي يسكن
قلبه) العامر بالإيمان والتقوى، مصداقاً لقوله تعالى في قرآنه
الكريم (فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ). فكلا
«العقلين» كان يفهم الإسلام بعمق ويسعى إلى تطبيقه وفق المنطوق
والمضمون القرآني، لذا كان سيف علي (ع) دائماً في خدمة
الإسلام، يمسكه ويتحكم به بوعي عالي وفهم متميز لللإسلام، مما
يجعل من حركته «مضبوطة» على إيقاع «العدالة» كمقصد قيمي أعلى
لهذا الإسلام ودولته، وتلك «العدالة» كانت هي الهاجس الدائم
لعلي (ع).
ثم يتساءل رؤوف كيف إن هذا الفهم العميق للإسلام من قبل علي
(ع)، تحول من قبل بعض ناقصي العقول إلى ضده، وسعوا إلى تحريفه.
بل وذهبت به «مذاهبهم» لتحويل علي (ع) من عبد من عبيد الله،
إلى مثل وإسطورة و(إله يعبد). ويجيب رؤوف عن ذلك على الصفحات
115-116 بما نصه:
" فالذين لا يدركون عظمة هذا الاسلام، وما يمكن ان يصنع من قوة
ارادة لهذا الانسان، هم الذين ذهبوا به الى التحريف من خلال
تحويله من مصداق لهذه الارادة الى «معبود».. وما كان ايمانهم
يعيش ويتحسس خالق هذه الارادة وموجدها الذي هو الاسلام. وبحكم
نظراتهم السطحية هذه راكموا الانحراف حول «معجزات» هذا
«المعبود»، وركّبوا الموت والحياة، والشفاعة والغلو برقبته
بعدما اصبح «شهيدا»... هو اراد ان يرسخ هذا الاسلام بدواخلهم،
وان يرتفع بهم الى فهمه واستيعابه، فيما هم حولوه الى ممر وجسر
ومعبر خلاصي من النار، وإله «معبود» وشفيع، يكفيهم «مؤونة
الجهاد» ومصاعبه، وطريق ذات الشوكة ومسؤوليته... هو قدم لهم
مصداقا لارداة الموحدين لله، فجعلوه «شريكا» له و«حمّال
خطاياهم»، وبهذا المعنى قُدّم علي (ع) مصداقاً لعجز هذا
الانسان ولضعفه، ولقابلياته السلبية والايجابية، ومن ثم
قابليات التحريف والانحراف لديه... فهو قضى حياته ليستنفر
قابليات هذا الانسان الايجابية، فحولوه الى مؤسس لـ «قابلياتهم
السلبية»... "
وعن هاجس علي (ع) في إقامة «الدولة» والحفاظ على «وحدتها»،
كشرط أساسي وجوهري لإقامة «العدالة» بميزانها القرآني في
ربوعها، بوصفها المرتكز الأساسي لإستقرار «الدولة». يقول
الباحث على الصفحة 116 ما نصه:
"فعلي لم يفهم الاسلام الا من خلال اقامة الدولة، وما دامت هذه
الدولة قد تحققت كان همه الاكبر، وهاجسه الاوحد هو الحفاظ
عليها كمنجز، أياً يكون قائدها وخليفتها، وهكذا كان حيث تكون
الدولة اولاً، قبل «السقيفة» وبعدها... وقبل «البيعة»
وبعدها... وقبل فتنة عثمان وبعدها... فحيثما تهتز بوصلة وحدة
هذه الدولة، يحضر في الميدان حكمة ودورا من اجل الحفاظ عليها،
لا يهمه هو ذاته اين يكون في أي مسمى لهذه الدولة، بقدر ما
يهمه الدولة العادلة ذاتها... هكذا عاش دولة ابي بكر وعمر
(رض)..."
اما كيف نحكم على «الدولة» بأنها «عادلة» أم لا، فهنا يحتكم
رؤوف الى آيات القرآن ليتقدم بنا أكثر، ويشرح بعدها كيف كان
علي (ع) يفهم العلاقة بين الحاكم والمحكوم فيقول في الصفحة 117
ما نصه:
"﴿وَالسّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلاّ
تَطْغَوْاْ فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ
بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ(9)﴾(سورة
الرحمن)... ولذا فان الإمام الحاكم و«الخليفة» و«المسؤول» في
ظل الدولة الاسلامية، هو دائما في موقع المحاسبة والمساءلة..
ومن هنا فان الاسلام أراد للدولة أن تكون دولة الحراك الإيجابي
والحرية، والمسؤولية و«محاسبة» الإمام والخليفة والقائد
الاسلامي ـ ولم يتوان علي (ع) عن حث «شعبه» او «نخبته» على
ثقافة «محاسبته» هو بالذات وهو في موقع الخلافة، فهو العارف أن
تراجع «نصح او تسديد او محاسبة» الخليفة لدى النخبة، هو تراجع
لموقع الخلافة والإمامة وشروطها الاسلامية"
ويعود الكاتب ليربط ذلك بما سبق أن أسماه بـ «دولة الحد
الأدنى» التي ورد ذكرها في مطلع سورة الإسراء، وكيفية فهم
الإمام علي (ع) لها، ويقول رؤوف في الصفحة 118 ما نصه:
"فلكي لا يلتبس الامر على أحد فيما يرتبط بعالمية الاسلام
واخضاع العالم لسلطة هذا الاسلام ودولته العالمية، فان مثل هذا
الامر كان يحتاج الى تأسيس لدولة «الحد الأدنى» التي لم تنجز
حتى في حياة الرسول الكريم الذي على يديه اكمل الله ـ سبحانه
وتعالى ـ دينه بالجانب التشريعي وبصناعة الامة القادرة على
مواصلة مشوار تطبيقها للدولة بعدما أرسى نموذجا مصغراً لهذا
التطبيق وترك للأمة الحد الجغرافي الأدنى لمساحة هذه الدولة،
وقد استطاعت ذلك بعده على اساس عدالة الاسلام، وحصل منجز دولة
الحد الأدنى في حيزها الجغرافي. وكان علي (ع) حاضرا في تحقيق
هذا المنجز وأكثر الناس حرصا عليه... وفي ظل فهم علي (ع)
واستيعابه لدولة الحد الادنى جغرافيا. وهي دولة «مراكز الله
الثلاث» او «نقاط المثلث النبوي» عبر المسار الكوني «مكة ـ
الكوفة ـ القدس»... كانت علاقة علي (ع) مع العراق كمركز وسيط
ورابط بين القبلتين، وعلى اساس من مبدأ الاسراء المحمدي،
ومقاصده المرتبطة بدولة الحد الأدنى جغرافيا،"
ثم يعرج رؤوف على مسألة في غاية الأهمية وهي ما يتعلق بأحاديث
الإسراء والمعراج ويقول في الصفحة 118 ما نصه:
" اذ أن لهذا الاسراء المحمدي مقاصده وتشريعاته، ولا يوجد في
القرآن الكريم نص لا علاقة له بنا كمستخلفين... ولم يبلغنا
الله بالاسراء المحمدي من اجل التبليغ فقط، اومن اجل ان يحوله
الرواة والمحدثون الى قصص حول رحلة محمد (ص) الى «الجنة
والنار»، ولكي يلتقي «زملاءه الانبياء (ع)» هناك، ويحاورهم
ويحاورونه!! ويتحولوا الى «ناصحين» له في «حواره مع الله»، حول
عدد الصلوات اليومية كتشريعات لامته!! لقد ذهب بعض الاميين
والخرافيين ومحدودي الوعي بعظمة الاسلام و«الخبثاء» الى ان
ينسجوا من «المعراج» والاسراء قصصا، ما انزل الله بها من
