أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف مقالات نقدية ..ورسائل تقيمية
 

الظلم واليسار الإسلامي

 

المفكر الاسلامي حسن حنفي

 

يبرز اليسار الإسلامي المفاهيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في القرآن الكريم كرد فعل علي تركيز اليمين الإسلامي علي الشعائر الصورية والعقائد الإيمانية الشيئية. والغاية إعادة توجيه المسلمين نحو العالم بعد أن فقدوا السيطرة عليه لصالح الأمم الأخري الذين استعبدتهم واحتلتهم ونهبت ثرواتهم.

ومن ذلك مفهوم "الظلم" في القرآن الكريم. وهو مفهوم رئيسي أهم من العدل . فقد ذكر مائتين وتسع وثمانين مرة في حين ذكر "العدل" ثمانية وعشرين مرة أي حوالي عشرة أضعاف. فمن يحارب الظلم يحقق العدل. ودرء المفاسد مقدم علي جلب المصالح في القواعد الفقهية القديمة.

ومعظم استعمالات اللفظ أفعال وصفات وليست أسماء. فالظلم فعل بشري، وسلوك إنساني، وليس جوهرا ثابتا. فلم يذكر الظلم كاسم إلا عشرين مرة والأفعال والصفات حوالي خمسة عشر ضعفا من الاسم. والظالمون هم الناس والبشر. وهي الصفة الأكثر استعمالا حوالي نصف الاستعمالات. ولم يذكر المبني للمجهول "مظلوم" إلا مرة واحدة لأنه لا أحد يقبل أن يكون مظلوما، في الحياة أو في الممات. والمظلوم هو المقتول، (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا). والإنسان ظلوم، (إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ). وحمل الرسالة والأمانة لتحقيق كلمة الله علي الأرض، كلمة العدل والصدق لأنه ظلوم جهول، (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا).

والظلم اشتقاقا من نفس الكلمة التي تعني الظلام. فالظلم ظلام، والظلام ظلم للناس. وهو ما يحدث من انقطاع التيار الكهربائي في غزة. وظلمة القلب أشد لأنها تمنع من الرؤية.

ومن مظاهر الظلم عبادة غير الله، (يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ)، أي عبادة الأهواء والمصالح والقوة والثروة بلا قانون. فالله نموذج العمل الصالح ومعيار الفضيلة. ومن مظاهره تبديل قول الله وآياته، (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَي عَلَي اللَّهِ كَذِبًا)، أي تبديل الحق باطلا والباطل حقا كما تفعل أمريكا في العراق وأفغانستان، وكما تفعل إسرائيل في فلسطين، وكتم الشهادة ظلم كما تفعل أوروبا بالنسبة لحقوق الفلسطينيين والعدوان الإسرائيلي، (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ).

والظلم أنواع. أولها ظلم النفس وهو الأكثر استعمالا، (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ). فالظلم ظلم للنفس قبل أن يكون ظلما للناس. هو تخلي الإنسان عن قيمه ومبادئه ومثله وفضائله ومنها العدل. ظلم النفس يحول الإنسان إلي ظالم لنفسه ولغيره. وهو ليس من الله. فالله لا يظلم أحدا. لذلك يُستعمل في حقه صيغ المبالغة، (وَمَا رَبُّكُ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ)، (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ)، (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ). الله هو المقسط، والقائم بالقسط، وهو من صفاته. والله لا يخاطب الظالمين، (وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا)، لأن الظلم كفر به. وإنكار لشريعته، والتحول من الإنسانية إلي الحيوانية. والظلم للناس بعد الظلم للنفس، (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَي الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ)، الظلم في المجتمع وفي العالم، ضد الأفراد والجماعات والطبيعة، في الاستغلال والاحتكار وتلوث البيئة.

