|
لماذا اختاروا 15/10 موعداً للاستفتاء على الدستور
الاسود
نفّذت اليوم واحدة من أكبر عمليات التزوير العلنية المنظمة في
العراق التي أطلقوا عليها الاستفتاء على الدستور ، وقد أعدّ
لتنفيذ هذه الجريمة الصارخة ما يفوق أضعاف ما يعدّ عادة في
أيّة حالة مشابهة في العالم حيث أنفقت من أموال العراق مئات
الملايين ذهب أكثريتها إلى شركات ومؤسسات أمريكية وغربية أخذت
على عاتقها الإعداد لسيناريو الدستور ابتداءً من وضع نصوصه وما
تدلّ عليه إلى طريقة كتابته وأسلوب النقاش عليه إلى آليات
الإعلان عنه في وسائل الإعلام واستخدام العبارات التي تثير
حماسة المواطنين البسطاء وتغويهم للاندماج في عملية تأييد
مؤامرة الدستور الأسود والإعداد الأكثر دقة لتنفيذ إجراءات
الاستفتاء يوم 15/10/2005 وبما أنّها عملية محبوكة لا يمكن
النفاذ إليها بالتزوير ، ثمّ الحلقة الأخيرة حيث ستقوم هذه
الشركة أو الشركات الأجنبية بفبركة إخراج آخر جزء من المسرحية
وهو الأكثر أهمية ذاك المتعلق بفرز الأوراق وإعلان النتائج .
إنّ كلّ ما يتعلّق بتنفيذ المسرحية يوم 15/10 منذ الساعة
السابعة حتى الساعة الخامسة قد أعدّ لـه سيناريو نموذجي ( صوت
وصورة ) بحيث سيشاهد الرأي العام الخارجي عملية استفتاء حضارية
تتناسب مع النتائج المطلوبة من تنفيذ هذه المؤامرة لصالح
الأكاذيب الأمريكية التي سيتم ترويجها لخلق القناعات لدى
الأمريكان وأوروبا وكلّ العالم بأنّ العراقيين صبروا وضحوا
ونالوا ، وهذه هي ثمرة الديمقراطية التي تكرّم بها السيّد بوش
على الشعب العراقي الذي لم يعرف هذه الممارسة في تاريخه (7000
سنة) وستتحول أحلام العراقييّن إلى حقيقة وأصبحوا قاب قوسين أو
أدنى من عتبة الدول الأكثر تحرراً وديمقراطية وعدلاً في الكرة
الأرضية ، فالدستور الأمريكي سيحقق لكلّ عراقية وعراقي ما لم
يكن وارداً في أحلامه . فمثلاً إذا كان أيّ عراقي واعٍ أم غير
واعٍ ، في المدينة أو في الريف في الشمال والجنوب لم يخطر في
باله أنّ وطنه ( العراق ) الذي نتج عينيه عليه وعرف حدوده
ومكوناته سيصبح ( بعد الدستور ) مجموعة كيانات عرقية وطائفية
ضعيفة وإنّ اسم العراق التاريخي (سيكون في خبر كان) سيصبح
اسماً قد يقرأه الأبناء والأحفاد في كتب التاريخ يوماً ما
مثلما قرأنا عن أسماء دول كان لها وجود ثمّ اختفت بعد أن احتلت
وتمّ القضاء عليها من قبل دول أخرى ( رغم أنّ تاريخ العراق
يدلّل وبشكل فريد إنّ أيّ دولة مهمة تنتهي فإنّ ذلك
إيذاناً بقيام دولة أقوى منها ستضيف جهداً جديداً وتألقاً
حضارياً آخر لتاريخ الشعب العراقي) وهذا ما لن يحصل بعد الآن
(وفق المخطط الأمريكي)
لقد أصبح مفروغاً منه أنّنا ومعنا شعوب كثيرة ستشاهد أحداث
فيلم هوليودي محبوك عن واحدة من أهمّ الممارسات الديمقراطية في
بلد لم يسمع عنه العالم منذ عامين ونيّف إلاّ إخبار عن ( قتل
واعتقالات وتدمير مدن وتفجيرات وجثث مشوهة مرمية في الشوارع
والأنهر والمزابل وأناس يخرجون من بيوتهم ويختفون وسيارات
مفخخة وفضائح عما يجري من جرائم تعذيب لم يعرف التاريخ البشري
أبشع منها في أبي غريب وكلّ المعتقلات الأخرى و... و... ) .
