أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف
 

قراءة في منهجية التفجيرات في العراق

 د. نسرين مراد

توحّدت الفئات المعارضة والموالية للعملية السياسية في العراق، على تحميل المسؤولية للسلطة العراقية بشأن التفجيرات التي أودت بحياة العشرات من الأبرياء. وفعلاً، تتحمل الحكومة الرابعة منذ بدء الاحتلال جل المسؤولية.

أكثر من مليون عنصر أمني موزعين على الجيش والشرطة والأمن السري، غير قادرين على ضبط الأمن، كما أن جهاز الأمن غير قادر على تحديد هوية أي من المخططين والمنفّذين. تكتفي السلطة بتكرار تهمة تحميل المسؤولية لأجهزة استخبارات الدول المجاورة وبقايا النظام السابق والتكفيريين. تلك محاولة مستمرة لتصدير الأزمة للخارج.


حقيقةً، الكل مسؤول بدرجة معينة عن حصول مثل هذه الأعمال الإرهابية. الحكومة بالذات تتحمل القسط الأكبر من المسؤولية، بالإضافة إلى أجهزتها الأمنية المخترَقة من قبل الميليشيات، وهنالك استمرار في الإخفاق في تحقيق أي تقدم ملموس في مجال المصالحة الوطنية الحقيقية. باتت المصالحة شكلية ومحصورة بلقاءات على مستويات عليا من القيادات، والتي هي حقيقةً أبعد ما تكون عن روح المصالحة.
الطائفيون والمذهبيون والعنصريون لا دين لهم، ولا ضمير وطنيا أو إنسانيا ناضجا يجعلهم ينظرون إلى أبعد من أنوفهم. ذلك حتى لو أن البلاد تغرق في حمّام دم متواصل منذ سنين، وقد يستمر إلى إشعار آخر.

الاحتلال الأجنبي عموماً والأميركي خصوصاً، هو أساس البلاء. قسّم الاحتلال الوطن الواحد إلى ديمغرافيات متصارعة فيما بينها، تؤدي إلى سهولة العبث بمستقبل شعوب المنطقة ومصائرها.

الأحزاب السياسية الكردية في شمال العراق تعلن صراحة عن كرهها للبقاء في عراق واحد. الأحزاب الإسلامية السنية والشيعية، لا تنفك تتصرف تجاه بعضها البعض كما لو كانت الأوطان والمواطنون شيئاً ثانوياً. من جانبه فالاحتلال يدعم ذلك سياسياً وعسكرياً ومادياً. ذلك ما يخلق فراغات واسعة في الصف الوطني والجبهة الداخلية، يمكن لمجموعات إرهابية الدخول منها على الأمن الوطني العراقي.

طبيعة التفجيرات من حيث القوة والتوقيت والتكتيك والتنفيذ، تثير كافة التساؤلات التي في النهاية تصب في مجرى تحميل الحكم المسؤولية. الدوائر التي استُهدفت قبل حوالي الشهرين في ما بات يُعرف بالأحد الدامي، هي نفسها تقريباً المستهدفة في أماكن تواجدها الجديدة المؤقتة، في ما سيُعرف بالثلاثاء الدامي أو الأسود.


هذا بالرغم من تواجد عشرات نقاط السيطرة ونقاط التفتيش الأمنية حول الأمكنة المستهدفة. الشعور الحقيقي بالضعف أمام الهجمات الإرهابية المسلحة، قد يؤدي بفريق من السلطة إلى اللجوء إلى هكذا أعمال، في محاولة يائسة لإطالة أمد بقاء قوات الاحتلال في العراق. تبقى الأمور تجري هكذا، بحيث يُتوقع حصول المزيد من الأعمال الإرهابية في أي مكان وزمان. لا مكان ولا زمان في المستقبل معصومان من أنشطة هذه المجموعات.
هذه هي الحكومة رقم 4 بعد الاحتلال، والتي كسابقاتها لم تحقق الحد الأدنى من الأمن والأمان والاستقرار للمواطن العادي. البلاد في حالة شبه شلل تام، والناس تطمح للخلاص من الأوضاع بأية طريقة أو وسيلة ممكنة. استعانت الحكومات السابقة والحالية بقوات الاحتلال متعددة الجنسيات. هلكت مدن وبلدات وضواحي مدن وقرى، في محاولة تركيع الشعب العراقي في المناطق المستهدَفة.

ثم وُجّهت أصابع الاتهام حتى من قبل بعض أركان العملية السياسية، للاحتلال وشركاته الأمنية. خرج الاحتلال من المدن الرئيسية مبقياً تواجداً ثانوياً لمساعدة القوات الحكومية؛ إذا ما استدعى الأمر ذلك! أضحت الحكومة الحالية أكثر استقلالية، ولو من الناحية الشكلية. ثم غرقت السلطة في أتون منازعات جانبية بين الأفراد والجماعات والأحزاب، مما جعل البعض يتربص بالآخر السوء، سياسياً وأمنياً، بدوافع وحوافز مذهبية وعنصرية عرقية.

القوات الأميركية على وشك الرحيل النهائي عن أرض العراق، بسبب الهزائم النفسية والمعنوية والأخلاقية والسياسية والعسكرية المتلاحقة التي مُنيت بها. هنا مقاومة الشعب العراقي للاحتلال لا تقتصر على منطقة واحدة بعينها.

تمتد المقاومة من أقصى نقطة في جنوب العراق إلى أقصى نقطة في شماله. هذه حقيقة تسعى قوى الاحتلال ومن معها لإخفائها بكل الوسائل، وفي مقدمتها الوسائل الإعلامية.

الكل ممتعض من استمرار تواجد الاحتلال في العراق وبطرق مختلفة. طرق المقاومة تشمل الكلمة والفعل وأعمال الاستنكار والاحتجاج والطرق المسلحة.

بعد تتابع الأحداث العنيفة الإرهابية، تعالت الأصوات والصيحات التي تطالب الحكومة بالتخلي عن السلطة لمن هم أكثر كفاءة وقدرة على تحمّل المسؤولية وإدارة شؤون البلاد. انطلقت هذه الأصوات من عراقيي المهجر والداخل. ارتفعت حتى من تحت قبة مجلس النواب العراقي، بعد وصول الدم العراقي منسوباً بات يهدد وجود هؤلاء النواب في المنطقة الخضراء شديدة التحصين أمنياً. بمعنى آخر، بات اليوم الذي قد يدخل فيه العراقيون، الرافضون للاحتلال والعملية السياسية المريضة، إلى المنطقة الخضراء وشيكاً.

على القيادات السياسية العراقية أن تعود إلى رشدها وتحكّم ضمائرها فيما جرى ويجري للعراق. المجتمع العراقي اليوم مشتت مفتت ممزق، أكثر من أي وقت مضى في تاريخ العراق القديم والمتوسط والحديث.


لا يمكن لشخص قيادي أن يستمر في تبوّؤ منصب حساس في الحكم، وله ولاء مزدوج أو متعدد على حساب العراق وأهله. ولاء لجهة داخلية حزبية ضيقة مدعومة من الخارج الإقليمي أو الدولي. في الصحوة يقول المثل الشعبي العام «أن تصحو متأخراً خير من أن لا تصحو على الإطلاق».

 

المصدر : دار بابل للدراسات والاعلام

 

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2008
©