سلطان"
ويأتي رؤوف بنص مطول حول هذا الموضوع ومنسوب إلى الإمام الصادق
(ع)، وفيه الكثير مما يبدو إنه مدسوس على النص، وربما يكون من
الإسرائيليات. وحول ذلك فإنه يعلق في الصفحة 119 بما نصه :
" لِمَ لَم يتساءل احد من «مدونيه» بانه لماذا حصرت «النصائح»
الموجهة الى الرسول (ص) بموسى (ع) فقط دون غيره من الانبياء
(ع) مع انه التقاهم جميعا ـ حسب النص ـ بما فيهم ابو الانبياء
ابراهيم (ع)، وإذا كانت حجتهم بأن موسى (ع) «هو كليم الله»،
فأن الحوارات «المدونة» لم تأت على لسان موسى مع الله سبحانه
وتعالى... بل الذي كان يحاور الله عز وجل هو النبي محمد (ص)
اذن لماذا حصر هذا الحوار بموسى؟ ولماذا كان موسى هو «الناصح»
والمحاور الاوحد لنبينا (ص) دون باقي الانبياء؟ ـ لا اعرف اذا
ما كان اختيار موسى في هذه الروايات لها علاقة بيد الداس
اليهودي، بناء على ان موسى (ع) عاش جدله النبوي مع اليهود ـ"
ولزيادة التوضيح فإن الباحث يضع موضوع الصلوات «الخمسين» تحت
مجهر البحث والتمحيص فيقول في الصفحة 124 ما نصه:
" والواقع انه اذا ما تجاوزنا النقاش في وحدة مضمون دين الله
الذي حمله انبياؤه كلهم (ع)، وفارق التشريعات لكل كتاب جاء به
نبي من الأنبياء اولي العزم حسب طبيعة كل منهم ومرحلته، فان
الذي يثير الاستغراب يتمثل بعدد الصلوات «الخمسين» التي يفترض
النص ان الله فرضها على غير امة الاسلام، اذ ان التصديق بذلك
يعطل حياة تلك الامم، ويجعل منها حياة «رهبانية» تفرغية
للعبادة «ذات الهيئة» او «عبادة الشعائر» فقط، لان الزمن هو
ذات الزمن، والنهار ذات النهار، والليل ذات الليل، واليوم ذات
اليوم بساعاته الاربع والعشرين، واذا ما اريد تصور ان يؤدي
الانسان «فريضة الصلاة الخمسينية»، فعندها لا يعرف احد كيف
عاشت تلك الامم حركة حياتها بما تحتاج اليه من العمل. والظاهر
أنَّ مثل هذه الروايات تحاول ان تؤسس للدين عبر المظهر
«الشعائري» لا غير، وعبر العبادة «الشعائرية» «الفرائضية»، لا
عبر التفكير والتدبر، واعتبار أنَّ الحياة كلها، وأن عمل
الانسان كله، يقع في اطار عبادة الله «الفرائضية ـ
الشعائرية»."
ثم يعود رؤوف مجدداً الى موضوع جغرافية الدولة الإسلامية في
حدها الأدنى وكيف ان الرسول (ص) قد أرسى اللبنات الأولى لتأسيس
هذه الدولة كمقدمة لنشر الدعوة الإسلامية على مستوى العالم،
ولكنها تعرضت الى تهديد جدي (داخلي هذه المرة) تمظهر بالإنقسام
الذي ظهرت بذوره الأولى قبل تولي علي (ع) للخلافة، وهذا
الإنقسام كان سيقود إلى التهديد بتقسيم أو سقوط تلك الدولة
الفتية. ومن هنا جاء قبول علي (ع) للبيعة لإنقاذ الدولة
والتصدي للإنقسام أو لكي لا تصبح دولة ظالمة. لذا جاء إختيار
علي (ع) للتوسط (مكانياً) بين مركزي تلك الدولة النبويين
(المسجد الحرام والمسجد الأقصى). فاختار الكوفة في العراق
والذي يمثل أيضاً مركزاً نبوياً تاريخياً «آدمياً، نوحياً،
إبراهيمياً...الخ».
وفي هذا الصدد يستنتج رؤوف على الصفحة 125 ما نصه:
" وبانتقال علي (ع) اليه بدأت علاقة علي بالعراق كعلاقة
تلازمية ـ قدرية، لا انفكاك فيها، فحمل علي جدل النبوات من
خلال الاسلام ـ خاتم الاديان ـ الى العراق، ليبقى العراق، الى
نهاية التاريخ حاضنة الكون الجدلية، واصبح العراق، في ظل
الاسلام مرهونا بفهمه لعلي (ع)، بينما ان استيعاب علي (ع)
وجدله ارتهن هو الاخر بالعراق، واصبح فهم التاريخ الاسلامي
بثقله المركزي مرتبطا بعلي والعراق معا."
وبعد ذلك يقوم رؤوف بمحاولة تنظيم علاقة علي (ع) بالعراق على
شكل نقاط هي :
علي: «الجزيري المولد العراقي الموطن الفلسطيني الهدف» ومنها
يبحث في موضوع علي (ع) وعلاقتين أساسيتين هما:- علاقة المكان
وعلاقة الجدل.
وفي علاقة علي (ع) بالمكان يثبت لنا رؤوف بأنه (أي علي (ع)) لم
يحاول أن يستقوي بالقبيلة من أجل الزعامة كما يحاول أن يوحي
بذلك بعض الكتاب والمفكرين، بل على العكس. وفي ذلك يقول رؤوف
في الصفحة 126 ما نصه:
" لا يوجد عاقل في هذا الكون بامكانه ان يترك «بلده» و«بيئته»
و«قبيلته»، ويقرر نقل مركز خلافته الى العراق... الى «بلد اخر»
في الوقت الذي يفكر فيه بنمطية قبلية!! فالذي يفكر بالقبلية
كعامل استقواء، اما ان يبقى في اوساط «قبيلته»، وفي بلده، واما
ان ينقل قبيلته معه اينما انتقل، ولا تقبل المعادلة هنا سوى
هذين الافتراضين، في حين ان عليا الذي قرر ان ينقل مركز
الخلافة الى العراق، لم ينقل احدا من قبيلته معه..."
وحول نفس النقطة، يقول أيضاً في الصفحات 126-127 ما نصه:
"اثبت علي (ع) خلال حياته كلها قبل انتقاله الى العراق بان
«قبيلته هي الاسلام لا غير»، لكنه بهذا الانتقال الى العراق،
وبما اسسنا لفهمه لهذا العراق على ضوء القرآن كمركز جدلي كوني،
لا يمكن لعاقل ان «يتقول» ايحاء، قاصدا او غير قاصد، بان عليا
(ع) كان له من «قبيلة» ـ لا بمعناها «النسبي ـ العرقي» ولكن
بمعناها كنظام فقط. وهذا ما ينطبق على مبنى ثان، وهو مبنى
«السيادة» التي الصقت بـ «علي وذريته»، وحولوها الى مبنى في
سياق نظام ديني بشري معرفي موروث، اذ ان «علي العبد لله عز
وجل» لم يأت في ذهنه ان يتحول الى «سيد»، ولو أنه كان يعرف
ذلك، و أنَّ له حق «السيادة» بمعناها الذي الصق به بعد قرون،
لنقل كل «السادة» من «اقربائه» الى العراق معه!! لكي لا «يفرط
بحقوقهم في ما بعد» بما فيهم ذرية ابي لهب"
ثم يخلص رؤوف بعد ذلك إلى القول :-
” فعلي (ع) الذي حارب «القبلية» و«السيادية ـ الطبقية»، قبل
انتقاله الى العراق، حاربهما ـ حيث اتاح له موقعه كخليفة وإمام
ـ بشكل اشد واقسى بعد ان اصبح «عراقيا»... والى نهاية هذا
الكون. فهو بهذا التحول قفز الى حاضنة هذا الكون الجدلية
النبوية عبر التاريخ البشري «العراق».".