إذن بلد يحدث فيه كلّ هذا وأكثر ، بلد نسي أبناؤه الكهرباء
والماء الصالح للشرب والنظافة وكلّ الخدمات الإنسانيّة الأخرى
( التي كان يتميّز بها العراق عن كلّ دول المنطقة) أصبحت فيه
ثقافة القتل والاغتصاب والسرقة هي الأوسع انتشاراً .. بلد
تحوّل بقدرة قادر وبفضل الديمقراطية والحرية الأمريكيّة إلى
مسرح للتجاذبات السياسية لأكثر من ألفي كيان سياسي وتفشت فيه
ظاهرة الصحافة السوداء وليست الصفراء حتى بلغ عدد الكيانات
الصحفية اكثر من 200 صحيفة وعدد كبير من الإذاعات والقنوات
الفضائية أغلبها تحول من جهات مخابراتية تروج لأفكار ومشاريع
تصبّ في خدمة الاحتلال وعملائه . علماً بأنّ 97 % من هذه
الكيانات المصطنعة لا يمثل أعضاء أيّ منها أكثر من أصابع
اليد الواحدة وكذا الحال في الصحف التي لا يعرف أصحابها ما
يريدون .
إنّ مأساة غالبية الشعب العراقي في مؤامرة الدستور أنّه سيساق
إلى المشاركة لتأييد مسودته وإقرارها وهو لا يعرف عن هذا
الدستور سوى أنّ وسائل الإعلام ( عشعشت ) في ذهنه عبارات
فضفاضة تدفعه للمشاركة وهو لا يدرك أنّه بهذه المشاركة إنّما
يسهم في تدمير حياته وتمزيق وطنه وإلغاء هويته ويصبح هو
والعراق في خبر كان.
لقد كانت المفردات والجمل والصور المستخدمة في الحملات
الدعائية للمشاركة في الاستفتاء قد تمّ اختيارها بعناية
وبطريقة علمية روعي فيها الجوانب النفسية لغالبية الشعب
العراقي المبنية على معرفة دقيقة والذي قرأناه وسمعناه ،
وأخطر ما تمّ بثّـه من عشرات القنوات الفضائية المهمة وبقرار
لم يسبق لـه مثيل في تاريخ العراق كلّ هذا يدلّل على أنّ هذه
الحملات الدعائية أعدّت في مطابخ الشركات الأمريكيّة العملاقة
للدعاية والإعلام والعلاقات العامّة ، كما أنّ الميزانية
والأموال التي رصدت لهذه الحملات لا شكّ وأنّها بأرقام فلكية
وربما تعادل أضعاف المرات عما تمّ إنفاقه على الإعلام العراقي
منذ قيام الدولة العراقية 1922 وحتى احتلال العراق في 9/4/2003
ويبقى السؤال المهم هل يستحق هذا الموضوع ( الدستور ) كلّ هذا
الاهتمام وكلّ هذه الأموال التي كان يمكن أن تكون كافية لحلّ
أغلب المشاكل التي يعاني منها الشعب العراقي منذ الاحتلال وحتى
الآن كالكهرباء وغيرها ؟ وماذا كان يمكن أن يحصل لو لم يعدوا
دستورهم الأسود هذا ؟ والجواب واضح ... فالدستور لم ولن يكون
مهماً وكان يمكن أن يصدر بعد سنوات إذا كانت تقف خلفه نوايا
حسنة. إلاّ أنّ هذا الدستور وكما أكّدنا مرات مهم جداً ولكن
ليس للعراقيين بل للسيد بوش (لإنقاذه) ولعملائه في العراق ،
لأنّه يثبت الواقع المسخ الذي فرضه الاحتلال على الشعب العراقي
ويسهل على الخونة والجواسيس أن يتحكّموا بمصير الشعب العراقي
وينفذوا كلّ المخطط الرامي إلى تمزق العراق أرضاً وشعباً
ومستقبلاً تحت سقف قانوني شرعي خطّي بتأييد ومباركة العراقييّن
وهو الدستور الأسود .
