|
من اسطنبول الى دمشق .. ومن ملتقى القدس الى حق العودة
أ . معن بشور
قال مسؤول عربي كبير ذو باع طويل في العمل
الدبلوماسي في لقاء ضمنا اليه منذ فترة: "أن حق العودة
للفلسطينيين هو أكثر حقوقهم مناعة وحصانة في وجه الادعاءات
الصهيونية.
فإذا كان الصهاينة – حسب هذا المسؤول – نجحوا
لدى بعض الاوساط في الترويج لاكذوبة "الهيكل" تاريخياً بهدف
التمهيد للقضاء على المسجد الاقصى وبالتالي في التمهيد للسيطرة
الكاملة على القدس، واذا كانوا قادرين لاسباب "انسانية" على
اثارة جدل حول مسألة تفكيك كتل استيطانهم "وتشريد" قاطنيها،
إلا انهم يجدون انفسهم عاجزين تماماً عن ايجاد أي ذريعة تبرر
منعهم ملايين الفلسطينيين من العودة الى بيوتهم وممتلكاتهم
وديارهم خصوصاً أن هذه العودة هي حق مكفول بكل الشرائع
السماوية والقوانين الوضعية والقرارات الدولية، ولا سيما ايضاً
أن حلفاء تل ابيب شنوا حروباً في غير قارة بذريعة اعادة جماعات
جرى تهجيرها من بيوتها وديارها، وآخر تلك الحروب حرب البلقان
قبل عشر سنوات.
وما يزيد من حراجة الموقف الصهيوني ازاء هذا
الحق الفلسطيني غير القابل للتصرف، وغير القابل للنقاش ايضاً،
أن القانون الاساسي الذي قام عليه الكيان الصهيوني هو قانون
العودة الذي يسمح ليهود العالم قاطبة، واينما كانوا، أن يأتوا
الى فلسطين، وان يحملوا جنسية مغتصبيهاِ اياً كانت جنسياتهم
الاصلية، فيما الحق الرئيسي الذي ما زال ينكره هؤلاء المغتصبون
على ملايين الفلسطينيين المشردين داخل وطنهم وخارجه هو "حق
العودة" الى بيوتهم وديارهم التي اجبروا على تركها على يد
الصهاينة في مراحل متعددة، وخصوصاً بعد أن بدأ العالم يكتشف
وعلى يد باحثين ومؤرخين، بينهم "المؤرخون الجدد" في الكيان
الصهيوني نفسه، أن التهجير الفلسطيني لم يكن بسبب مطالبة
الحكام العرب للفلسطينيين بان يغادروا بيوتهم ومدنهم وقراهم
عام 1948، بل تم بسبب سياسة الاقتلاع الدموية التي مارستها
عصابات صهيونية مسلّحة كانت وراء قيام الكيان الصهيوني تحت
انظار "الانتداب البريطاني" والرعاية الغربية.
ومن المفارقات الكبرى الاخرى التي تزيد من
حراجة الصهاينة ايضاً في هذا الشأن، هو أن "دولتهم" التي تكاد
تكون الدولة الوحيدة في العالم التي تم انشاؤها بقرار دولي ،
أي بقرار صادر عن الامم المتحدة، هي الدولة الاشد انتهاكاً
للقرارات الدولية نفسها، بما فيها القرار 194، الذي ينص على حق
العودة للفلسطينيين، وقرارات اخرى نصت على عدم اعتراف المنظمة
الدولية بالكيان الصهيوني إذا لم ينفذ هذه القرارات (التي لم
يمحضها العرب كامل تأييدهم اساساً، وما زال قسم كبير من ابناء
فلسطين والامة متحفظاً ازاءها) بما فيها قرار 181 القاضي
بتقسيم فلسطين الى دولتين لم تلتزم تل ابيب بحدودهما كما
أقرتها الامم المتحدة 1947، بل سعت لابتلاع ما بقي من فلسطين
خارج احتلالها عام 1967.
ازاء هذه المفارقات المحرجة على كل المستويات
بالنسبة للمشروع الصهيوني، لم يكن امام قادة الكيان الغاصب،
ومن يساندهم، سوى العمل على خطين متكاملين متلازمين اولهما
الرفض القاطع لحق العودة، ورفض ادراجه في أي مفاوضات ثنائية أو
غير ثنائية ، وثانيهما خلق فزاعة "التوطين" أو "الوطن البديل"
من اجل تحويل الصراع عن وجهته الحقيقية، أي من صراع بين شعب
فلسطين ومغتصبي ارضه وحقوقه، الى صراع بين الفلسطينيين وبين
الدول التي لجأوا اليها بعد نكبتهم عام 1948.
ولا يتسع المجال هنا لتعداد المشاريع
والمحاولات والمبادرات العديدة التي سعت الى شطب حق العودة من
لائحة الحقوق الفلسطينية، والى اثارة قضية التوطين كفتنة هدفها
توطين الفتنة في الدول المحيطة بفلسطين، وآخر هذه المحاولات
كانت تصريحات رئيس الاتحاد السويسري خلال زيارته "السياحية"
الى لبنان قبل اسابيع حول "أن حق العودة حق مشروع ولكنه غير
قابل للتطبيق" متناسياً أن استيطان مليون مهاجر "سوفياتي" في
اوائل التسعينات في فلسطين المحتلة كان "امراً قابلاً
للتطبيق".