وحول علاقة الجدل وتحديداً جدل العراق النبوي-الديني-التاريخي
وجدل علي-الإسلام نجد ان رؤوف يخلص إلى ان ذلك كله يتوحد ليصبح
جدل علي=جدل العراق=جدل الإسلام ، وإذا كان ذلك قد بدأ بنقل
علي مركز الخلافة إلى الكوفة إلا انه لم ينتهي بعد استشهاده بل
تواصل وتحول إلى أشكال جديدة ومتجددة سواءاً تم تصنيفها على
اساس إنها «ايجابية» أو«سلبية» ومن الأمثلة على ذلك «جدل
الثورات، وجدل نشوء الدول وانهيارها، وجدل «المذاهب»
وصيرورتها، وجدل الحياة الاسلامية كلها». وبعد احتضان العراق
لثورة الحسين (ع) وإستشهاده على ثرى كربلاء، ارتبط جدل العراق
بعد ذلك بجدل الحسين وجدل مبادئه وجدل ثورته.".
ثم يعرج رؤوف وبالتفاته ذكية بعد ذلك على مسألة إشكالية مهمة
وهي موضوع الإمام الحسن (ع) وموقعه من ذلك الجدل كله، حيث يقول
بهذا الصدد على الصفحة 128 ما نصه:
"ولم يكن الإمام الحسن (ع) على غير ذلك ـ كما هو سائد في
التصور العام ـ فالحسن ايضا جزيري المولد، عراقي الاقامة،
فلسطيني االهدف، إلا أنَّ الفارق بينه وبين الحسين (ع) ان
الثاني فجر هدفه دما خالدا فاعلا عبر التاريخ، تكريسا لهذه
المعادلة دولة «مكة ـ الكوفة ـ القدس» في ضمير الامة، بعدما
انهارت، وانهارت معها فرص تحقيقها كلها وفق مبنى الدولة
العادلة، بينما الحسن (ع) ارادها هكذا من خلال «صلحه» مع
معاوية، لان المسمار الاخير في «نعش الدولة الموحدة» وفرصة
اعادتها من سقف الظلم الاموي، الى سقف العدالة الاسلامية، لم
يُدق بعد بتأسيس «مبدأ الوراثة» لقيادة هذه الدولة، فقد بصم
هذا المبدأ على بقاء «الدولة الموحدة» الظالمة، فما كان من
الحسين (ع) الا ان فجَّرها دماً حراكياً فاعلاً في وسط الامة،
وخطاً نظرياً ثورياً ابدياً لاجيالها اللاحقة، وتأسيساً
«دموياً» لوعي الدولة الاسلامية العادلة هذا بانماطه العلوية
والحسنية والحسينية حول مشترك واحد، هو المشترك القرآني في
مسألة الإمامة و«الحكم» والنظام السياسي الذي يرتكز على مبدأيْ
البيعة والشورى بملاكاتها القرآنية.."
ويختم رؤوف هذه الفقرة بالإشارة من جديد إلى موضوع توظيف «شتم»
وطعن الإمام (ع) للعراق وأهله فيقول في الصفحات 128-129 ما
نصه:
"نقول ان هذا الجدل الثوري في فترته الاموية أو ما تلاها، لم
يحصل الا بسواعد عراقية مثلت الاصل فيه، في حين بقيت السواعد
الاخرى تشكل الاستثناء، ولو كانت هنالك سواعد «الثقل» في حاضنة
غير حاضنة العراق، ولو أنَّ الحسين والحسن (ع) لم يكونا
«إمامين قاما او قعدا» على اساس الهدف العلوي ـ النبوي ـ
القرآني في ما يرتبط بأمة الاسلام ودولته، لتعاملا مع مقولات
الطعن بهذه السواعد، ولاختارا حاضنة اخرى يتواجد فيها ثقل هذه
السواعد."
ثم يتوسع رؤوف بالخوض في هذا الموضوع ضمن فقرة خاصة اسماها
مركّب «معادلة «الشتم» العراقي»، فيقول في الصفحة 129 ما نصه:
"وعلى اساس فعل هذه السواعد العراقية، وحاضنة علي (ع)
العراقية، فان احدا من قراء التاريخ لم يقف على اصل هذه
العلاقة الحقيقي، فالشاتمون أهل العراق «لانهم غدروا بآل البيت
(ع)»، هم في الواقع حين يشتمون العراقيين، فانهم «يشتمون»
علياً وآل بيته الذين قاتلوا بسواعد العراقيين، اذ بقدر ما
مثَّل هذا العراق حاضنة ثورية لأهل البيت (ع)، فإنه ظل محور
قلق يهز استقرار الحكم الاموي ويجعله في حالة من الفزع
الدائم."
ويرصد بعدها المفكر عادل رؤوف مسألة هامة للغاية، وهو كيفية
تحول «معادلة الشتم» إلى «اساس ثقافي» وتوظيفها من قبل البعض،
فيقول في الصفحات 130-131 ما نصه:
"فعلي ونخبته المقاتلة العراقية وحاضنته العراقية التي احتضنت
جدله، وجدل الأئمة الثوري، وقعت تحت «الشتم الاموي» لعلي (ع)
فقط، فادار المرتزقة المعتاشون على الدين، وبعض الناطقين باسم
علي «معادلة الشتم» هذه وحولوها الى «اساس ثقافي» موروث على
ألسنة كثير من المسلمين، وقبلوها «شتماً علوياً» للعراقيين،
فهي كانت «شتما امويا» لعلي (ع)، واصبحت «شتما علويا» لجمهوره
وحاضنته، وسطروها نصوصا باسم علي (ع) يرددها الببغائيون حتى
هذا اليوم، دون وعي لمعادلة «الشتم» هذه، كيف صُنِعَتْ امويا
عبر «علي المشتوم» من على منابر المسلمين لمدة سبعين عاما،
وكيف أُديرت «عباسياً» ـ في ظل الدولة العباسية ـ التي جاءت
الى السلطة باسم علي والحسين (ع)، وقلبت على «اهل العراق
المشتومين».. ففي حين وضع الامويون علياً (ع) في موقع
«المشتوم»، فقد وضعه العباسيون في «موقع الشاتم» للعراقيين،
لانهم «اقرباء علي (ع)» الذين احتضنوا الموالي، والغرباء عن
هذا العراق ووضعوهم في مناصب الدولة العليا، ليضطهدوا
العراقيين، الذين بقوا يفهمون الاسلام من خلال رمزية علي
والحسين والأئمة «الشيعة والسنة»..."