لقد نسيَ العراقيون تحت وطأة هذه الحملات الدعائية الخطيرة أنّ
بلدهم محتل ومدمّر وأنّهم مشاريع للموت في أيّة لحظة وأنّ
ثرواتهم تسرق .. وإنّ الذي يشاهد وضع العراقييّن تنتابه شكوك
في احتمال أن يكون كثير من هؤلاء الناس قد تعاطوا المخدرات أو
قد تمّ حقنهم بالمورفين أو تناولوا حبوب الهلوسة .. فهم
يتعاملون مع أخطر القضايا المصيرية في حياتهم بهذه السلبية
وبهذا التغييب الواضح للوعي والإدراك والحس الوطني الذي عُرف
بـه الشعب العراقي والذي كان أكثر العرب وعياً وثوريةً
وشجاعة .
إنّ أغلب العراقييّن يخضعون اليوم لجملة من المؤشرات التي
جعلتهم مغيبين عن وعي ما أصابهم أو سيصيبهم بعد موافقتهم على
الدستور الأمريكي الأسود ، ومن هذه المؤشرات :
أولاً – هيمنة القوى العميلة والخونة على كلّ مقدرات الحياة
وقد جمع هؤلاء حولهم كماً لايستهان بـه من الانتهازيين قناصي
الفرص الباحثين عن الجاه والوجاهة والذين يؤطرون قدراتهم لكلّ
زمان ومكان ، وإنّ هذه النماذج هي التي تسيطر على كلّ المفاصل
المهمة في العراق ويتصدرون المشهد وبما يوحي أنّهم
يمثلون أو يعبرون عن حقيقة مواقف السواد الأعظم من الشعب
العراقي .
ثانياً – شراء الذمم والنفوس الضعيفة لا سيّما من الشرائح
ضعيفة الوعي والحس الوطني والتي لا يهمها سوى كسب أكبر قدر من
الأموال حتى وإن كانت على حساب الوطني والكرامة والشرف وأصبح
هؤلاء يشكلون ظاهرة خطيرة في العراق الجديد !!
ثالثا – صناعة الكيانات السياسية والاجتماعيّة ودعم أصحابها
مادياً الأمر الذي فتح قريحة أعداد كبيرة لأن يشكلوا مثل هذه
الكيانات ويضعوا يافطات على بعض المباني ويتقاضى هؤلاء مبالغ
كبيرة جداً يوزعونها فيما بينهم وانتشرت هذه الظاهرة بشكل كبير
وأصبح أعضاؤها جزءاً من آليات عمل الاحتلال وعملائه في العراق
وهؤلاء يقدمون أنفسهم أمام الناس وفي وسائل الإعلام بطريقة
توحي أنّهم يمثلون طيفاً واسعاً من العراقييّن وقد استغلت هذه
الكيانات بشكل ملفت في الدعاية للدستور .
