|
ازدهار تجارةخطف وتهريب العراقيات إلى الخارج في
ظل الاحتلال
لو كان الفقر رجلاً لاستحق القتل لكنه مع الأسف امرأة يحاصرها
سوء المصير ، فتتحول إلى سلعة تباع وتشترى في سوق متعطش للحم
الأبيض ،هذا ما يحدث لمئات الشابات العراقيات حيث يقدن
بالترغيب والترهيب إلى مافيا صناعة الدعارة المزدهرة في
الإمارات والأردن واليمن، أنهن وجه محنة إنسانية موجعه تشهد
عليها نقاط الحدود والليل المراوغ وبحار الدموع الغريقة في
العيون، فمن ينقذ سبايا القرن الواحد والعشرين ويمزق عار الأسر
المزلزل وثقافة الكسب بصدور وسيقان النساء الخائفات والاستمتاع
الجارح الرخيص .
أن الطريقة الأسهل للاتجار بالنساء هي أن تذهب إلى مكان تسوده
الحروب والاضطرابات والعنف وازدياد البطالة والفقر .. وتقول
ببساطة لدي عرض عمل ، وعندما تقول انك لا تملك المال يجيبونك :
لا تقلق يمكنك أن تدفع هناك بعد أن تعمل وتدفع لاحقاً ..
فتاة عراقية حسناء كانت تعمل موظفة في استعلامات احد الفنادق
الضخمة.. تعرفت على مذيع في إحدى القنوات العربية كان يرافق
مسئولا عربياً من الجامعة العربية .. تحدثت أمامه كثيراً عن
عشقها لدبي وأنها تتمنى زيارة الأمارات، وبلغة الواثق رد كبير
المذيعين اعتبري هذا الموضوع سهلاً جداً .. وبعد عودته استطاع
الحصول على تأشيره لها .. بل وابلغها أنها ستكون ضيفته في شقته
التي يملكها بمدينة الشارقة.. عند وصولها إلى دبي استقبلها في
المطار واتى بها إلى شقته .. فعندما دخلتها أدركت أن الشقة
ليست معدة للنوم فقط بل شيئا أخر.. نساء ورجال في لحظات مجون
وخلاعة وإشكال مختلفة من التهتك والإثارة.. حاولت الخروج من
هذا المشهد المقيت لكن القدر لم يهملها فقد اصطحبها الرجل إلى
غرفة صامته وبدأ يغازلها ويعبث بها وقبل أن تستفيق كان قد
اغتصبها ، واستدعى اثنين من أصدقائه للإجهاز عليها وتحويلها
إلى مموس في ليلة واحدة .. كانت هذه اعترافات الفتاة العراقية
أمام شرطة الشارقة بعد إلقاء القبض عليها مع بعض الفتيات..
وتوجيه تهمة الدعارة لها ..
لا احد يعلم كم وعدد الفتيات اللواتي تم الاتجار بهن منذ نهاية
الحرب ولحد ألان .. وتقدر إحدى منظمات النساء التي تعنى بحرية
المرأة وحسب الروايات المنقولة أن حوالي 2000 فتاة قد فقدن منذ
نيسان 2003 .. ولكن تقرير( براين بينيت) الصحفي في مجلة تايم
الأمريكية يؤكد بان تجارة تهريب النساء لغرض الجنس أصبحت ظاهرة
تنذر بالخطر ، مشيراً إلى ظهورها خلال فترة الفوضى وانهيار
الدولة والقوانين ، أما تقرير وزراة الخارجية الأمريكية عن
تجارة التهريب الذي صدر في حزيران 2005 فقد ذكر بان المشكلة
أخذة في التصاعد وبشكل مستمر ، ويذكر التقرير أيضا معلومات
تتعلق بتهريب عدد كبير من العراقيات إلى اليمن وسوريا والأردن
ودول الخليج العربي ، لغرض استغلالهن جنسياً . وفي سجن النساء
في الكاظمية هنالك قصص عديدة لفتيات تعرضن للخطف والاعتداء