بعد ذلك يأخذنا عادل رؤوف بسلاسة إلى واحدة من أهم محطاته
المعرفية التأسيسية (في رأينا المتواضع) في رصد بداية نشوء
«المذاهب» وارتباطها الوثيق بجدل علي، وعن ذلك يقول في الصفحة
131 ما نصه:
"فمع مرور السنين، وفي ظل الدولة العباسية، بدأ تقنين النظام
الديني البشري الموروث والمُحرَّف، فالعصر الاموي عدَّد الفرق
الكلامية، أما العصر العباسي فقد قنَّن هذه الفرق، ونظّمها
وجلّسها وفق ادارة بارعة وخطيرة على مسمى علي (ع) وجدله
«الفقهي» و«المذهبي» هذه المرة. وبالمحصلة فان ما مر معنا
تمثَّل بوحدة المصير بين علي واهل العراق، فعلي «المشتوم»
اموياً، و«الشاتم» العراقيين عباسياً دخلا في «دائرة الشتم
معاً»، ووُضِعا سوية تحت العنوان «الشتمي» ذاته، فجسد هذا
العنوان ترابط المصيرين لعلي وللعراقيين، وايضا للحسن
والعراقيين، وللحسين والعراقيين.... ولا يستطيع احد وقف هذا
السياق التحليلي للتاريخ او ان يفصل اطلاقا بين هؤلاء الائمة
(ع)، وبين العراقيين في «العنوان الشتمي»، الذي تحول الى عنوان
خاص بالعراقيين... انهم جلَّسوه «شتماً علوياً» لهم، عبر تزوير
نصوص ودسِّها باسم علي (ع) الذي شكل العراقيون سواعده ورجاله
الذين قاتل بهم، والكلام ليس اطلاقيا بالطبع، واذا اراد احد ان
يفصل بين علي واهل العراق كـ «شاتم ومشتوم» لا يوجد امامه الا
خيار واحد.. وهو خيار اقتلاع ثقافة يناهز عمرها ألفاً وأربعمئة
عام، استقرت في العقل الاسلامي العام، ومفادها أن «اهل العراق
هم اهل الشقاق والنفاق» حسب ما دُسّ على علي (ع)، وأن اهل
العراق قد «غدروا» بعلي والحسين (ع)
ويتوسع رؤوف قليلاً في هذا الطرح التأسيسي ويلفت الإنتباه
أيضاً إلى العامل (اليهودي) في دس بعض النصوص المنسوبة إلى علي
(ع)، فيضيف في الصفحات 131-132 ما نصه:
"ولا يمكن اقتلاع هذه الثقافة التي أسسها الاموي والعباسي
لاستهداف علي والعراق معاً، لأنها تحولت الى موروث معرفي غير
مفكّر فيه، ويحضر فيه المكوِّن اليهودي الذي نشأت عليه. وعقول
معظم «المثقفين» هي إما متأثرة بهذه الثقافة، او أنها تنظر
إليها بأنها لا «تستحق» أن تحلل تاريخيا، كما أن ثقافة «شتم»
العراقيين ليس بالضرورة ان تكون نابعة عن وعي من شرائح الأمة
ذات الدين الموروث، اللامفكر فيه.. لا، بل إنها تريد ان تعبر
من خلالها عن «حبها» علياً والحسين (ع) بهذه الطريقة، ومن أين
لها القدرة على تحليل خلفيات هذا «الشتم العراقي ـ العلوي
المترابط»، وتصنيعه أموياً وعباسياً، فإذا كان الكثير
من«المثقفين» لا يملكون هذه القدرة على تحليل جدل التاريخ
الاسلامي، او أنهم واقعون من حيث لا يشعرون تحت سلطته كمعرفة،
او أنهم يرونه موضوعا «لا يستحق» التوقف عنده، فكيف بالناس
العاديين!! فبدلاً من ان تلعن هذه الأمة اليهود قتلة الانبياء
(ع)، الذين لعنهم الله في كتابه الكريم طالت ايادي «اليهود
السرية» صناعة عقل الأمة، عبر السلطان الغصبي الذي استعان
ببعضها، بعد أن اعلنوا اسلامهم شكليا، وأدوا دورهم في تمزيق
هذه الأمة في كل شيء، حتى في الاطار «اللعني ـ الشتمي» بين
مكوناتها و«أقطارها»، فلأن هؤلاء اليهود هم قتلة الانبياء
(ع)،".
وفي الفقرة اللاحقة المعنونة "الانقلاب الجدلي-«علي الشكل» ..
علي المضمون" وضمن عنوان ثانوي أسماه "علاقة الحصار" يبدع
الكاتب والمفكر عادل رؤوف في إكتشاف أول حصارين تم وضعهما علي
(ع) داخلهما، وما نجم عن ذلك في تشكيل وتمرير كل الحصارات
اللاحقة على علي (ع). وبعد وحدة المكان بين علي (ع) والعراق
ترتب عليه وحدة الجدل بينهما بحيث اصبح أي إستهداف لعلي (ع) هو
إستهداف للعراق وأي حصار لأحدهما سيرتد بالضرورة ليشمل الثاني
تلقائياً. ولم ينتهي زمن الخلافة العباسية إلا بعد ان انجز أول
حصارين لعلي (ع)، والأول هو حصار تحويل علي إلى «مذهب» وبذلك
انشطر الشعب العراقي إلى «مذهبين»، والحصار الثاني هو تحويل
علي (ع)- «المذهب» بقصد تقنين «مؤسسة دينية» او «حوزة علمية»
باسم هذا «المذهب»، وبشكل يضمن للأبد بقاء هذا الإنشطار لعلي
والعراق معاً. وفي هذه النقطة تحديداً يؤشر رؤوف على واحدة من
أخطر المظاهر التاتجة عن ذلك التحول والتقنين، ويقول في الصفحة
136 ما نصه:
"وأصبحت هذه «المؤسسة الدينية» او «الحوزة العلمية» هي الأداة
الفعالة في تمرير كل الحصارات اللاحقة على علي (ع) والعراق
معا، فقد تركت القرآن الكريم مرجعية ودرساً وتدريساً، وتفرغت
لحصارت آخرى على علي والعراق معا، انطلاقا من «الفعل وردود
الفعل»... اذ بعدما تصبح هذه المؤسسة في موقع العجز الذاتي عن
تجسيد منهج علي والحسين (ع) الثوري فإنها تلعب لعبة السلطان
الغصبي ذاته باسم علي (ع) وترتد لعبتها هذه على العراق كله...
إذ أن عقدة العجز الذاتي تجعلها في موقع الامساك بعلي، رمزا
واسما وعنوانا لا غير، حتى لو ادى ذلك الى تدميره مضمونا، وهي
قد دمرته من خلال تحويله الى «مذهب»، فيما هو زعيم لكل الامة
الاسلامية، ورمز جهادي من اجل وحدة الامة والدولة التي
استغرقنا في الحديث عنها في ما سبق، فلا يحق لأي «مذهب» ان
يحتكره رمزاً ومنجزاً."
