|
من الغبار القاتل الي حرق الاشجار: ابادة الحياة في العراق
هيفاء زنكنة
استوقفتني، أخيرا، علي أحد
مواقع الانترنت الفقرة التالية (تجلي المنظر الطبيعي تدريجيا
عن سيمفونية مكتوبة لحريق متوهج، حيث اختلط صوت الحريق الشامل
لحرش عيدان القصب برائحة الدخان الكثيف الاسود الذي ملأ
السماء. وسط هذا الجحيم ، المخطط له سلفا، بألحانه الراقصة،
وقف اثنان من جنود المارينز المسؤولين عن حرق الاشجار والاحراش
في المنطقة المحددة ليتأملا كيف تحولت الاشجار الي رماد ناعم).
هذا الوصف بألفاظه الجميلة
ليس قصيدة او نصا ادبيا بل انه خبر نشر في صحيفة اخبار جنود
المارينز في العراق، بتاريخ 5 شباط (فبراير) 2004، عن عملية
الحرق المتعمد لاشجارنا وأجماتنا تحت مختلف الاعذار ومن بينها
تنظيف المناطق المحيطة بقواعد الاحتلال حماية للقوات الامريكية
ولمحاربة (الارهابيين).
والمنطقة التي استهدفتها
قوات الاحتلال حرقا في الوصف اعلاه هي المنطقة المحيطة ببحيرة
الحبانية، المصيف الاخضر الجميل الذي كان العراقيون يقصدونه
للاستجمام بعيدا عن حر بغداد، خاصة ايام الصيف. كما امتدت
نيران العدو الامريكي الحارقة لكل ما هو حي الي بساتين ديالي
المشهورة باشجار الحمضيات من البرتقال والليمون. اما في بغداد
فقد اتبع العدو سياسة اجتثاث الاشجار في كل منطقة يشك في
ولائها لوجوده ووجود عملائه مما جعل مدينة بغداد باشجار نخيلها
الباسقة في الساحات العامة ووسط الشوارع والتي صرفت ميزانية
كبيرة علي اعمارها وتشجيرها علي مدي العقود، جرداء تشكو جفاف
البيئة وتلاشي اللون الاخضر.
ولأن المحتل الامريكي لا
يختلف بطبيعته المدمرة عن أي محتل آخر عبر العصور فانه كما فعل
المحتل الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية، وكما فعل عندما رش
السموم علي المزارع والغابات في فيتنام، لا يأبه بنتائج جرائمه
قصفا وقتلا وتشريدا، ولا يكتفي باقتلاع الاشجار وقتل النبات بل
يهدف بآلات تدميره الي ابادة حياة الانسان بمختلف الطرق
المباشرة وغير المباشرة. ومن بين اسلحته المدمرة التي استخدمها
لقصف المدنيين في العراق الفوسفور الابيض والقنابل العنقودية
والنابالم المتطور فضلا عن اليورانيوم المنضب القاتل الخفي
البطيء. حيث لا تزال اراضينا ومياهنا ملوثة باليورانيوم
المنضب، وستبقي كذلك علي مدي ملايين السنين، ما لم يسارع كل
فرد ذو ضمير بالصراخ منبها الي خطر وجود الاحتلال كسبب رئيسي
للبلاء ودفعه الي الاعتراف بجريمته وتحمل مسؤولية تنظيف البلاد
من اسلحته الفتاكة بشريا وبيئيا وبالتعاون مع المنظمات
العالمية والانسانية جالبا الانظار الي حجم الكارثة المستشرية
موتا يترصد بحياة ابنائنا واحفادنا.
ومثل كل (انجازات الحكومة
العراقية) الاخري وفي كل المجالات يبقي اهتمام الحكومة بالبيئة
وبأحسن الاحوال مجرد الفاظ وتصريحات ووعود يغلب عليها طابع سين
المستقبل وتشكيل اللجان لذر الرماد في العيون. وفي حالات
استثنائية نادرة قد يحدث ونسمع تصريحا يقارب الحقيقة ثم يقوم
الوزير او المسؤول بنفي التصريح، كما حدث مع الوزيرة التي هربت
الحقيقة من بين شفتيها خطأ لتعلن عن عدد النساء المعتقلات ظلما
في سجون الاحتلال ثم عادت وبلعت التصريح في اليوم التالي عندما
ادركت ان لقول الحقيقة ثمنا قد يكلفها منصبها. من بين الحالات
النادرة التي اقترب فيها مسؤول في حكومة الاحتلال من كشف جزء
من الحقيقة حديث نرمين عثمان، وزيرة البيئة، لاول مرة، في
اجتماع لجامعة الدول العربية عقد في القاهرة بتاريخ 23 تموز
(يوليو) 2007، الذي اعترفت فيه، بعد ان بات الصمت مضحكا، عن
استخدام القوات الامريكية لسلاح اليورانيوم المنضب خلال حملة
الترويع والصدمة في عام 2003 لتربط ، ولاول مرة ايضا، بين
استخدامه وازدياد حالات الاصابة بمرض السرطان بين العراقيين.
ذكرت الوزيرة ان هناك 350
موقعا ملوثا نتيجة القصف الامريكي وان هناك 140 ألف اصابة بمرض
السرطان كما تسجل 7 ـ 8 آلاف حالة جديدة كل عام. وبينت عثمان
ان من بين الاسباب الملوثة للبيئة تدمير المحطات وحرق المواد
الكيمياوية اثناء القصف وان كانت النتائج البيئية غير واضحة.