من هنا اخذت قضية حق العودة تحتل اهتماماً
استثنائياً لدى الغالبية الساحقة من ابناء فلسطين والامة
واحرار العالم، وتلتقي حولها المؤتمرات والمنتديات وتؤسس في
سبيلها المراكز والتجمعات داخل فلسطين وخارجها، في مخيمات
الشتات كما في عواصم العالم، فتتحول هذه القضية الى حركة نضال
فكري وسياسي وعملي يومي، بل عادت لتبرز كجوهر للقضية
الفلسطينية، بل لتشكل البوابة المركزية لقضية العرب المركزية.
ومن هنا يكتسب اهميته ملتقى دمشق العربي
والدولي لحق العودة الذي ينعقد في قصر المؤتمرات في العاصمة
السورية يومي 23 و 24 من الشهر الحالي، لا لكونه تظاهرة ضخمة
تضم الالاف من القيادات والنشطاء الفلسطينيين والعرب واحرار
العالم فحسب، ولا حتى لكونه ينعقد في بلد يشكل احد اهم مراكز
الثقل بالنسبة لتجمعات فلسطينيي الشتات فقط، بل ايضاً لاسباب
ثلاثة بالغة الاهمية:
اولهما: أن هذا الملتقى يأتي امتداداً لملتقى
آخر استحوذ في مثل هذه الايام من العام الفائت على اهتمام
الرأي العام الفلسطيني والعربي، الاسلامي والمسيحي، الاقليمي
والدولي، وهو ملتقى القدس الدولي في اسطمبول، وكان لي شرف
رئاسة لجنته التحضيرية التي ضمت آنذاك 33 هيئة عربية ودولية
عابرة للاقطار والقارات نجحت في كسر حصار تاريخي فرض على مدى
قرن كامل على قضية فلسطين، والقدس في مقدمها، في بلد اسلامي
عريق كتركيا، يعتقد كثيرون أن احد اهم اسباب انهيار دولة
الخلافة الاسلامية فيه يعود الى رفض قادتها، وفي مقدمهم
السلطان عبد الحميد، التنازل عن القدس خصوصاً، وفلسطين عموماً،
مقابل وعود عديدة لم تكن الاموال الطائلة اكثرها اغراءً.
فاسطمبول ودمشق عاصمتان اساسيتان في حياة العرب
والمسلمين، ومركزان هامان من مراكز الحضارة العربية الاسلامية،
كما ان لهما في وجدان العرب والمسلمين وقع خاص، وفي ذاكرة
العرب والمسلمين أمجاد يعتزون بها، وللقائهما، ومعهما مصر
المتحررة من قيودها ، والعراق المحرر من الاحتلال، وايران بعد
أن اختارت طريقها المنسجم مع عقيدتها وحضارتها، الدور الكبير
في صوغ معادلة استراتيجية تخرج العرب والمسلمين من حال الهوان
والهزائم والاذعان للاملاءات الصهيونية والاستعمارية الى حال
من العزة والرفعة والاحساس بالكرامة وصون الاستقلال وحماية
الوجود.
ثانيهما: أن هذا الملتقى يأتي استكمالاً لنهج
توحيدي وتكامل انفتاحي اخذ يسود تيارات الامة الكبرى، القومي
والاسلامي والليبرالي الوطني واليساري العروبي، ويؤمن بضرورة
الخروج من التناحر الى التحاور، ومن التنابذ الى التواصل، ومن
الاحتراب الى التكامل، بل تأكيد لنهج بدأ يدرك اهمية التفاعل
مع احرار العالم ومع قواه المتململة والمتمردة على نظام
الاحادية القطبية (وهو غطاء لفوضى عالمية منظمة) وعلى سياسات
العولمة (وهي غطاء للهيمنة الامبراطورية الأمريكية على
العالم).
إن هذا النهج يأتي كذلك تعبيراً عن ادراك
متزايد لدى نخب عروبية واسلامية ويسارية وليبرالية بان
الاهتمام بكسب التأييد الدولي للقضية الفلسطينية، دون تراجعنا
عن الثوابت، هو الطريق لتجريد المشروع الصهيوني من احد اقوى
ركائزه، حين نجح في تصوير الصهاينة كضحايا وتصوير الفلسطينيين
والعرب كجلادين وارهابيين، وحين استغل الى ابعد الحدود عقدة
ذنب اوروبية تجاه اليهود حين اقترفت النازية بحقهم ابشع
الجرائم، وحين نجح في اقناع كثيرين أن العدالة الانسانية تقتضي
أن يحل الشعب اليهودي مكان شعب اخر هو شعب فلسطين، وان يقيم
على ارض ليست ارضه. وان هذه "العدالة" تبرر هذا الكم من
الجرائم المماثلة لما كان يرتكبها النازي في محارقه ومعسكرات
اعتقاله.