ثم يلفت رؤوف إنتباهنا كيف أن هذا العجز قد أسهم في (إستيلاد)
حصارات جديدة ضربت على علي (ع)، والأسباب الكامنة وراءها، حيث
يقول في الصفحات 136-137 ما نصه:
"إن عقدة العجز تلك دفعتهم الى أن يخرجوا عليا (ع) من موقع
العبودية الخالصة لله عز وجل المسلحة بعقلين كما وصفناها، وكما
افترضها القرآن الكريم جسدها علي (ع) ومن بعده الأئمة (ع).. ان
يخرجوه من موقع «العبد» الى موقع «السيد»، ليفرضوا بذلك حصاراً
آخر على علي (ع)، وهو الحصار الطبقي الذي حاربه علي بن ابي
طالب (ع) بلا هوادة.. لقد قلنا من قبل إنهم اصبحوا غير مكترثين
بعلي المضمون القرآني الاسلامي، انطلاقاً من تلك العقدة، ومن
ردة الفعل، فهم إن لم يخرجوه من موقع «العبد» ويضعوه في موقع
«السيد»... عليهم ان يسيروا على «خطه»، وهذا ما هم عاجزون عنه،
وان لم يضعوه «مخلوقا ما فوق المخلوقات» لا يمكن لهم ان
«يعالجوا» عقدة العجز الذاتي لديهم، وبهذا الفعل فانهم فرضوا
حصاراً جديداً عليه، نقيضاً لما جسده علي (ع)، وهو حصار «علي
الطبقي»... وهذا الحصار يقود الى حصار آخر سميناه «علي
الملياردير»، ويرتد هذان الحصاران على بيئة علي العراقية التي
تصاب بالتشظي أكثر فأكثر، وتُحكم الى مركب انقسامات متنوعة،
فبالاضافة الى الانقسام الطائفي، يصاب المجتمع العراقي بانقسام
طبقي تمايزي «سيادي» داخل حاضنة «علي المذهب»، إذ يتحول على
الاسم والرمز والعنوان الى «مبرر» كاف للعمل بكل المضامين
النقيضة لعلي الاسلام والقرآن، ويتحول ضرب علي (ع) بعلي ذاته،
الى تأسيس مضموني بديل لعلي القرآني الاسلامي بكل مبادئه... "
وتتجلى هذه الرؤية التحليلية الموضوعية للمفكر عادل رؤوف
بأهمية إستثنائية كونها تساعدنا على فهم (القواعد) و(الأسس)
التي قامت عليها «المذاهب»،وكيف تمكن «حراسها» من القبض على
عقول المسلمين و«المؤمنين» منهم خاصة، وتحويلهم إلى أدوات
لاواعية لتحقيق منافع ومآرب دنيوية شخصية لهذا «المرجع» وذاك
«الفقيه». وينطلق رؤوف بعد ذلك ليحلق في الإستنتاج والإستنباط
وصولاً إلى الحقيقة كما ينبغي أن نفهمها بغض النظر عن خلفياتنا
الثقافية أو الدينية أو المذهبية، ولكي تفتح امامنا لاحقاً
طلاسم تشكل الحصارات اللاحقة التي طاردت علي (ع) وفكره الذي
تحول إلى «مذهب»، وانعسكت بالنتيجة على العراق، وقادت بالنتيجة
إلى أهم ما اعترض العراق من ويلات ودمار وصولاً إلى آخر محطات
الإستهداف العراق وعلي معاً والتي تجلت بالإحتلال الأمريكي
للعراق في عام 2003. وبهذا الصدد يقول رؤوف بنص مطول على
الصفحات 136-139 ما نصه:
"فيرتد ذلك كله على حاضنته العراقية اولاً وعلى «حاضنته
المذهبية» ثانياً، وبما يصيب هذه الحاضنة الثانية بالشلل
التام، والاستسلام التام لـ «الامر الواقع» دون ان تعي ـ هذه
الحاضنة ـ خبايا نقلها من طور الى طور ومن «الثورية» الى
«التقية»، ومن «الجهاد» الى «الشفاعة» بمسمى علي وآل البيت
(ع)، ومن التفكير الى تخدير «الذهنية العراقية» من العهد
العباسي الى الاحتلال الاميركي، إذ أن «القائد ـ الفقيه»
الناطق باسم علي (ع) حين يستعير عقل السلطان الغصبي... انطلاقا
من عقدة عجزه الذاتي، فهو يفعل اكثر مما يفعله هذا السلطان،
ويدمر المضمون موظفا العنوان، ويدخل دهاليز العمل السري
متنقلاً من سلطان الى سلطان، او مستقوياً بسلطان على سلطان،
ويتجرأ على المضمون أكثر وأكثر باسم العنوان، عنوان علي (ع)
والانتماء اليه، فان حضر السلطان «المذهبي ـ الطائفي» كممول
«حسناً» حصل، وإن لم يحصل في بعض الاحيان، فلقد تم التجرؤ على
علي (ع) وعلى القرآن... اذ لمجرد ان قُنن علي «السيد»، فان
الدافع الى تقنينه كان المال الذي اسس ثلاث حصارات على علي
(ع)، بالتدريج، وهي حصارات «علي الطبقي» الذي يرتبط بـ «تشريع
الخمس»، و«علي الملياردير» الذي يتأسس على تشريع النذور
القرآني، و حصار «علي القبور» الذي يتأسس بالضد من التشريع
القرآني للقبور، ومرر الناطق الرسمي باسم علي (ع) حصاراته
الاخرى بالتدريج، فمن حصار «علي المذهبي» الى حصار «علي
العضلات»، الى حصار «علي الحوزوي»، الى حصار «علي الزعيم» الى
حصار «علي الطبقي» الى حصار «علي النذور»، يصار الى حصارات
جديدة. ودائما بالتنسيق مع السلطان، او بالاستقواء به، يصار
الى حصار «علي القبور» و«علي المناطقي» و«علي الأعجمي»، كآخر
حصار توافقي «شيعي ـ سني» ما بين «الفقيه» والسلطان، وما بين
السلاطين ذاتهم..
وهذه الحصارات كلها كان العراق ـ حاضنة علي الاجتماعية ـ شريكا
لعلي (ع) في دفع فواتيرها، إذ حين يتحول علي (ع) الى مشجب لكل
عناوين هذه الحصارات النقيضة لمبادئه، يدفع المجتمع العراقي
الفاتورة دماء وجهلاً بالدين الحقيقي، وخضوعاً للدين البشري
الموروث، فهو ينتقل من «المذهبية العباسية» ودمارها الداخلي،
الى «المذهبية الصفوية» وعقلها الخرافي، ويتحول الى أمم ممزقة
متعددة الولاءات العثمانية ـ الصفوية، او الايرانية ـ العربية،
حتى يصل به الحال بعد انهيار اخر كيانية باسم الاسلام، وهي
الكيانية العثمانية، ان يصاغ الاسلام جغرافيا بدءاً به، وبـ
«دولته الطائفية اللامعلنة» كمنتج «شيعي، سني، بريطاني»، وبشرط
«علي الاعجمي» عبر الناطق الرسمي باسمه، ويلعب هذا الناطق دوره
بلا رحمة في تدمير العراق «شيعة وسنة» دون ان يعي «الشيعة»
الذين يشعرون بالهزيمة والخسارة «أن الاسلام كله خاسر» ودون ان
يعي «السنة» الذين يشعرون بـ «المكاسب» أن الانكليزي هو
المستفيد الوحيد، وأن الاسلام هو الخاسر الأكبر في هذه
المعادلة التي تواصلت صعودا وهبوطا باسم «علي الاعجمي» التي
تطور دورها الى دور فتاك علني قاتل لكل رامز معرفي وفكري
«مرجعي» عربي، فكان الرموز ـ الضحايا كثر، إلا أن صلافة هذا
الدور للناطق باسم «علي الاعجمي» وصلت الى حد مساهمة السلطان
في قتل الشهيدين الصدرين الاول والثاني ليهتز العراق على وقع
انقسامات اجتماعية ـ «طائفية» اشد قسوة، وبعدها تتطور هذه
القسوة الى تدمير للدولة ومرتكزاتها وتحويلها الى شعب وارض
