|
خطاب المواجهة
الوحدة .. المقاومة ..
التعددية
الجزء الثالث
{وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً
وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ
اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ}
([1])
بعد غزو العراق واحتلاله باشر السيد أحمد الحسني البغدادي
بإصدار بياناته المتعاقبة وفتاويه الواضحة ضد الاحتلال وكل من
ارتبط به, ونتيجة لذلك اشتدت أزمته ومعاناته في هذه الحقبة
الزمنية من عصر العراق, وهي تكاد تساوي أو تفوق معاناة وظلامة
الشهيدين الصدرالأول والصدر الثاني,,
فأولئك تعرضوا لطاغية ظالم في ظل حكومة مركزية موحدة, ومؤسسة
دينية حوزوية مركزية واحدة - فيها علماء شهد بعلميتهم الكثيرين
من أصحاب الخبرة وأهل الفضل, واعتمدت هذه المؤسسة على الدعم
غير المباشر من القوى الأجنبية بالإضافة إلى الحكومة المركزية
حينذاك, مع الخلاف الظاهر لهذه المؤسسة مع الحكومة الإسلامية
الإيرانية, بينما اعتمد الشهيد الصدر الأول في تصديه على
مرجعيته, التي أخذت بالتوسع والانتشار من خلال الطرح المخالف
للمؤسسة التقليدية الموجودة في النجف الآشرف, وجرأته في التصدي
غير المباشر لطريقة الحوزة حينذاك بالإضافة إلى اعتماده على
الكثير من جيل الشباب الرسالي, الذي آمن بأطروحته الرسالية
القريبة من روح الإسلام في العصر الحالي, فكانت الحقوق تجبى
إليه من خلال مقلديه من هؤلاء الشباب الرسالي من مختلف أنحاء
القطر, بالإضافة إلى مقلديه الموجودين في لبنان خاصة, وامتاز
السيد الشهيد الصدر الأول بأن الحكومة الإسلامية حينذاك لم تكن
تبدي رأيها بحركته, أو تساعده في التحرك بطريقة ما لحداثة
الدولة وللمشاكل الداخلية, التي كانت تواجهها في بداية الثورة,
في حين أندفع الشهيد بتأييد الثورة بكل جوارحه وأحاسيسه, حتى
نقل عنه في حديث إلى مريديه قوله: ((لو أن السيد الخميني
أمرني أن أسكن في قرية من قرى إيران أخدم فيها الإسلام, لما
ترددت في ذلك, إن السيد الخميني حقق ما كنت أسعى إليه))([2])
وهذه الأقوال وما شابهها جعلته هدفاً واضحا للتخلص منه من قبل
الدول الإقليمية العربية والحكومات الغربية, التي أعدت للنظام
السابق برنامجاً ليقوم به لاحقاً في تدمير الحركة الإسلامية في
العراق, وتعطيل وتأخير البرنامج الإلهي في مشروع الثورة
الإسلامية حين ذاك, فتشابكت المصالح لهذه الجهات جميعاً في
التخلص من هذه المرجعية وظاهرتها, لذا نفذ النظام السابق
وأجهزته الأمنية جريمتهم النكراء بحق الصدر الأول وبحق أبناء
الشعب العراقي.
مرجعية ثورية
في طريقها عقبات
الاحتلال الأميركي .. الرباعي المرجعي
الدين الاستحماري ..التصدي الوراثي
أما السيد البغدادي فإن ظلامته تكمن في كونه المرجع ((الإمامي))
العراقي العربي الوحيد, الذي أفتى بوجوب محاربة الأمريكان,
وعمل على ذلك ميدانياً, مستنداً إلى روح الشريعة وما تعلمه من
خلال تجاربه ودراسته الحوزوية, بالإضافة إلى أنه الداعي الوحيد
والحقيقي للوحدة بين العراقيين, والعامل عليها منذ بدء
الاحتلال وإلى يومنا هذا, بالإضافة لهذا كله إرث عائلته العلمي
والجهادي الممتد عبر قرون طويلة, مروراً بجده السيد محمد
الحسني البغداديH,
الذي لا ينكر أحداً شجاعته وجهاده وزهده.