الجنسي والمتاجرة بهم كما حصل لفتاة (باهرة الحسن) تبلغ من
العمر ثمانية عشر عاما ً أعطيت اسم "أمنة" لكي تتمكن من الحديث
معناً00 تقول أمنه أنها أخذت من ملجأ الأيتام من قبل عصابة
مسلحة بعد انتهاء الحرب وتم إرسالها إلى دور للدعارة في مدن
سامراء والموصل والقائم قبل أن تعاد إلى بغداد حيث ألبست
حزاماً ناسفاً وأجبرت على ابتلاع كمية من الحبوب المخدرة قبل
دفعها إلى مهمة تفجير مكتب لأحد رجال الدين المعروفين في
الكاظمية ، إلا أنها اتجهت بدلاً من ذلك إلى مركز الشرطة حيث
سلمت نفسها ، ولكن قاضي التحقيق وضعها في السجن من اجل حمايتها
من العصابة ، حسب تصريح مدير سجن الكاظمية للنساء 0
وهناك قصة الشقيقتين ( "أسماء" 14 سنة و"شذى" 15 سنة) اللتين
تم إرسالهما إلى الإمارات العربية المتحدة قبل تمكنهما من
الآفلات من خاطفيهما ولجوئهما إلى مركز شرطة دبي ، وقد تم
إرسال الفتاتين إلى العراق ولكن القاضي أودعهما السجن حماية
لهما من الخاطفين 0
وعند سؤاليهما عن الخاطفين قالت الفتاتان00 أنهما سمعتا بان
أفراد العصابة قد تم إطلاق سراحهم مقابل رشوة ، وتقول أسماء
أنها لا تعرف كيف تتصرف فيما لو قررت إدارة السجن أطلاق سراحهم
حيث تقول أنهما ليس لهما من يمكنهما اللجوء إليه 0
وتحاول منظمات نسوية توفير مساكن سرية بسيطة للناجيات من الخطف
لغرض حمايتهن من الخاطفين الذين قد يلجئون إلى طرق خبيثة
فيبلغون عوائلهم عن أماكن أقامتهن لكي تتولى تلك العوائل مهمة
قتلهن غسلاً للعار ، ولكن البيروقراطية الحكومية تعرقل المشروع
بسبب مرور أوراق الموافقات على أربع وزارات لغرض الحصول على
المبلغ المرصد لمشروع الملجأ ، كما يتطلب الحصول على موافقة
مجلس محافظة بغداد مع كل مشروع ملجأ ، وهي عملية روتينية معقدة
تؤدي إلى تحجيم نشاط المؤسسات النسوية كما تصفها "ينار محمد"
رئيسة أحدى المنظمات النسوية0
أما حكاية الفتاة (صفاء) فقد توفي والدها بعد اختطفاها وتمكنت
جدتها من الوصول إليها وإيداعها في ملجأ في جانب الرصافة بدون
علم أفراد عائلتها حفاظا على حياتها ، وقد عاملتها الإدارة
بلطف ورعاية من قبل الممرضات الطيبات اللواتي يرتدين حجاباً
أنيقا يجذب الفتيات الصغيرات لهن ويمنحنهن الثقة بوجود من
يرعاهن 0
وقد عرضت أحدى الممرضات اللاتي يرعين "صفاء" تبنيها ولكن
الإجراءات الروتينية كانت ستستغرق وقتاً طويلاً ، على هذا
الأساس أخبرت الممرضة "صفاء" أن تشد بيدها على أسفل بطنها من
جهة اليمين وتأخذ بالصراخ والتلوي على الأرض في مكتب مدير
الملجأ متظاهرة بأنها تعاني من التهاب الزائدة الدودية من اجل
الحصول على أذن بدخول المستشفى ولكن ما أن أدخلت "صفاء"
المستشفى حتى أخرجتها الممرضة ووضعتها في سيارة كانت في
الانتظار لتنطلق بها مسرعة وفي هذه المرة تم الاختطاف على يد
الممرضة! 0
ومن جديد تعرضت الفتاة إلى دورة تعذيب في احد المنازل في منطقة