محتلين، ومَنْ حمى وغطى فعل المحتل الاميركي هذا هو الناطق
الرسمي باسم «علي الاعجمي» المشكل من رباعية مرجعية يترأسها
السيستاني، لقد سقط «الامتياز السني»، وتبدد «الوهم الشيعي»
وكشرت اليهودية بثوبها الصليبي ـ الاميركي الجديد عن انيابها
مرة اخرى، لكنها ستكون الاخيرة على اكثر الاحتمالات. فهم حولوا
ـ الاميركان وحلفاؤهم «الشعة والسنة» من رجال الدين معممين
وغير معممين ـ امة العراق الى امم بعدد الازقة والشوارع كما
وصفناها في احد كتبنا، وهم يتمسكون بالسيستاني كناطق رسمي باسم
«علي الاعجمي» الذي حاصرت به بريطانيا «علي العربي ـ
الاسلامي»، اعني المرجع اللاعربي الذي ساهمت بريطانيا في
تكريسه ووظفته لدورها المطلوب انذاك، بعدها انجزت حصارا
مناطقيا له بعنوان «علي المناطقي»... فتحول العراق في اخر دورة
دمار له ولعلي (ع) الى امة يتامى وارامل وقتلى بالملايين،
وتحولت ارضه الى ارض المفخخات والشركات الامنية المؤلفة من
مرتزقة دول العالم بمعظمه، والى ارض يسرح فيها االيهود، ويعاد
اليها ركام التاريخ السلبي «الطائفي» كله، ويحاصر فيه صحن علي
(ع) بالدبابات الاميركية التي تحمي ناطقين باسمه، ويتفجر فيه
مرقد الإمامين الهادي والعسكري لمرتين، ويتحول الى ساحة للدول
الاقليمية، ويتلاقى التاريخ مع ذاته، حيث تتوحد بدايته مع
بوادر نهايته على ذات المركز الجغرافي ليبقى العراق ارضا
وشعبا، ارضا يراد تقسيمها طائفيا وعرقيا، كما قسموا علياً،
لكنهم لم يستطيعوا هذه المرة، فلقد اختصروا جغرافية العراق الى
«حدها الادنى»، وتقسيمه مرة اخرى هو أمر خارج عن ارادتهم، ولعل
العراق ـ الارض ـ سيقسم اميركا التي احتلته، والعالم كله، دون
ان يُقَسّم، فعلي الاسلامي الوحدوي الذي حاصروه فكريا ومعرفيا
بحصارات لا حد لها، لم تستثن شيئا من مضمون علي ومبادئه الا
وقلبوها، علي افترش كرامز لآل البيت (ع) ارض العراق التي تبقى
موحدة."
وبعد ذلك وتحت عنوان "علاقة الجغرافيا العراقية" يبشرنا رؤوف
بقرب الخلاص على الصفحات 139-141 من خلال النصوص المطولة
التالية:
"لقد استنفدت حصارات علي (ع) وحصارات العراق معا، فعلي والعراق
عاشا هذه الحصارات اثراً متبادلاً حاداً في ساحة العراق، اما
في خارجها فقد كان علي الجدلي يرتد اثراً ميدانياً يشل عظمة
الاسلام كدين ورسالة ودولة، إلا أن ذلك كله ارتداد لحصار «علي
العراقي» القاسي، ففي ظل حصاره «الطائفي او المذهبي»، لم يُجلس
على هذه «المذهبية» ديمغرافيا، كما جُلس عليها في العراق، وكما
عاشه العراق «جدلاً مذهبياً» يتنازع طرفاه «السني والشيعي»
مقولات الاكثرية «مزاحاً ودماءً»، فهو جُلس فيه تجليساً
وسطياً، او اقرب الى الوسطية في ظل «الغالبية الشيعية» 55%،
الامر الذي لم يحصل لاي بلد اخر في جدل علي «المذهبي»
الديمغرافي، لا في ايران «الشيعية»، ولا في «السعودية
الوهابية» ولا في مصر «السنية»...الخ، وهو عندما حوصر
«سيادياً» فلم تأخذ هذه السيادية تطبيقاتها القاسية إلا في
الحاضنة العراقية، اما في غيرها من الحواضن «الشيعية» فالتمايز
«السيادي» يتغاير عملياً عما هو قائم في العراق، وعندما حوصر
«مناطقياً»... فلم يعش أي بلد في هذا العالم الاسلامي انعكاسات
هذا الحصار السلبية كتحصيل حاصل، لان مرقده ـ أي علي (ع) ـ في
العراق، وعندما حوصر بعنوان «علي الزعيم»، فبقدر ما أسست هذه
«الزعامة» معرفياً، فانها لاحقته الى جثمانه كما سياتي،
وجثمانه الشريف في العراق، وعندما حوصر بعنوان «علي العضلات»
فان مناسبة استشهاده واستشهاد الأئمة في العراق، ترتفع فيها
ملايين السواعد العراقية «اللاطمة» عليهم، الزاحفة نحو مراقدهم
في العراق، في استعراض «عضلي» أُفرغ من مضمونه المعرفي الفكري
الثوري، وعندما حوصر وأهل البيت مالياً عبر ثلاثة انماط هي
«علي الملياردير ـ النذور» و«علي السيد ـ الخمس» وعلي القبور ـ
مقبرة وادي السلام»، فأموال النذور وجثث القبور وأموالها
والحوزة و«عليّها» كلها في هذا العراق، الذي يتداول «مراجعه
وسادته وسدنته» ريعه المالي الدوري، وعندما حوصر بـ «علي
الأعجمي» عبر الناطق الرسمي باسمه، لم يكن بلد في هذا العالم
عاش ظاهرة «قائد ونبي» لامة ما لا يتحدث لغتها لا في التاريخ،
ولا في الحاضر، الا في العراق. فالعراق وعلي (ع) تلازما
تلازماً اثرياً تبادلياً في وقع هذه الحصارات التي اوصلوا
العراق بعدها الى وضعه تحت الحصار العالمي لما يقارب ثلاثة عشر
عاما، واحتلته اميركا ـ متحركة في الميدان ضمن خطتها نحو النجف
اولا ـ مدينة علي (ع) ـ وحاضنته الاجتماعية الأضيق... وصولاً
الى «تقسيمه» الذي وُضع هدفاً للاميركان، مع أنهم كانوا يعملون
ويخططون لهذا التقسيم من خلال العراق، ولم يعلموا أنهم واهمون
هذه المرة.. فالحصارات على علي (ع) والعراق استنفدت كلها، وما
استخدم من إدارات «طائفية وعرقية» وما سيستخدم ستستنفد... إذ
أن خط آل البيت (ع) طهَّر ارض العراق ـ «لا ناسه» ـ من
«الطائفية والمذهبية» التي انتمى اليها ساكنوه تحت مسميات
«السنة والشيعة»، والإمامان العسكريان (ع) المسلمان كامتداد
لآل البيت بقيا فيما بعد في «المثلث السني» أكثر من الف عام،
ولم يجد فيهم «سنة العراق» ما يرمز الى «طائفية» ما، فهم لم
ينظروا اليهم كـ «شيعة»، بل كامتداد لـ «آل البيت (ع)»، واذا
كان اليهودي او الاميركي اليهودي او الوهابي ـ التكفيري قد فجر
مرقدهما مرتين، فهو لا يستطيع ان يُقطّع الارض التي هما فيها،
بما يفضي الى تقسيم العراق، فعلي (ع) الذي عاش حياته دفاعا عن
وحدة الاسلام امةً ودولةً، وكرامز لأهل البيت (ع) في ارض
العراق، طبع بصمته على وحدة هذه الارض الادمية، النوحية،
الابراهيمية، فلا «سنة» العراق هم «سنة»، ولا «شيعة» العراق هم
«شيعة»، وفق معادلة أهل البيت التي أوجبها الله فرضا صلاتيا لـ
«سنته وشيعته»، وستسقط هذه المسميات على وحدة ومسمى آل البيت
المنقوشة في ارض العراق في «سامراء السنية» وفي «البصرة
الشيعية»".