هذه الأمور جعلت الأمريكان تدرس ظاهرته بتمعن وتضربه من
مفاصل عدة, وهي بذات الوقت تضرب كل المقاومة بذات الأسلوب وفي
جميع الاتجاهات, فقد عملت قوى الاحتلال على:
أولا: تأطير المرجعية بالأربعة المنضوين تحت
رايتها, ودعمت وأوجدت مرجعيات جديدة في الشارع العراقي لم
يعرفها من قبل, وأبرزتها للوجود من خلال ماكينتها الإعلامية,
التي لم يعرف لها العراق والمنطقة من قبل مثيل, ودعمت هذه
المرجعيات دعماً مادياً غير محدود, في حين زمن الشهيدين لا
يوجد سوى نوعين من التوجهات: حوزة سياسية وغير سياسية, هذا
التقيد بالنوعين جعلهم يظهرون ويبرزون على الساحة في مواجهة
الطاغية ويلتف حولهم الشعب, في حين السيد احمد الحسني البغدادي
جعلوه يواجه أكثر من جبهة في معركته مع المحتل والمؤسسة
الدينية المنضوية تحتها, فبعضهم أظهرتهم بعنوان المقدسين,
وآخرين بعنوان المفكرين والدعاة (الأيدلوجيين), وآخر بأعلم
الموجودين والمطارد من قبل قوات الاحتلال؟! وغيرهم الكثير
والعناوين أكثر.
أغلب هؤلاء يظهرون عدم تدخلهم بقضايا الاحتلال, ولكن عندما
يحتاجهم المحتل في القضايا المفصلية لمصير الأمة كالدستور
والاتفاقية الأمنية مع المحتل, تراهم يسارعون بالإدلاء
بأصواتهم, التي تكون شماعة تبريرية للمنضوين تحت راية المحتل,
هذا التناقض لم يعشه الصدرين ـ الأول والثاني ـ فالطاغوت
واحد, والكل متفق على بشاعة ظلمه, لكن يبقى هناك من يتصدى له
وآخر ساكت عنه أو متعاون معه, لذا ظهر وبرز كل منهما عندما
عارضوه وسكت عنه الآخرون في فترته, لذا أحدثوا تغييراً في
المجتمع, أما أحمد الحسني البغدادي فقد أوجدوا له الضد النوعي
سواء كان في الفتوى, أم في المجتهدين المتصدين, فالموضوع
الواحد ترى له عدة أجوبة لا لتشعبه وتعقده, وإنما لتشتيت ذهن
الأمة, كما يحصل بعدم إعطاء فتوى بحرمة الاحتلال, وما يتمخض
عنه, فهذه الحقيقة رغم وضوحها بكل الشرائع عامة وشريعتنا
الإسلامية خاصة, تراهم يلتفون ويتحايلون عليها بمئات الطرق
والعناوين الشيطانية, لذا تعرض قضية مثل الاحتلال على
الفقهاء.. فترى لها مئات الآراء والرب واحد, والدين واحد,
والقرآن واحد, والرسول واحد.
أبرز المحتل وأعوانه شخصيات دينية تدعوإلى تجهيل وتسطيح
وتحجير العقل العراقي معتمدة العواطف والمشاعر الدينية, والحب
الفطري لدى الجماهير المسلمة لآل بيت رسول الله
x,
والموروث العقائدي لقضية الإمام المهدي المنتظر8,
وإيجاد مراسيم وشعائر غير موجودة في الدين, وجعلها تمثل لب
الدين وأصله, وهذا الأمر راج وساد في العراق, وأخذ طابعا من
الصعب احتوائه والسيطرة عليه, لأنه يتعامل مع عواطف الناس
ومشاعرهم, وهذا الأمر لم يتعرض له الصدر الأول والثاني, ولم
يكن موجوداً في حياتهما, بينما ظهر في زمن الاحتلال, ولذا
أعتمد السيد البغدادي لمواجهة هذا الخط على مخاطبته للجماهير
مباشرة, والقيام بتحريك العقول والانفتاح على الآخر, واستخدام
الحجج العقلية في التعبد بالنصوص الشرعية, والتعامل مع القضايا
العقائدية من نظرة توحيدية للأمة مبتعداً عن العاطفة في مثل
هذه الظروف العصيبة, التي تمر بالعراق, لذا ترى أغلب أتباعه من
الكوادر العلمية والأكاديمية الواعية القادرة على فهم خطابه من
أبناء الوطن, هذا الأمر جعل أغلب الأحزاب غير الإسلامية
العراقية المعارضة لوجود المحتل تؤيد خطابه وأفكاره, وهذا ما
لاحظناه من خلال ردود الأفعال القوية أثناء مداهمة بيته من قبل
استخبارات النجف المشرف عليها المجلس الأعلى في مساء
27/12/2005م المرتبط بقوات الاحتلال, وكذلك أثناء اعتقال نجله
الأكبر يوم 24/10/2008م من قبل القوات الأمريكية وبموافقة
وتحريض مطاياها من أدلاء الاحتلال, هذه الردود القوية كانت من
الفئات والأحزاب والجماهير الواعية لنهج وأفكار السيد
البغدادي, في حين لم نر استنكاراً لهذه الجرائم من المؤسسة
الحوزوية, التي ينتمي إليها السيد البغدادي([3]).