رابعاً- استخدام المخدر الفعال وهو المرجعيات الدينية ، فرغم
أنّ قسماً مهما من العراقييّن أدركوا أنّهم كانوا ضحية كذب
وافتراء المرجعيات الدينية في مهزلة الانتخابات الماضية وأنّهم
لم يجنوا من كلّ الوعود التي قطعت لهم سوى الكلام الفارغ فإنّ
هذا المخدّر استخدم مرة أخرى وبشكل مركّز لاسيّما السيستاني ،
مع العلم أنّ كلّ العراقييّن والعالم أصبح يعرف أنّ السيستاني
ليس عراقياً ولأنّه يعتبر نفسه رجل دين فلا يحقّ لـه أن
يحشر أنفه في أمور سياسية تخصّ العراقييّن الذين لا ينتمي
إليهم . وليس من واجب رجال الدين ، إذا افترضنا أنّه كذلك ، أن
يتدخلوا في هذا الموضوع . أمّا إذا أقر البعض ضرورة الأخذ برأي
المرجعيات فلماذا السيستاني وهو لا يملك المؤهلات العلمية
(الحوزوية) ولا الانتماء للعراق ؟ في حين أنّ في الحوزة
العلمية الرئيسية الحقيقية في النجف الأشرف رجال دين وعلم وأصل
ونسب عراقي عربي ووطنية عالية فلماذا لا تعتمد فتاوى آية الله
العظمى الشيخ أحمد الحسني البغدادي والشيخ جواد الخالصي
وغيرهما من رجال الدين الأفذاذ ؟ أليس هؤلاء علماء دين عرب
ومسلمون حقيقيون وضد الاحتلال ؟!
خامساً- لقد أثّرت الظروف القاهرة لمرحلة ما بعد الاحتلال على
إعداد من أبناء شعبنا إلى درجة أنّ هؤلاء وصلوا إلى مرحلة لم
يعد يهمهم فيها فهم حقيقة ما يجري وما يمرّر عليهم والمهم
لديهم أنّهم مستعدون أن يؤمنوا بالشيطان الرجيم طالما أنّه
يدّعي قدرته أن يحقق لهم معجزة تنقذهم من الأوضاع الشاذة التي
يعيشونها ولذلك فهم يرضخون لأيّ شيء يقدمه لهم الاحتلال
وعملاؤه أملاً في وضع أفضل وإن لم يحصل ذلك فإنّهم لم يخسروا
شيئاً لأنّ (المبلل لا يخاف من المطر ) أي أنّ الذي غرق كلّ
جسمه بالماء فلن يهمّه المطر .
سادساً – نسي كثير من العراقييّن تجربة حياتهم التي عاشوها لا
سيّما الممارسات الديمقراطية ( وإن كان يشوبها بعض السلبيات )
وهو أمر طبيعي في دول عالم الجنوب ، فطلاب المدارس على
مستوى الصف الدراسي ينتخبون قدوتهم ( الطالب النموذج ) وصولاً
إلى الجامعات وينتخبون سنوياً من يمثلهم في الاتحاد الوطني
لطلبة العراق والعمال والفلاحون والنساء والمهندسون والأطباء
وكلّ المهن والوظائف والاتحادات والنقابات يشاركون في انتخاب
ممثليهم، وهناك تجربة انتخاب المجلس الوطني (البرلمان) ويشارك
فيها الجميع، هذا عدا تجربة الاستفتاء على منصب رئيس الجمهورية
بـ ( نعم ) أو ( كلا).
ونضيف إلى ذلك أنّ هناك ممارسات انتخابية كانت موجودة في
العراق منذ قيام الدولة العراقية 1922 ولم تنقطع . أمّا إذا
أراد البعض أن ( يفلسف ) الممارسات الديمقراطية في العراق من
1922 إلى 9/4/2003 فإنّنا نقول لـه إنّنا نستطيع أن نثبت كلّ
ملاحظاتك وسلبياتك على الممارسات الديمقراطية في العراق على
أغلب التجارب (الديمقراطية ) في العالم وأكثر من ذلك بما فيها
تجربة الانتخابات الأمريكيّة وأبسط شاهد هو أنّ الرئيس الحالي
لأمريكا ( صانع الإرهاب ) وصل إلى البيت الأبيض بالتزوير وإنّ
انتخابات كانون الثاني 2005 في العراق المحتل شهدت أبشع أنواع
التزوير التي يمكن أن تخطر ببال أحد !! ومن هذا نذكّر ونصحّي
ضمير بعض العراقييّن الذين يدعون أنّهم لم يمارسوا الديمقراطية
في حياتهم !!