ومن مظاهر الظلم الجشع في الدنيا والطبع والرغبة في الاستيلاء علي كل شيء وحرمان الآخرين، (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَي نِعَاجِهِ)، وضم نعجة الآخر إلي التسع وتسعين نعجة التي له. فرأس المال لا سقف له، وزيادة الثروة لا حدود لها، وتراكمها بلا نهاية. والظلم فتنة وشقاق وخلاف واتباع للأهواء كما يحدث الآن في لبنان بين الموالاة والمعارضة، وفي فلسطين بين فتح وحماس لأنه تغليب للمصلحة الخاصة علي المصلحة العامة، وللسلطة علي الوطن، وللرئاسة علي التجرد، وللدنيا علي الآخرة. والربا من مظاهر الظلم وجميع أنواع الربح غير المشروع، (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ). فالربا استغلال لحاجات الناس، وتوليد المال للمال بلا جهد، وأكل أموال الناس بالباطل ظلم، (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَي ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا). وهو حوب كبير.

واليهود نموذج الشعب الظالم لنفسه ولغيره. لذلك حرم الله عليهم ما سألوا عنه، (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ). طالما أغار علي باقي القبائل السامية واستولي علي أراضيها وثرواتها كما فعلوا مع الكنعانيين. والظالمون لا أنصار لهم علي عكس ما يحدث الآن من مناصرة الولايات المتحدة لإسرائيل وتأييدها العدوان والاحتلال بدعوي الدفاع عن النفس، (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ). والظالمون بعضهم أولياء بعض كما هو الحال في تأييد أمريكا لإسرائيل. فأمريكا ظالمة لشعوب العالم احتلالا وغزوا أو نهبا للثروات، (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ). لذلك قامت الشريعة علي العدل. وتعديها ظلم، (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)، للتخفيف من ظلم البشر بعضهم لبعض وإيجاد ميزان عدل يحكم بينهم.

والظلم يمكن محو آثاره بالتوبة والاستغفار لأنه فعل طارئ علي الإنسان. فالإنسان خيّر بطبعه، والعدل ضمن الخير، (إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ). وشرط ذلك تغيير الظلم إلي عدل، بالرجوع عن الظلم، وإرجاع الحق إلي المظلوم، وذلك يتطلب يقظة الضمير وسماع صوت الحق. فإن لم تتم التوبة والاستغفار عن الظلم، وظل الظلم علي غيّه وانتهي العمر وأتي وقت الحساب فإنه ينال جزاءه من العذاب، ولا يمكن أن يفتدي نفسه حتي ولو جاء بمثل هذه الأرض ذهبا. ويوم الحساب يقوم علي العدل المطلق، (وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَي وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً)، (ثُمَّ تُوَفَّي كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ).

والظلم إيذان بخراب العمران كما لاحظ ابن خلدون من قبل الظلم ضعف والقوة للعدل. الظلم ريح عاتية تهب علي الناس ولا تبقي، (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا). لا يبقي الظالمون ويهلكون ، (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا)، (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا). تهلك الشعوب والأقوام بالظلم، (وَتِلْكَ الْقُرَي أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا). هذا هو قانون التاريخ. تندثر الأمم بالظلم. وتبقي بالعدل. والظلم مهما طال ينقلب علي الظالمين، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ). لم يبق شعب ظالم. وانتهي فرعون وقومه، (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ). والظلم لا يخيف. ويمكن مواجهته، (إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي). فالإنسان ظلوم وكلنه خليفة الله في الأرض. يحقق كلمته، ويطبق شريعته.

وتكون المواجهة بالقول والفعل، بالجهر وبالجهاد، (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ)، والساكت عن الحق شيطان أخرس. وأذن بالقتال للذين ظلموا، (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَي نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ). والهجرة المؤقتة من ديار الظالمين من أجل العودة إليها. فلا هجرة بعد الفتح، (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)، (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا). حينئذ يكون الظلم شاملا فتنهار الدول. ولا يجد الظالم من يظلمه إذا غادره الناس، وقاطعوه، وأداروا له ظهورهم.

العدل أساس العمران، والظلم خراب.

 

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2008
©