ثانيا: زمن الشهيدين لم تكن سوى قناتين محليتين
الأولى والثانية, وهاتين القناتين كان مسيطراً عليهما النظام
الطاغوتي, وتبث ثقافة النظام في ذلك الحين, بالإضافة إلى صحف
النظام, التي تنشر وتوزع داخل العراق, أما الصحف العربية
والعالمية فيأتي منها ما هو خاضع للرقابة الدقيقة, والتي لا
تمس النظام الحاكم من قريب أو بعيد مضافاً لذلك كانت أغلب
الصحف العربية والعالمية مساندة للنظام لما يغدقه عليهم من
هبات وهدايا, فالشعب كان يعيش هذه الثقافة الجاهزة المؤيدة
للنظام, أما أخبار المراجع فتنقل من الوكلاء إلى المتدينين,
وهذه الأخبار إن كانت ضد النظام فتعتبر في وقتها جهاداً وهي
مرغوبة لأنها ممنوعة ومسموعة ومطاعة لقدسيتها أولاً, ولصعوبة
الحصول عليها والتصريح بها علناً ثانياً, ومحدودية تداولها
ثالثاً, فهي مثل الكنز الذي يجب الحفاظ عليه من الأعداء,
في حين قامت قوى الاحتلال بالموافقة على إنشاء عدة قنوات
فضائية محلية لدعم الأحزاب والتيارات الدينية, وفتحت الأبواب
على مصراعيها للصحف, بالإضافة إلى ظهور عصر المعلوماتية من
خلال الشبكة العنكبوتية, وهذه الأخيرة تعتبر صوتاً للفقراء
كحالنا, وأغلب هذه القنوات والفضائيات التي ظهرت بعد
الاحتلال تخضع لهدف واحد هو تشتيت الحقيقة بين العناوين
الكثيرة, وتضييع الأمة في متاهات عدة وصناعة قادة ورموز من
الدوائر المحيطة بالمحتل سواء كانوا من المؤسسة الدينية ومن
يرتبط بهم أو غير ذلك.
لقد أخذ الشارع برأي هذه المؤسسة الدينية لكثرة التكرار
والسماع عنها من قبل المتلقي من أبناء الأمة لصدوره من كل هذه
الفضائيات والقنوات, والصحف والمجلات المدعومة من طرف خفي أو
معلن, وظهرت هذه المؤسسة وكأنها الحاكية باسم الله في هذا
الوطن, حتى لو كان حديثها يخالف القرآن والسنة وما أكثره, كما
هو الحال في السكوت عن المحتل وما ينتج عنه, فالمهم لممول هذا
الإعلام أن يجر المنفعة للمحتل بالزمن القريب أو البعيد, لذا
قل وضعف السماع للرأي الفقهي, الذي يذكره أحمد الحسني البغدادي
لعدم وصوله إلى الأمة من خلال هذه القنوات وإن وصل فهو يخضع
لقانون التشتيت, الذي تزاوله هذه القنوات, لذا لا نرى قناة
فضائية تلتزم السيد البغدادي, وهو بذات الوقت ليس له قناة
يمتلكها, كما يحصل مع
«المراجع
(الأربعة»
المبرزين وغيرهم من المصنعين, ومن يدور في فلكهم, بالإضافة
للحصار الإعلامي, الذي يطبقه عليه جميع ممن يستفيد من وجود
المحتل مباشرة أو غير مباشر, والملاحظ أن الإعلام الإيراني لم
يذكر أحمد الحسني البغدادي طيلة فترة الاحتلال, وكأنه من مراجع
آل سعود, وليس من المدرسة الإمامية الأثنى عشرية, وما ذلك إلا
لفتوى جده الإمام المجاهد السيد محمد الحسني البغداديuبأحقية
العراق بشط العرب([4]),
هذا الأمر ولد إِمتعاظاً لدى السياسيين الجدد في إيران, لذا
تراهم لا يتطرقون إلى آرائه الفقهية (أي السيد أحمد), والتي هي
عكس كل الأطروحات التي يعرضونها للأمة, وهم يعرفون أن دليله
الشرعي متين وغير مردود, ولو كان غير ذلك لردوه وشهروا به في
فضائياتهم وقنواتهم المنتشرة في الآفاق, ولعملوا حلقات خاصة للطعن
بآرائه, وما ينطبق على هؤلاء ينطبق على تلك الفضائيات التي
تتبجح بمرجعياتها في داخل العراق, ولكن هيهات أن يكون لهم ذلك
مع من كان دليله القرآن والسنة.