سابعاً – أصبح واضحاً جداً أنّ هناك اتفاق ووثيقة عهد ( غير
شريفة ) أبرمت بين إدارة بوش وكلّ حلفائها من دول المنطقة (
عرب وغيرهم ) تقضي بدعم كلّ برنامج الاحتلال وممارسته وتعمل ما
في وسعها لإجبار العراقييّن على الرضوخ للاحتلال والانصهار في
بودقة برامجه وهذا ما يظهر واضحاً في سياسة كلّ الأنظمة
العربيّة وتركيا وإيران حيث يدعمون ويشجعون الشعب العراقي على
الانخراط في العملية السياسية ومغادرة أيّ موقف أو سلوك أو
ممارسة تتقاطع مع المنهج الأمريكي وإلى تيئيس العراقييّن ،
احتلال بلدهم ومقتل اكثر من مليونين من أبنائهم واعتقال مئات
الآلاف منهم واغتصاب نسائهم وسرقة ثرواتهم وتدمير كلّ مؤسساتهم
وإهانة وامتهان كرامتهم وأن يتقبلوا حقيقة أنّهم أصبحوا عبيداً
في وطنهم .... الخ .
وإنّ المسؤولين في هذه الدول يطالبون الشعب العراقي بأن يكونوا
واقعيين ويتقبلون ما فرضه عليهم الاحتلال وما سلط على رقابهم
من عتاة المجرمين القتلة الذين لا يمتون للعراق بأيّة صلة .
وأن ينطلقوا فرحين لتأييد الدستور حتى وإن كان هذا الدستور
سيجعل بلدهم أثراً بعد عين وسيزيد من ظاهر الفوضى والاقتتال
وغياب الأمن والأمان وانتشار الفقر والبطالة والأمراض وغياب
أبسط المستلزمات الحياتية الإنسانيّة .
نعم المهم أنّ الحكام العرب وزملاءهم في تركيا وإيران وغيرهما
يريدون من العراقييّن أن يكونوا واقعيين ، والواقعية بالمفهوم
الجديد هي الاستسلام والرضوخ للاحتلال .. هذا هو المطلوب منكم
يا شعب العراق !!
ثامناً – استطاعت إدارة الاحتلال وعملائها شراء ذمم نسبة من
شيوخ العشائر بتوزيع الأموال عليهم وإشراكهم بالوفود التي تذهب
لاستجداء الأموال للعراق وأموال العراق يسرقها المحتلون
والعملاء . وقد لعب هؤلاء الشيوخ كلهم أدواراً قذرة في
الانتخابات السابقة واليوم يؤدّون ذات الدور في هذا الاستفتاء
المسخ .
لماذا اختير الخامس عشر من تشرين أول موعداً للاستفتاء ؟
ابتداء نرجو أن يخطئ أحد ويعتقد أنّ اختيار هذا التاريخ مصادفة
أو استجابة ظرفية فرضها تطبيق مفردات المشروع الأمريكي في
العراق .
إنّ السبب الأول لاختيار يوم 15/10 موعداً للاستفتاء على
الدستور الأسود محاولة غبية من أصحابها لإلغاء المعنى والدلالة
لهذا التاريخ من ذاكرة العراقييّن ، حيث ثارت ومنذ 9/4/2003
وستستمر سياسة هدفها إعادة تشكيل الذاكرة العراقيّة ولتمسح كلّ
المعاني والدلالات الوطنية والقومية لما تعنيه التواريخ
والمناسبات لدى أبناء شعبنا . واختيار 15/10 تحديداً ليس
اختياراً عفوياً أو اعتباطياً بل لأنّ هذا التاريخ يعني في
الذاكرة العراقيّة الوطنية الشريفة استحضار واستذكار لواحدة من
الممارسات الديمقراطية وهي الاستفتاء على منصب رئيس جمهورية
العراق .. ورغم كلّ ما يحاول أعداء تجربة العراق أن يلصقوه بها
من سلبيات فإنّ هذه التجربة وإن لم تخلو من بعض السلبيات
فإنّها تعد واحدة من التجارب المهمة جداً في أدبيات شعوب
المنطقة .