الكرادة الشرقية وصفتها بأنها كانت الأسوأ في حياتها ، ولم تشأ
"صفاء" أن تكمل الحديث معنا عن تفاصيل الفترة التي قضتها في
ذلك المنزل ، ولكن عندما سمعت بأنها ستباع من جديد إلى المدعو
(سعد )، السمسير الأول الذي يمارس الدعارة وكان يحادثها من
مدينة دبي ، تملكها اليأس ولكن الفتاة تمكنت ، وهي في داخل
سجنها من أبلاغ احد الصبية من أولاد الجيران بواقع حالها فقام
هذا بدوره بإخبار الشرطة التي اقتحمت المكان وألقت القبض على
الممرضة غير أن الروتين الحكومي شاء أن يجعل "صفاء" تقضي فترة
توقيف أمدها ستة أشهر في نفس السجن الكاظمية ومع نفس الممرضة
التي اختطفتها قبل إخراجها وإرسالها إلى الملجأ من جديد0
في ظل الاحتلال انتشرت في العراق طرق وأساليب تجارة البشر أو
تجارة الجنس ، هذه التجارة تعادل في إرباحها تجارة المخدرات
والسلاح حيث تصل إلى ملايين الدولارات سنويا وفقاً لتقديرات
منظمة العمل الدولية .. وقد حذر كبار خبراء مكافحة الجريمة في
وزارة الداخلية من تصاعد كبير في الاتجار بالنساء في العراق،
كذلك الأطفال وقالوا أن هذه المجالات أصبحت أسرع أنشطة الجريمة
المنظمة نمواً0
هي تجارة سرية ، غامضة ، تتم في الخفاء ضحاياها من الفقراء
والمحتاجين ، وأبناء الحروب والكوارث والنكبات ، وأيضا
الأثرياء وأبناء الطبقات المتوسطة وما فوقها .
وأنها تتميز بان عقوبتها غير رادعة مما يشجع التجار على
المجازفة ، وأصبحت بذلك اكبر نشاط غير قانوني لا في العراق
وحده وإنما في دول عديدة في العالم ، ويتراوح ضحاياها على
مستوى العالم ما بين 800 إلف او900 ألف شخص سنوياً ، وقد توسعت
هذه التجارة كثيراً ولم تترك بلداً واحداً أمنا منها ومنها
العراق، فقد زاد عدد الرجال والنساء والأطفال الذين يتم
استخدامهم أو تشغيلهم قسراً في الدعارة أو في استرقاقهم وبذلك
صاروا عبيد القرن الحادي والعشرين0
الاتجار في البشر نوعان: تجارة اختيارية وتجارة قسرية ،
أسبابهما متشابهة في أي مكان الفقر والاستبداد والأنظمة
القمعية والنزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية .
تجارة جعلت 27 مليون شخص يعيشون في العالم حياة العبودية ،
وهذا الرقم يساوي ضعف العدد الذي أخذ من إفريقيا خلال 350
عاماً من تجارة العبيد ، وتعادل الإرباح الناتجة عن بيع 900
ألف شخص كل سنة 15 مليار دولار ، ويمكن بيع الشخص الواحد أكثر
من مرة حتى أن هناك إحصائية تقول انه يمكن جنى 250 ألف دولار
من بيع امرأة واحدة عدة مرات .
ويستخدم هؤلاء الضحايا في أنواع متعددة من الأعمال اغلبها غير
مشروع بعد أن يتم خداعهم ببريق الحصول على المال والحياة
الرغيدة من خلال إعلانات زائفة عن العمل كمربيات (بالنسبة
للنساء اللاتي تتراوح أعمارهن ما بين 15 و18 عاماً على الأكثر)
أو في المطاعم ومراكز التجميل ، ولكنهن يفاجأن باستخدامهن في
أعمال البغاء أو في التزوير وبيع المنتجات الزائفة والمخدرات.