هذا الأمر لم يتعرض له الشهيدان الصدران, ولو كانوا بأيامنا
هذه لرأينا أغلب أولئك الذين يدعون ويتكلمون ويستأكلون باسمهما
سيعزفون عنهم ويتركونهم ويعادونهم, كما يتركون و يعادون الآن
السيد المرجع القائد أحمد الحسني البغدادي, وذلك أن الشهيدين
لم يرضيا بحاكم ظالم, وقدما أنفسهما قرباناً لله الواحد القهار
كي تستفيق الأمة من سباتها, فماذا تراهم يفعلان إذا احتل بلدهم
من قبل الصهاينة والكفار؟!..
وماذا سيقولون عمن يتعاون معهم؟! حيث نقرأ عن شهيدنا الصدر
الأول (ره) قوله لو كان أصبعي بعثياً لقطعته ؟!..
فهل لو عاش الصدر الأول زمننا هذا, سيكفر كل من يتعاون مع
المحتل الكافر, ويتبرأ من كل الذين يتكلمون باسمه, ويبكون على
ظلامته وهو قد كفر حزب البعث بالأمس, وهؤلاء الذين يتقلدون
اسمه في زمننا هذا, نراهم يظلمونه اليوم مئات المرات, بل
يقتلون فكره الحركي كل يوم ألف مرة بتعاونهم وتأييدهم للمحتل,
والتعاون معه ضد أبناء الأمة من المجاهدين والمقاومين, كما
يشوهون ويحرفون المعاني السامية للنهضة الحسينية, التي غيروها
إلى
تعازي
للبكاء والتباكي, ومواكب للطم والتطبير,
وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان وأفقدوها وجردوها من روحها
الجهادية الإصلاحية, التي دعا إليها وقام بها سيد شباب أهل
الجنة.
ثالثاً: التصدي المرتجل وغير المدروس لمقتدى الصدر
لقيادة التيار الصدري, والذي شجع عليه المحتل وإيران لاحتواء
حماسة المجاهدين الشباب من جميع أنحاء العراق تحت رايته
ولتسييسهم حسب مصالح كل منهما, والتي أدت إلى نتائج كارثية
وتمزيق الوحدة الوطنية, وسقوط عشرات الألوف من الأبرياء نتيجة
ذلك, ورغم ذلك كله وقف السيد البغدادي معه لعلمه بحسن نيته,
وسلامة قلبه, بالإضافة إلى رفعه شعار العداء للمحتل الأمريكي,
وبذات الوقت لم يبخل السيد البغدادي بالنصح له ولتياره منذ بدء
توليه لقيادة التيار وحتى يومنا هذا([5])
ـــ على الرغم من أن هذا التصرف لم يعرف من سيرة السيد أحمد
الحسني البغدادي مع المراجع أو طلبة العلوم الدينية فهو العنيد
والشديد ضد هؤلاء لتيقنه بانحرافاتهم الأخلاقية, وارتباطاتهم
المشبوهة مع الدوائر غير الإسلامية ـــ ولكن السيد مقتدى لم
يبال بكل تلك النصائح, ولم تشفع للسيد البغدادي كل المواقف,
التي وقفها بجانب التيار المجاهد, نتيجة لوجود المشايخ
المحيطين بالسيد مقتدى, والذين لهم ارتباطاتهم الخاصة سواء مع
الأمريكان, أو مع الإيرانيين.
هذه المشكلة لم تواجه الشهيدين الصدرين, فالأول كان في مواجهة
النظام مباشرة بعد أن تهيأت له الظروف المساعدة من التحاق أغلب
شباب الأمة المتدين بركبه لعدم وجود منافس يطرح رأياً مشابهاً,
أو أقل حدة كي يتوزع أولئك الشباب بينهم, كما هو حاصل اليوم مع
السيد البغدادي, مضافاً لذلك لم يكن للشهيد الصدر الأول أعداء
سوى
«رجال»
المؤسسة الحوزوية التقليدية والنظام الطاغوتي, وحاولت إيران أن
تتدخل لتساعد في نهضته فأدى تدخلها إلى التعجيل بقتله, أما
الشهيد الصدر الثاني فقد انفرد بالساحة العراقية بعدما خدع
النظام الحاكم بإعادته لإحياء فريضة صلاة الجمعة, التي كانت
المنبر والوسيلة الإعلامية الفاعلة الرئيسية في ذلك الوقت
لتهيئة الشباب تحت مرجعية ناطقة ثورية واحدة, لذا اتفق على
قتله كل من نافسهم سواء في السلطة الحاكمة, أو المؤسسة
الحوزوية أو ((غيرهم)), فكلا الشهيدين لم يتعرضا لمشكلة ممن
يتكلم من داخل العراق من المؤسسة الدينية, أو غير ذلك ضد
النظام, فالتفاف الأمة حولهما نتيجة طبيعية لذلك لعدم وجود
المنافس لهما سواء كان هذا المنافس حقيقي, وصادق أو مصنع, أو
غير ذلك, على العكس من السيد البغدادي, الذي وجد نفسه محاطاً
بعشرات المتصدين والمتصيدين المبرزين من المؤسسة الدينية,
الذين يحملون حلول تصب نتائجها في صالح المحتل, أو يقدمون
أنصاف حلول فيربكون الساحة بآراء مخلوطة من هنا وهناك وتراهم
مذبذبين في القرارات يمينا ويسارا, والتي أجهدت الأمة وزعزعت
قراراتها ونتج عنها كوارث غير محمودة, كما رأينا على أكثر من
مستوى, لذا ترى أراء السيد البغدادي وكأنها تنزل من عالم
ثانٍ ليس له علاقة بهذا العالم لوجود أولئك المبرزين المتصدين
والمتصيدين المدعومين إقليميا ودولياً, والمسيطرين على ثقافة
الأمة التي أفقدوا هويتها الإسلامية الحقيقية.