ويشير المفكر عادل رؤوف بعدها في نص اخترته كمسك الختام لهذه
الحلقة والذي يقول رؤوف فيه بأن:
"مقولة «ان آل البيت نُقشوا على أرض العراق»، التي ترمز لوحدة
هذه الارض أمراً مفهوما، يمكن أن نؤسس عليه مقولتنا الاخرى بـ
«إن هذا العراق سيقسِّم العالم بأسره، ولا يستطع هذا العالم ان
يقسِّمه».
سيقول البعض إنها «احلام وردية»، لكنها حقيقة إلهية خالدة،
كخلود الصلاة ذاتها، وخلود ذكر آل البيت (ع) فرضاً اسلامياً
فيها لكل المسلمين، فـ «الشيعي» الذي يرفضها، يقرها «صلاة»
و«السني» الذي يرفضها يقرها «صلاة»، و«الشيعي» الذي «احتكرها
زوراً»، و«السني» الذي تحسس منها، تحسس منها كـ «جدل سلبي»
أُلصق بعلي المسلم القرآني الحاضر مع خلفاء الدولة الاسلامية
في السراء والضراء، في سبيل وحدة هذه الدولة، ووحدة مرتكزها
العراقي."
وبعد هذه الرحلة المطولة والتي نعدها اكثر من ضرورية بين صفحات
الفصل الثاني من كتاب عادل رؤوف (حصارات علي-النجف مدينة تعتاش
على الموتى) نودعكم أملين ان نلتقي في الحلقة القادمة، والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته.
رعد الجبوري
كاتب ومحلل سياسي مستقل
16-11-2009
الحلقة
الخامسة- قراءة في الفصل الثالث
في الفصل الثالث والموسوم (علي
«الحوزوي»
.. علي – إمامة الأمة .. و«إمامة
الحوزة»)
يبدأ عادل رؤوف رحلته بالتذكير في بداية هذا الفصل في الصفحة
147 بأنه :
"لم يكن علي بن ابي طالب (ع) «زعيماً» لـ«حوزة علمية» ولم يكن
اماماً لشريحة من الناس، دون غيرها.. بل إنه كان الخليفة
الرابع من خلفاء المسلمين (رض)، وكان إماماً وقائداً أعلى
للدولة الاسلامية التي أرساها الرسول محمد بن عبد الله (ص)
واقعاً على الارض،"
ثم يعرج رؤوف على دور الإمام علي (ع) في صناعة الأمة الإسلامية
من خلال عقله الجبار وفهمه المتميز للإسلام في كافة مراحل
حياته منذ بدء الدعوة وحتى وفاة الرسول (ص)، وما بعدها في زمن
الخلافة الراشدة التي ختمت بعهده ومن ثم بإستشهاده. وكان علياً
(ع) في ذلك كله أميناً على الأمة والدولة في مواجهة الفتن
والانحرافات التي دبت في المجتمع الإسلامي بعد وفاة الرسول
(ص). وكان
«عنيداً» في إستئصال الإنحرافات
عندما تولى الخلافة في زمن إشكالي وفتنوي خطير.
اما كيف تم تحويل الإمام علي (ع) الى
«علي المذهب» ثم «علي الحوزوي» او «علي المؤسسة الدينية» بعد
قرون،
فإن الكاتب والمفكر عادل رؤوف يقول انه لن يخوض فيه لأنه فعل
ذلك في مبحثين مستقلين الأول كتابه السابق
«أنبياء وأصنام »، والثاني كتابه اللاحق (تحت الطبع) بعنوان
«الآلهة البشرية» عنوان .
اما ما يبحثه رؤوف هنا تحت عنوان «علي الحوزوي» فهو "هو ما
يرمز لحصار من الحصارات التي استهدفت الاسلام والقرآن من خلال
«الحوزة» التي أُلصقت به «مذهبياً»، في نهاية المطاف "
ويفسر ذلك ويعزوه إلى:
"سبب مركزي، هو أن «الحوزة» مسؤولة عن معظم الحصارات التي فرضت
على علي (ع)، وبالتالي لا يمكن تجاوز المرور عليها في سياق هذا
الكتاب بالمعنى الذي قدمنا،"
وحول هذه الفقرة يبلغنا رؤوف على الصفحات 148-149 بأن:
"علياً (ع) تحسس امكانية «ولادة الحوزة» في عصره، وهو،
باعتباره قارئاً ذكياً للتاريخ الديني البشري، ومستشرفاً
جباراً للمستقبل، استفزه هذا التحسس الذي تُرجمت بواكيره في
ذلك العهد على شكل جدل «نقلي حديثي، فتاوائي»، وعلى شكل حراك
سلبي خاطيء في التعاطي مع المنقولات العامة، والمقولات
والروايات المنسوبة الى النبي (ص) والخلفاء الذين سبقوه (رض)،
لاسيما انه استلم ارثاً فتنوياً ضخماً تراكم قبل استلامه موقع
الخلافة، وكان هذا الجدل، والحراك يندرج في جزء منه او يأتي
على الاقل في سياق هذا الارث الفتنوي، لذا فهو واجه هذا الحراك
السلبي الذي قد يخلق فوضى لاحقة في مسألة «الإمامة» ـ إمامة
المسلمين ـ لاسيما وأنها أخذت جدلها المغاير قبل مرحلته وبعد
وفاة الرسول الكريم (ص)، وازدادت المخاوف لديه عندما رفض
معاوية بن ابي سفيان الانصياع لأوامره كخليفة بايعه المسلمون.
من هنا وجد نفسه إزاء تحدٍ لاحق قد يطيح بمعنى الإمامة كله كما
جاء به القرآن الكريم، وبالتالي يطيح بهذا القرآن والاسلام،
ويؤسس لامامتين متعايشتين في المستقبل، أي بما يشطر موضوع
الإمامة الى شطرين إمامة الدولة و«إمامة الحوزة»، او «إمامة
المؤسسة الدينية»، وهذا الانشطار إذا ما حصل، وهو قد حصل
لاحقاً بشكل تدريجي بعد أنْ أخذ زمنه، فان كارثة المسلمين
الكبرى تكون قد وقعت.. فهو في زمن خلافته عاش هذا التحدي، لا
على شاكلة «الإمامتين الحوزوية والخلفائية»، بل على شاكلة
«الإمامة الحق الاسلامية والإمامة المتمردة عليها».
وعاش حياته في هذا الاطار جهاداً مريراً في سبيل ألا يقع هذا
المحذور، محذور الانشطار الى إمامتين «الإمامة الحق، والإمامة
المتمردة»، حتى استشهاده (ع)، واعطى لهذا المحذور اولوية قصوى
لانه يدرك أنه المهدد الاكبر، الذي يطيح بمشروع الدولة
الاسلامية الى الابد، ويفرض «إمامة» الحاكم الغصبي باسم
الاسلام، وهذا ما حصل وبقي سائراً على طول تاريخ هذا الاسلام،"
هكذا إذن يبلغنا عادل رؤوف بأن الإمام علي (ع) كان يملك وعياً
إستشرافياً إستثنائياً يستطيع من خلاله تحسس مكامن الخطر على
الإسلام كدين عالمي ومشروع دولة وليدة، بدأت تتهددها اخطار
جدية جمة خارجية وداخلية، وقد كان ما يقلق علياً (ع) هو
الأخطار الداخلية المتمثلة في بذور الفتنة التي تجسدت بالصراع
على فصل (الخلافة) عن (الإمامة) من جهة، و من الجهة الأخرى
تحوير المفهوم والمضمون القرآني للإمامة الدينية، ومن ثم قلبها
من الإمامة (الحق) إلى الإمامة (المتمردة).