ونودّ هنا الإشارة إلى مسألة فنية كان يمكن أن يقوم بها النظام
الوطني في العراق لإجراء عملية الاستفتاء على منصب رئيس
جمهورية العراق بطريقة تشبه المسرحيات التي تعودت على إخراجها
للناس أغلب الأنظمة في العالم ، إلاّ أنّ العراقييّن الذين
يحترمون أنفسهم أولاً والعالم ثانياً لا يريدون أن يخرجوا على
الناس بمهازل تثير سخرية الجميع .
لقد كان بإمكان النظام الوطني في العراق أن يطرح أيّ عدد من
المرشحين كجزء من السيناريو المعد للمسرحية وتنتهي مثلما انتهت
إليه كلّ المسرحيات الأخرى ( في مصر مثلاً أو غيرها كثير )
ولكن الذي كان يحصل في العراق وربما لايعرفه كثيرون لا سيّما
أعداء العراق أنّ لا أحد من العراقييّن كان يقبل أن يضع نفسه
في موقع منافسة السيّد الرئيس صدام حسين ، ليس خوفاً أو حجبا؟ً
، بل لأنّ كلّ العراقييّن يكنون الاحترام والتقدير والعرفان
بالكفاءة والشجاعة للسيد الرئيس ، وكم حاولت الجهات المعنية
المسؤولة عن الاستفتاء أن تقنع أشخاصاً وطنيين أكفاء إلى درجة
( الإلحاح ) للمشاركة في الاستفتاء إلاّ أنّ جميعهم كانوا
يؤكدون أنّ لا أحد يمكن أن ينافس القائد صدام حسين ومن يملك
مؤهلاته ومن من العراقييّن يمكن أن يقدّمنا على السيّد الرئيس
؟ هذه هي الحقيقة لمن لا يعرفها ولا يدركها أو يتعامى
عنها !
أمّا موضوع الدستور فالعراقيين الشرفاء يتذكرون مشروع الدستور
الدائم الذي تمّ إعداد مسودته لسنوات من قبل أفضل الكفاءات
القانونيّة الوطنية العراقيّة ( وقسم من هؤلاء كانوا من
المستقلين ) وبدأت حملة مناقشاته الدقيقة في كلّ مستويات
الدولة والحزب والقوى الوطنية والنقابات والاتحادات والجمعيات
لإنضاجه وما تمّ طرحه على الشعب لمناقشته تمّ التصويت عليه كان
هذا في نهاية عام 1989 بعد انتصار العراق في كبح جماح العدوان
الإيراني عليه واستمرت المناقشات قرابة سنة (وقبلها سنوات في
إعداد مسودته ) وكان يفترض أن يكتمل في نهاية 1990 وربما كان
سيعرض للتصويت عليه إما في نهاية تلك السنة أو في بداية 1991
.. إلاّ أنّ مؤامرة حكام الكويت وماجرى من ردة فعل عليها
واضطرارنا إلى دخول الكويت وما حصل بعدها من عدوان آثم وحصار
جائر عطّل مشروع الدستور ودفع الدولة للاهتمام بالأولويات
وأبرزها إعادة بناء ما دمّره العدوان الإمبريالي الصهيوني
وإعادة الخدمات للعراقيين ( في ثلاثة أشهر عادت الحياة
للكهرباء والماء والإذاعة والتلفزيون والهواتف وكلّ البنى
الأساسية ) واستمرت أوضاع المواجهة بين العراق وبين
أمريكا وبريطانيا وطرق التفتيش والعقوبات التي بدأت ولم تنته
والمؤامرات ... قبل الاحتلال .