رابعاً: تميز السيد أحمد الحسني البغدادي عن
الشهيدين الصدرين بمناوراته الجريئة مع النظام, البعثي وغير
الصدامية, فهو لديه أكثر من مجال يتلاعب معهم حول مختلف
القضايا, كما يتبين لنا ذلك من كتاب: (( السلطة والمؤسسة
الدينية الشيعية في العراق)) الموجود على موقعه الرسمي
www.alsaed-albaghdadi.com,
إلى أن وصل بالسلطة الحاكمة اليقين بضلوعه بالعمل العسكري,
فأصدرت مذكرة إعدامه مما جعله يخرج مهاجراً خارج الوطن, ليبدأ
رحلته الجهادية من هناك كاشفاً زيف كل المتآمرين على الوطن من
الأحزاب والشخصيات والمرجعيات بالإضافة إلى كشف مخططات العدو
الصهيو ـ أمريكي ضد العراق والمنطقة برمتها, هذه الهجرة منحته
الحرية بالحركة على عدة جهات بعيداً عن تسلط النظام البعثي,
لكن عندما قرر العدو الصهيوـ أمريكي الهجوم على العراق ((تناسى
)) السيد أحمد الحسني البغدادي النظام الطاغوتي وصرح وأفتى
بمقاتلة العدو الكافر, الذي قرر غزو العراق واحتلاله, وظل يعمل
ضد العدو المحتل الكافر, ومدافعاً عن مبدأه الذي تبناه إلى
يومنا هذا, على الرغم من الصعوبات كلها التي واجهها نتيجة
قراره
ذلك, وأخطرها وقوفه بمنهج واحد غير متذبذب من الاحتلال, وممن
عاونه, أو أشترك معه, وإن كان من المقربين إليه فيما مضى, كما
حصل عندما ترك المؤتمر التأسيسي العراقي حينما لم يقروا بتشكيل
جناح عسكري, بالإضافة إلى تيقنه من اختراق هذا المؤتمر من قبل
إحدى الدول المجاورة([6]),
ومواقفه هذه ليست ناتجة عن رغبة عنده في مخالفة عامة المتصدين,
وإنما لما استند إليه من الشرع الحنيف, الذي لا تبديل فيه لحكم
الله, وقد أدت مجمل هذه المواقف إلى مداهمة منزله من قبل
استخبارات النجف المشرف عليها المجلس الأعلى في مساء
27/12/2005 م, المرتبط بقوات الاحتلال, وكان سبب تلك المداهمة
على بيته ومكتبه هو موقفه الرافض لمسرحية الانتخابات الأولى
والثانية([7]).
والجدير بالذكر هنا أن الدستور, الذي أقروه أكدوا فيه على
تحقيق الحصانة للمرجعية الدينية في النجف الأشرف, ولكن هذه
الحصانة تطبق فقط على من يؤيدون المشروع الأمريكي, ممن جاءوا
من خلف الحدود، ولا تطبق على أبناء جلدتهم؟!