إن هذه النذر التي لاحت في الأفق، كانت من أشد عوامل الهدم
الذاتي البطيء التي ابتليت فيها الأمة الإسلامية، ورغم إنها
أسهمت في التأسيس لدول وممالك وإمبراطوريات كبيرة تشكلت
وتعاظمت بإسم الإسلام وتحت عنوانه، ولكنها كانت تحمل في
صيرورتها وكينونتها بذور فنائها ودمارها لاحقاً لإنها إستندت
بمعظمها على ما أسماه رؤوف بالسلطان الغصبي.
وفي الفقرة التالية يبلغنا رؤوف كيف كان هناك عداوة إستباقية
بين علي (ع) والمؤسسة الدينية التي تشكلت لاحقاً والتي اطلقنا
على جزء منها (الحوزة الدينية). فعلي (ع) تحسس من ظاهرة" العمل
«الفتوائي النقلي ـ الحديثي» الفوضوي الخطير"، وحول هذا
المضمون يشير رؤوف إلى نصوص محددة للإمام علي (ع)، وكيف إنها
كانت تشخص هذه العلة بوضوح وتستشرف المشاكل التي ستتسبب بها
لاحقاً. وعن تلك النصوص يقول رؤوف في الصفحة 154 ما نصه:
"ونصوصه هذهِ توضح بما فيه الكفاية مبدأ «الافتاء» الشخصاني
وفوضى «الحكم»، وتعدد «المفتين» واستسهال «الاجتهاد» في
المواضيع، وعودة «المفتين» الى إمام بذاته، لا يخضع لشروط
إمامة الدولة، فتلك مظاهر جهل بالاسلام، ومظاهر قصدية لتحريفه،
كما تشي بهذه المعاني نصوص علي، وتطور خطير عندما تتحول الى
«مجمع فتوائي متناقض يتزعمه إمام لهم» في ظل إمامة الدولة،
فلقد تحسسها علي (ع) في واقعه الاجتماعي، وخشي ان تتحول مع
مرور الزمن الى ظاهرة مستقلة لذاتها، واذا كانت ـ هذه الظاهرة
ـ في وقته لا علاقة لها بالخلافة المركزية، ولا تحتك بها
«سلباً او ايجاباً»، الا انها كظاهرة مستقلة قائمة على الجهل
والقصدية والكيد لتشريعات القرآن، التي كان علي (ع) يصرخ
بشرحها، وكان الخلفاء (رض) الذين سبقوه يحتكمون اليها، ويمنعون
من تدوين «الحديث» لكي لا يكرروا تجارب «الاديان» التي وقعت في
«ازمة الحديث»، ولكي يغلقوا ابواب تسلل اليهود الى الاسلام عبر
هذا «الحديث» والذي حصل فعلاً باعتراف «الفقهاء والمتحدثين»
وافردوا له باباً فيما بعد سمي بـ «الاسرائيليات»."
وبعد استعراض رؤيته التحليلية لموقف وفهم الإمام علي (ع)
لمسائل الإمامة والخلافة والحكم والسلطة، وتأثيرات كل منها في
خلق طبقة (رجال الدين)، يخلص رؤوف في الصفحة 154 إلى ما نصه:
"ثم ايجاد «رجل دين» خاص بالسلطة، ثم تقنين «للمؤسسة والحوزة»
التي قلبت النظام المعرفي القرآني برمته الى ثنائيات «الاجتهاد
ـ التقليد» وقبلها «اصول الدين ـ وفروع الدين» و«شريعة ـ
عقيدة» و«عبادات ومعاملات»."
وبعد إستعراض فكري تحليلي لتلك الحقبة يقول رؤوف:
"على أية حال لم يكن علي (ع) سوى زعيم لأمة ودولة، فحولوه الى
«علي الحوزوي» حصاراً واستهدافاً، وحتى انتهى الحال بهذه
«المؤسسة» الى تزعم دين الناس، حيث الناس تعتقد أن «الحوزة» هي
اطار دراسي علمي «ديني» تخصصي قيادي، ليس بمقدور أي شخص ان
يخوض فيها، إلا ان يكون جزءاً منها، او «مطربشاً» بزيها."
ثم يردف قائلاً:
"هكذا استقر وعي الناس حول «الحوزة» وحقها وقدسيتها وتمثيلها
لـ «المذهب»، مذهب علي (ع). والمشكلة ان الكثير من الناس ركنوا
الى هذا الموروث، ولم يعرفوا ان دروس «الحوزة» ما هي الا
«اكذوبة» عدوانية على الدين في نظامه القرآني المعرفي، ولعل
الانسان عليه ان يموت قهراً وكمداً عندما يملك ذرة من الدين،
ويسمع بعض ما يدرسون ويدرَّسون ويتباحثون فيه في بعض المجالات
في لحظة يموت الناس ويجزرون كـ «الخراف»، في حين انهم يخوضون
في بعض الاحيان في امور ما انزل بها الله من سلطان."
ولإتمام صورة المشهد القاتم الذي إنتهى إليه واقع «الحوزة»،
يستعرض عادل رؤوف في نهاية هذا الفصل حادثة معينة ينطبق عليها
وصف (ما أنزل الله بها من سلطان)، وقد كان احد شهودها بالصدفة.
ورغم ان رؤوف قد شرح هذه الحادثة تفصيلياً، بألم يعتصر القلوب.
وهي تتعلق تحديداً بنقاش «فقهي» حاد عنوانه «الحشفة»، الصفحات
154-159. إلا أننا آثرنا عدم استعراضها أو التعليق عليها لأن
ما كتبه رؤوف عنها يغني عن كل بيان ويستعصي على الإختزال.
ولكنني سأنهي هذه الحلقة بما قاله في ختام هذا الفصل عن أزمة
«المنهج الحوزوي» على الصفحة 159:
"فعندما يكون الاسلام مظلوماً بهذا الشكل، فمن الطبيعي بعدها
ان يتحول علي (ع) الى «علي المذهب» و«علي الحوزوي»، ويستهدف
ويحاصر اكثر من غيره لانه جسّد مبادىء الاسلام وقيمه وأفكاره ،
ولانه ناضل من اجل عدم «تحريف النظام المعرفي القرآني» الذي
حرفوه، ووصل الحال بالنظام الديني المعرفي البشري الموروث
و«حوزته» الى ان يهبط بالمعرفة الى هذا المصداق الذي تطرقنا
له. ، وقلنا انه مصداق، وأحّد المصاديق، والكلام عن «الحوزة»
برمتها ليس اطلاقياً، لانها ضمت رجالاً استثنائيين صرخوا صرخات
مدوية على معرفة «الحيض» و«النفاس» ومعرفة «الحشفة»."
وبعد إستعراضنا السريع للفصل الثالث من كتاب عادل رؤوف (حصارات
علي-النجف مدينة تعتاش على الموتى) نستودعكم الله أملين ان
نلتقي في الحلقة القادمة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رعد الجبوري
كاتب ومحلل سياسي مستقل
1-12-2009
|