وكلّ ما جرى ويجري للعراق يدلّل بشكل واضح أنّ العراق كان يسير
قبل الاحتلال بالاتجاهات السلمية وطنياً وقومياً وإسلامياً
وإنسانياً وعلمياً وصناعياً وزراعياً وصحياً وهذا ما جعله
الهدف الأول لأمريكا وبريطانيا وإسرائيل وإيران وتركيا وكلّ
الأنظمة العراق الخائبة التي كانت ترى في تجربة العراق وتطوره
إحراجاً لها وكشفاً عن عوراتها الكثيرة في جميع جوانب الحياة
لا سيّما في القضايا الوطنية والقومية وعملية بناء الأوطان
وخدمة شعوبها .
وآخر ما نودّ التأكيد عليه أنّ عملية الاستفتاء هذه هي اكبر
عملية تزوير وتضليل تمرّر على الشعب العراقي ونكاد تجزم أنّ
99.9 % من الذين سيؤيدون الدستور لا يعرفون شيئاً عن محتوياته
سوى ما شاهدوه في الإعلانات التلفزيونية والإعلانات في الشوارع
، ولا يدري هؤلاء أنّهم إنّما أسهموا في إدخال العراق في حقل
ألغام وسيفجّر هذا الدستور كلّ ما كان العراقيون يعولون عليه
من مرتكزات حالت لحدّ الآن دون سقوط العراق في أتون الصراعات
التي لا يعلم غير الله وحده طبيعتها وإلى أين ستذهب بنا
؟ بمعنى أنّ جهود ومؤامرات أمريكا وبريطانيا وإسرائيل وإيران
والأنظمة العراق العميلة على مدى 35 عاماً لم تحقق لهم تدمير
العراق وتمزيقه في حين جاءهم هذا الدستور بعد تمريره على
العراقييّن بكلّ ما كانوا يتمنوه وهو إزالة أقوى دولة عربيّة
في المنطقة كلها (العراق) ولذلك فالعراقيين الذين شاركوا بنعم
للدستور حكموا على العراق وعلى أنفسهم بالإعدام .
والأمر المحيّر فعلاً أنّك لا تكاد تسأل أيّ سياسي أو مطّلع عن
مسألة تخصّ الشرق الأوسط والعالم حتى يضع في أولويات إجاباته
ما يجري في العراق وما سيرتبه ذلك على كلّ القضايا في الدول
الأخرى ومستقبل العام ، أي أنّ الكل يعوّل على ما ستؤول إليه
عملية تورط أمريكا في المستنقع العراقي ومقاومة الشعب العراقي
للاحتلال الأمريكي الذي غير كلّ المعادلات في السياسة الكونية
الأمريكيّة .
ومع ذلك فإنّك عندما تنظر إلى ما يجري في العراق ولا سيّما إلى
المواطنين تشعر أنّ العراقييّن (عامّة الناس ) أبعد ما يكونون
عن الاهتمام بهذا الموضوع وكأن هول ما يحدث لهم من جرائم قتل
ومآسي أخرى من المحتلين وعملائهم أفقد كثيراً منهم
الإحساس بما يجري حولهم إضافة إلى فعل الدعاية الصفراء للقوى
والأحزاب العملية جعلت هؤلاء لا يعطون الأمور حقا من الاحتلال
والتقدير وهذه مسألة خطيرة يجب أن تلتفت إليها كلّ القوى
الوطنية المناهضة للاحتلال لأنّ نجاح الأعداء في تنميط موافق
هذه المجاميع من الشعب العراقي ستجعل منهم أداة طيّعة سهلة
الاستجابة لكلّ ما يريده المحتلون وعملاؤهم الآن وفي المستقبل
وسيؤثر سلباً على تفعيل دور الشعب في مواجهة الاحتلال وسلوك
وعملائه .
الدكتور
فيصل الفهد
|