وبعد تأييده لمقاتلة المحتلين ووقوفه مع المجاهدين في معارك
الفلوجة والرمادي وبغداد والنجف, أخذ يفند بقوة الحجة والدليل
كل الدعايات والحملات المشبوهة والمغرضة, التي تحاول تمزيق
المجاهدين وعزلهم عن بعضهم, أو تشويه صورتهم بين أوساط الأمة,
فلولاه لكانت التهمة التي أثارها المحتل بان
«مراجع
(الشيعة»
معه ويؤيدونه باقية راسخة في ذهنية المجتمع العربي والإسلامي,
بالإضافة إلى المجتمع الدولي, ولكانت وصمة العار تلاحق هذه
الفئة من الشعب العراقي وامتدادها في العالم الإسلامي على طول
التأريخ, هذا فضلا عن القتال الذي تكفل به أنصار التيار
الصدري, والذي كانت أغلب قواعده تمتثل لفتاواه الجهادية
والاستشهادية مما ثبت أن رفض المحتل ليس كما أراد أن يظهره
الأعلام المرتبط بالدوائر الصهيو- أمريكي بأنه في المناطق
«السنية»
من العراق فقط, هذه الفقرة وإن كانت غير محببة لبعض المتعصبين
من دول الخليج, ومن لف في دائرة التعصب المقيت من العرب
وغيرهم, والتي لم تكن تفرحهم, كما هي لم تكن تسر المحتل الكافر
في توحيد مواقف المجاهدين ضد عدو كافر واحد مشترك, حيث حاول
العدو تمزيق هذه الوحدة, وقد نجح لبعض الوقت بما يمتلكه من
القوى المادية والإعلامية, والتي أثر بها على بعض الجهلة من
الأحزاب, والذين لهم ارتباطات إقليمية, أو دولية, أو نظرة ضيقة
للأمور من زوايا مذهبية, أو عرقية, أو حزبية, فأثرى نار الفتنة
فيما بينهم, وهنا جاء دور العالم الرباني, الذي يسمو فوق كل
التخرصات والأباطيل, ولا ينظر إلا لمرضاة الله, فيصف ان كل هذه
الفتن منشؤها وموردها من المحتل, ويؤكد ذلك بالدليل تلو
الدليل, والحجة بعد الحجة رغم كل التضييق الذي يجري عليه لعدم
إيصال صوته, كما حصل في لقائه الانفرادي مع فيصل القاسم في
برنامج الاتجاه المعاكس, والذي أحجب ولم يعرض نهائياً([8])
أو في قناة البغدادية التي عملت معه أكثر من لقاء, ولم
تنشرها خوفاً من الحقائق التي يذكرها بصراحته وجرأته المعهودة,
والأمثلة على ذلك تطول.
لقد رفع السيد البغدادي شعار وحدة المقاومة الإسلامية
والوطنية من أجل تحرير العراق من المحتل الكافر, وأخذ ينشر
ويؤكد هذا المبدأ بين أرجاء الدول الإسلامية كافة, وقد دعا
لهذا منذ أول مؤتمر أقيم في بغداد في جامع أم القرى, وما لحقه
من مؤتمرات وندوات سواء داخل العراق أو خارجه, فتراه يدافع عن
التشيع في المؤتمر القومي في الجزائر بعدما وجد هناك الرأي
العام الجزائري حانقاً على (الشيعة) وعلمائهم, وبين هناك الفرق
بين الشيعة والتشيع, وأكد أن التشيع ضد الاحتلال, وضد الكفر في
كل مكان, ومعتنقيه يحاربون المحتلين في العراق جنبا إلى جنب مع
أخوانهم في الرمادي وتكريت, كما يقاتل أبناء الرمادي وتكريت في
البصرة والنجف, وكان هذا ديدنه في التعريف بحقيقة وحدة قضية
المجاهدين والمقاومين في أرض الأنبياء والأوصياء, لذا حاول كل
من ارتبط بمخططات المحتل بصورة مباشرة أو غير مباشرة حجب صوته
وصرخاته المدوية في السماء وعلى أرض الحقيقة, هذا الابتلاء لم
يتعرض له الشهيدين الصدرين لمحدودية النظام الذي يواجهانه,
ومحدودية القضايا المتعلقة به, ولعدم وجود هذا الكم الهائل من
القضايا المنهكة للأمة, التي أوجدها المحتل وزرعها بين ثنايا
الأمة, فكان من الواجب تقويضها والعمل عليها, كما هي الحال مع
القضايا التي ظهرت على الساحة العراقية والإسلامية على وجه
الخصوص, والتي بادر السيد البغدادي إلى الوقوف ضدها بروح أبوية
شجاعة, محافظاً على مبادئه ومعتقداته, ومشتركاً مع الآخرين
بالنقاط التي ينعقد عليها اللقاء دون المساس بالثوابت
الإسلامية والوحدة الوطنية.