وما يزيد من سلامة هذا النهج هو انه بات نهجاً
واقعياً لا سيما مع تزايد التعاطف العالمي، على المستوى الشعبي
خصوصاً ، مع الحق الفلسطيني، بل تزايد الشعور الدولي، حتى داخل
الولايات المتحدة نفسها، أن الكيان الصهيوني بات يتحول الى عبء
على مصلحة حلفائه بدلاً من أن يكون سنداً فاعلاً لهم، بل انه
بات يحتاج الى حروب يشنها هؤلاء الحلفاء بسببه، ومن اجل ضمان
أمنه، ويتكبدون فيها الخسائر الضخمة على غير صعيد، كما هو حال
الحرب الأمريكية على العراق، بل بات يحتاج الى حراستهم اليومية
بعد أن قدّم نفسه كمخفر حراسة لمصالحه.
وتزداد اهمية البعد العالمي للحقوق الفلسطينية،
وحق العودة على رأسها، أن العالم كله يمر بمتغيّرات استراتيجية
كبرى على جميع المستويات، وفي شتى المجالات، وان ما كان
مستحيلاً قبل عقود بات ممكناً اليوم، وان ما كان اسطورة لا
تقهر كالعدو الصهيوني وحليفه الامريكي قبل سنوات بات ظاهرة
مرتبكة يتداول في شأنها الكثيرون خصوصاً بعد الهزائم المتلاحقة
على يد المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق والصومال
وافغانستان.
اما ثالث الاسباب التي يمكن ايرادها في معرض
ابراز اهمية هذا الملتقى، فتكمن في مكان انعقاده، بعد الحديث
عن زمان الانعقاد. فدمشق لا تكتسب هنا فقط اهميتها من أن
قيادتها قد اثبتت بعد نظر في خياراتها الاستراتيجية الكبرى
خاصة بعد احتلال العراق ، ولا في كونها تعرضت، وما تزال، الى
ضغوط وتهديدات وتفجيرات وغارات بهدف ثنيها عن هذه الخيارات
فحسب، بل ايضاً لأن الحديث عن حق العودة في دمشق حديث صافٍ
خالٍ من التباسات سياسية ورواسب عنصرية ربما تجعل من الحديث
عنه ستاراً لنوايا تضمر رغبة بالتخلص باي ثمن من الاخوة
الفلسطينيين ولو حتى أدى الأمر الى تهجيرهم وتشتيتهم في بلاد
الله الواسعة بذريعة مقاومة التوطين.
فالفلسطينيون في سوريا يتمتعون بكل حقوق
المواطن السوري ما عدا الانتخاب والجنسية، والوجود الفلسطيني
في سوريا لا يشكل تهديداً للنسيج الوطني والاجتماعي لبلد كبير
راسخ في وحدته الوطنية، عميق الايمان بعروبته وعقيدته، ولذلك
فحين يسعون مع اخوانهم السوريين الى "حق العودة" فانما يفعلون
ذلك احقاقاً لحق، وازهاقاً لباطل، وايمانا بوطن والتزاماً
بهوية قومية.
لذلك نجحنا، وفي اسابيع قليلة، أن نلمس استعداد
العشرات من هيئات اساسية وكبرى في الامة والعالم لمشاركتنا في
الدعوة الى هذا الملتقى، وان نرى تجاوب المئات من الشخصيات
والاحزاب والجمعيات التي تشارك في الملتقى، بل أن نرى الغالبية
الساحقة من الوان الطيف الفلسطيني تسارع الى احتضان الملتقى
والسعي لانجاحه.
ولعل سر النجاح في هذا كله، يعود ايضاً الى
شعور عارم لدى الجميع بضرورة استعادة الصورة الحقيقية لقضية
فلسطين، كقضية شعب مشرد، وحقوق مغتصبة، من خلال تسليط الاضواء
على العناوين الرئيسية لهذه القضية التي تبدو هذه الايام باهتة
امام عناوين من نوع آخر، هي عناوين الانقسام والاحتراب
المرتكزة على رهانات خائبة وتخليلات خاطئة.
فاذا نجح ملتقانا هذا العام في دمشق من اجل حق
العودة، كما نجح ملتقانا العام الفائت في اسطمبول من اجل
القدس، فاننا امام ملتقيات ثالثة ورابعة وخامسة حتى يتحقق بناء
شبكة عالمية من اجل فلسطين، بل جبهة عالمية من اجلها.
فملتقى دمشق لحق العودة هو تتويج لجهود متكاثرة
ومتناثرة في كل الارض الفلسطينية والعربية وخارجها، تماماً كما
هو خطوة نوعية باتجاه تكامل هذه الجهود وتلازمها ودعم
مبادراتها وآليات عملها.
فهل ننجح في مسعانا، وأمامنا ايام تفصلنا عن
موعد الملتقى الذي يغص برنامجه بآليات الفكر والعمل والابداع،
وتمتلأ اروقته بطاقات حرة من داخل فلسطين وخارجها.
|