وفي الغالب يستحيل على الضحية الفرار من هذا المصير البائس حتى
ولو أرادت تسليم نفسها لشرطة البلد الذي وصلت أليه، فالرقابة
عليها محكمة ، وقد يكون المخرج الوحيد هو الموت ، وكثير من
النساء لقين حتفهن نتيجة لعمليات التهريب بعد تعرضهن إلى العنف
والاغتصاب والضرب والقسوة المفرطة . أصبحت هذه التجارة تندرج
تحت بند الجريمة المنظمة ، التي تجد الحكومات صعوبة في
مواجهتها ، فأصبح لها مافيا متعددة ، فهناك المافيا الفيتنامية
وهي أنشطهم ، والمافيا الروسية والتركية وغيرها ، وهناك نشاط
لكل تلك المافيا في دول شمال أفريقيا والخليج وعدد من الدول
العربية .
أما أكثر ما يثير الذعر هو أن تجارة الدعارة وخطف الفتيات دخلت
حدود العراق عن طريق الدول المجاورة التي بدأت بها هذه التجارة
خصوصا الرقيق الأبيض منذ عشرة سنوات طبقا لتقرير نشرته منظمة
العفو الدولية (امنستي) الذي يشير إلى أن عدد من يتعرضن إلى
تجارة الرقيق الأبيض في العالم أربعة ملايين امرأة ، تنال منهم
إسرائيل ثلاثة ألاف كل سنة ، تباع الواحدة منهن بسبعة ألاف
دولار ، وهناك إحصائية تقول أن حجم الاتجار بالنساء في إسرائيل
وحدها يبلغ 235 مليون دولار سنوياً ،فهي الدولة الثالثة على
مستوى العالم في حجم تجارة النساء .
وتعمل المرأة في إسرائيل ما بين أربع عشرة إلى ثماني عشرة ساعة
يوميا طوال سبعة أيام في الأسبوع دون راحة .. أما نصيب
الولايات المتحدة الأمريكية فهو 500 ألف ومعظمهن من دول
الكومنولث الروسي .
أن مواجهة هذا الخطر يحتاج إلى معرفة أسبابه وسبل علاجه ،
فوراء غلاف التطور والاقتصاد الحر والشفافية وحقوق الإنسان
ومؤسسات القانون تتخفى عبودية مرعبة على مستوى العالم، ربما لم
يسبق لها مثيل حتى في عصور الظلمات والعبودية المعلنة ، وهناك
عالم ثري يسعى إلى الأيدي الرخيصة ، وهناك فقراء يريدون نصيباً
من الثروة ، وهناك عصابات تستفيد من التطور العلمي والتكنولوجي
وتسعى إلى تطوير بنيتها التحتية والتقنية أيضا التي تسهل تزوير
الوثائق الرسمية.
وهناك من يتهم الأعلام بتشجيع الهجرة بما يقدمه من إغراءات ،
وتصوير الدول الأوربية والغربية على أنها الجنة الموعودة ، وكل
ذلك يسلب الإنسان أرادته.
وهناك البعض الذي يحمل العولمة مسئولية هذه الظاهرة ، ولكن في
الواقع أنها كانت موجودة ومستترة ، والعولمة هي التي ساعدت على
كشفها والدليل على ذلك أن هذه التجارة تزدهر في جمهوريات
الاتحاد السوفيتي السابق ، وهذا الازدهار لم يحدث بين ليلة
وضحاها ، أي أن العولمة ساعدت في كشف المستور.
أن الاتجار بالنساء العراقيات مسالة تتعلق بحقوق الإنسان وهي
جريمة منظمة ولابد من الاعتراف بها ومواجهتها بحسم من خلال سن
القوانين وتغليظ العقوبات الخاصة بها ، مع مراعاة أن المتاجر
بهم ضحايا هاربون من البؤس إلى الجحيم ولا يجب معاملتهم معاملة
المجرمين وإنما أعطائهم الأمان والوسيلة الكفيلة بإعادة
تأهيلهم والاستفادة منهم للكشف عن المجرمين مرتكبي عمليات
الاتجار بالبشر .
أما المجتمع الدولي فان عليه مسئولية مواجهة هذه الظاهرة
جماعياً ووضع الحلول والقوانين الكفيلة بالقضاء عليها ،لأن
التفاوت الكبير في الثروات هو العامل الأساسي في تفشي هذه
الظاهرة .
د. معتز محي عبد الحميد
|