خامساً:
عدم وجود الطائفية في زمن الشهيدين الصدرين على الساحة
العراقية, بل على العكس كان هناك تلاحم واشتراك متبادل في
المظلومية, وإن كانت المظلومية على أهالي الجنوب أكثر شدة,
ولكنها على العموم طالت العراق كله, أما في زمن الاحتلال فإن
بوادر الطائفية ظهرت في العراق بشكل واضح في الإعلام الصهيوـــ
الأمريكي بدايةً وبعهدها أخذت هذه الظاهرة تنتشر مثل النار في
الهشيم في الإعلام العربي والمحلي, وأسست فضائيات من أجل ذلك
لتغذية هذه التخرصات والدعايات المسمومة, التي أنضجت الروح
الطائفية بين الأخوة في البيت الواحد, لكن إرادة الله شاءت أن
توجد بين ظهرانينا رجل رشيد يحتكم إلى القرآن في كل تحركاته
وأفعاله وأقواله, ويفضح كل أكاذيبهم وخدعهم وحيلهم, التي
حاولوا تمريرها على أبناء العراق والمنطقة, فتلبست هذه
الأكاذيب في الشارع العراقي بثوب القادمين والعاملين مع
المحتل, فتأثر بها البعض في الشارع العراقي ولفترة ليست
بالطويلة, وتخلص منها ومن أثارها إلى غير رجعة, لكن المتابع
الدقيق للأحداث يرى أن هذه الدعايات والأكاذيب قد آمن وعمل بها
القسم الأعظم من نخب المجتمع العربي والإسلامي, ففي الإعلام
حدث ولا حرج فكل متابع يرى ذلك بوضوح من دون أدنى تشويش, وفي
الدول العربية سواء الخليجية منها أم الأردن أم مصر وغيرها,
وهذا واضح للمتشيع العامل في إطار محاربة المحتل في المنطقة
العربية, وكذلك الحال للجمعيات والمؤسسات والجامعات والمعاهد,
مما جرَّ هذا الأمر إلى الشارع العربي بصورة تلقائية, ومن دون
تدبر في الموضوع اعتماداً على الأسس, التي ألغمته وفجرته دوائر
المشروع الصهيوــ أمريكي في المنطقة.
لذا كان لزاماً على السيد أحمد الحسني البغدادي أن يدخل
هذه المعركة إضطراراً من باب الواجب الشرعي, الذي يحتم عليه
توحيد صفوف الأمة وعدم شرخها, كما فعل جده الإمام أمير
المؤمنين علي
j
حينما سكت عن حقه في زمن الخلافة رعاية
لوحدة الأمة الإسلامية, وتثبيتاً لأركان الدولة الفتية من
أعدائها التقليديين في تلك الفترة من الروم والفرس.
لذا بدأ السيد البغدادي يقتنص كل شاردة وواردة للمحتل
وأعوانه في محاولاتهم المتكررة لتفتيت الجهد المقاوم لأبناء
الأمة, وعمل على نشر ثقافة المصير المشترك لأبناء الوطن
الواحد بصورة خاصة, ومنطقة الشرق الأوسط بصورة عامة, فتحدث
في حديث ( صوت وصورة) جرى مع الوفد الشعبي الإسلامي لمدينة
الصدر المنورة,وذلك بتاريخ 13 / 9 / 2003م. نشر هذا الحديث في
موسوعته الإسلامية: ((هكذا تكلم السيد احمد الحسني البغدادي))
الجزء الأول والموجودة على موقعه الرسمي.
بعد البسملة والسلام ابتدأ قائلاً:
((المطلوب من شعبي وأهلي رص الصفوف، وتجذير الائتلاف الجبهوي
بين المذاهب والأطياف المختلفة، وعدم الدخول في المساجلات
الكلامية، أو المزايدات السوقية، أو الصراعات الاثنية والعرقية
بين هذا الرمز، أو ذلك المرجع .. أو بين هذا الطيف، أو ذلك
المذهب .. سواء كانوا هؤلاء وهؤلاء من المسلمين (سنة وشيعة) أم
من اليساريين أو اليمينيين (قوميين أو ماركسيين) .. يحتم عليهم
الواجب الشرعي الوطني أن يتحدوا ويرصوا صفوفهم في طرد الغزاة
الطامعين الأميركيين منهم والبريطانيين)).
لاحظ عزيزي القارئ تأريخ وتوقيت الحديث, والتأكيد منه على
حدث لم يقع بعد, وإنما استشرافه للمستقبل يوجب عليه التأكيد
على أبناء الأمة بأن لا ينزلقوا في متاهات تعد لهم في الدوائر
الاستخباراتية للمحتل وأعوانه.
بعد ذلك أنتقل السيد البغدادي ليخاطب النخب العراقية, التي
جاءت إلى قاعة فندق بابل للمشاركة بالجلسة الثانية للمؤتمر
التأسيسي العراقي الوطني بتاريخ 8/ 5/ 2004 م، وكان رئيساً
للمؤتمر في جلسته الثانية.. وعضوية كل من: الشيخ محمد الالوسي،
و د. عبد الكريم هاني, والسيد سلمان عبد الله, مؤكداً على
الوحدة التي يجب أن يتصف بها كل العاملين من أجل خلاص العراق
من المحتل, وقبل أن تظهر بوادر الطائفية في الشارع العراقي,
حيث تكلم في هذا الصدد قائلا : ((.. ومن مصلحة الوطن العليا أن
يكون هذا اللقاء العربي والكردي والتركماني والآشوري والآرمني
والإسلامي والمسيحي تحت مظلة الجبهة الوطنية العراقية كقوة
واحدة، وموقفا واحدا، وساعدا واحدا، وصفا واحدا كالبنيان
المرصوص في وجه التحديات الأميركية والصهيونية سواء بسواء))
([9]).
المصدر : نعم لـ ((التوراة)) لا للقرآن .. العراق نموذجا ، علي
نذير القرشي، ص: 399، ط :2009م .
([2])
أنظر الشهيد الصدر,سنوات المحنة وأيام الحصار, عرض
لسيرته الذاتية ومسيرته السياسية والجهادية, ص248,
المطبعة العلمية, قم, ط1 ,1417هـ.
([3])
أنظر الحديث التاسع والثلاثون في حديث خاص لوكالة
الانباء الاسلامية العراقية بتاريخ 24تشرين الأول
2008م, وما بعده.
([4])
راجع كتاب جهاد السيد البغدادي في الموقع الرسمي
www.alsaed-albaghdadi.com
([5])
قصة طرقت الى سمعي بالصدفة((حيث سمعت من أحد الأشخاص
عندما كنت في زيارة لمكتب حزب الدعوة في الكوفة بعد
معركة النجف قوله: كنا في إحدى الأيام نسبح في شط
الفرات وكان السيد أحمد الحسني البغدادي بصحبتنا, وكان
ذلك في صيف عام 1981م, (حيث تعود العلماء والمراجع أن
يأتوا هناك في بيتنا الذي هو على ضفاف نهر الفرات),
وكان يتمشى بالقرب من بيتنا رجل يلبس العمامة السوداء
ويدخن (البايب), فيقول هذا الشخص المتكلم: كنت حين ذاك
عمري سبعة عشر سنة حيث سئلت السيد البغدادي عن هذا
الشخص الذي يمشي وحيداً ويدخن بهذه الطريقة غير
المألوفة في تلك الفترة؟ فأجابني السيد أحمد الحسني
البغدادي قائلاً: هذا سيكون زعيم الطائفة الإمامية!
وسكت السيد, ولم يقل لي من هو, وبعدما تحريت عنه عرفت
أنه علي السيستاني, فتعجبت من جواب السيد حينذاك كل
العجب, ولكن بعد وفاة الخوئي بُرِّزَ السيد السيستاني
لقيادة مرجعية المؤسسة الدينية. بعدما سكت هذا الشخص
المتكلم ذو اللهجة الريفية الصادقة سألت عنه أحد
الجالسين بجنبي من يكون هذا المتكلم فقال لي يدعى عبد
عزيز الماضي وهو من سكنت ضفاف نهر الفرات ولهم مزارع
وبيوت هناك .))
تعليق الناشر : ((الأخ المجاهد عبد العزيز الماضي
المواشي عضو قيادي في حركة الإسلاميين الأحرار, وقد
أنطلق سماحة الأخ المرجع القائد(هارباً) من منزله
ونقله في سيارته الخاصة الى بغداد, وكان برفقته
الأستاذ جهاد أبو صيبع, وذلك في صبيحة الثالث والعشرين
من إذار العام 1998م-1418 هـ يوم هجوم الأمن الخاص
(الذي يشرف عليه قصي النجل الأصغر لصدام حسين)على
منزله ومكتبه.)) أنظر بتوسع الموسوعة الإسلامية
الكبرى: (هكذا تكلم أحمد الحسني البغدادي المقاومة
مستمرة والاحتلال الى زوال وشعبنا لن يموت) ج:3,ط
بيروت 2007م.
([6])
راجع كتابات كاظم حسن عبد الرحمن حول ذلك المنشورة على
موقع الكادر و/ أنظر أحمد الحسني البغداي, تأصيل معرفي
بين الثورية واللاثورية,4/422 ومابعدها.
([7])
أنظر
المقابلة الثالثة عشر مع صحيفة الشاهد المستقل بتأريخ
17 كانون الثاني 2006م, في موقعه الرسمي في زاوية
مقابلات.
([8]).
المقابلة الأربعون مع قناة الجزيرة القطرية في برنامج
الاتجاه المعاكس في دمشق بتاريخ 12/ايار 2006م .نشرت
نص المقابلة في كتابه هكذا تكلم احمد الحسني البغدادي
الجزء 3, ص108 والموجودة على موقعه
www.alsaed-albghdadi.com.
([9])
الحديث االثامن
في
موسوعة
هكذا تكلم احمد لحسني البغدادي الجزء الأول والموجود
على موقعه
www.alsaed-albghdadi.com.
|