وان العراق بحاجة الي المختبرات لرصد درجة تلوث الهواء والماء.
وانه لم تجر اية عملية تنظيف او توعية عن التلوث في العراق.
وهذه هي المرة الاولي التي يتحدث فيها مسؤول حكومي عراقي عن
اليورانيوم المنضب. اذ غالبا ما يرفض المسؤولون الحديث عن
الموضوع خشية اثارة غضب الادارة الامريكية الرافضة بشكل مطلق
الاعتراف بمسؤوليتها عن جرائم التلوث والتشويهات والموت البطيء
الناتج عن الاصابة بالامراض السرطانية علي اختلاف انواعها
واكثرها شيوعا بين الاطفال والنساء.
وللاطلاع علي الصورة
الحقيقية لاستخدام اليورانيوم المنضب في العراق واسباب عدم
اهتمام وزارة البيئة بالتلوث الاشعاعي وتأثيره علي الصحة
البشرية، يجدر الاطلاع علي كتابات د. سعاد العزاوي المعروفة
ببحوثها في مجال تأثير اليورانيوم المنضب علي البيئة والصحة
عموما، والتي واظبت علي اجراء البحوث الميدانية فيها ونشر
الاوراق الاكاديمية منذ منتصف التسعينات. حيث تذكر في خلاصة
تقرير مفصل لها يمكن قراءته علي موقع
Bruels tribunal،
ان امريكا وبريطانيا استعملتا سلاح اليورانيوم المنضب ضد
السكان والبيئة في العراق منذ عام 1991 وحتي الآن. وان قوات
الاحتلال ترفض عمدا الكشف عن كميات اليورانيوم المستخدم
وانواعها كما ترفض الكشف عن مواقع استخدامها لئلا يبحث باتخاذ
الاجراءات لتقليل اضرار اشعاعاتها ضد الصحة. وتذكر العزاوي ان
قوات الاحتلال منعت منظمات الامم المتحدة من اجراء اي برنامج
لتقدير المخاطر الصحية علي حياة المواطنين نتيجة الاشعاعات
الضارة كما منعت اصدار اية ارقام او احصائيات من قبل وزارة
الصحة بعد الاحتلال كجزء من تغطية الجريمة المرتكبة. وان
البحوث الميدانية والمعطيات للعديد من الباحثين المستقلين
اثبتت بما لا يقبل الشك وجود التلوث الاشعاعي في كل مناطق
العراق تقريبا باستثناء المنطقة الشمالية من كردستان. كما
اثبتت نتائج البحوث المنشورة عن البصرة وجود علاقة واضحة بين
التعرض لاشعاع اليورانيوم وتضاعف حالات السرطان والتشوهات
الخلقية. وتكشف البحوث حقيقة مخيفة مفادها ان تأثير الاشعاع قد
ادي الي تغيير تركيبة الجينات والكروموسومات لدي جنود العدو
المقاتلين في حرب الخليج الاولي.
وتساعد المنظمات العالمية
المناهضة للاحتلال والعراقية الناشطة خارج الوطن علي التذكير
بجرائم الاحتلال ومسؤوليته ازاء الشعب العراقي. من بين هذه
المنظمات (تضامن من اجل عراق مستقل وموحد) التي ستقيم امسية
يوم 3 آذار (مارس)، في جامعة لندن، عن مضار تلوث البيئة في
العراق بعنوان: تحت الاحتلال، من الغبار القاتل الي الحرق
المتعمد ..ما الذي بامكاننا عمله؟ حيث سيتم عرض فيلم وثائقي
علمي عن اليورانيوم ومناقشة الخطوات التي يجب اتخاذها للمساعدة
في التوعية ومحاولة الاجابة علي سؤال ما الذي بامكاننا عمله؟
وما هو الحل؟
توصي العالمة سعاد ويتفق
معها العديد من الخبراء العالميين في المجال ذاته بان علي قوات
الاحتلال ان تسمح لمنظمة الامم المتحدة باجراء برنامج استكشافي
كامل لتقدير ما اصاب الصحة والبيئة نتيجة استخدام هذه الاسلحة
منذ عام 1991. علي قوات الاحتلال توفير كل المعلومات الضرورية
عن انواع وكميات ومواقع اليورانيوم المنضب وان تسمح لمنظمة
الصحة العالمية باجراء مسح صحي شامل لقاطني المناطق الملوثة
لمعرفة عواقب التعرض لليورانيوم.
ان تساعد قوات الاحتلال في
ادارة المواقع واخلائها من المركبات والآليات وايجاد آلية
شاملة لتنظيف المواقع الملوثة. فتح ابواب البحوث والدراسات ذات
العلاقة ونشر الاحصائيات ذات العلاقة بجرائم الاحتلال فضلا عن
التحقيق في مسؤولية الادارات المتعاقبة والعمل عالميا لمنع
استخدام اليورانيوم مستقبلا ضد الشعوب.
ان استمرار تعرض الشعب
العراقي الي اشعاع اليورانيوم المنضب من المواقع الملوثة هو
جريمة ضد الانسانية وذلك لتأثيراته الصحية الضارة علي المدنيين
في المدي البعيد وبعد انتهاء العمليات العسكرية.
وهي جريمة ستكلفنا ملايين
الارواح ان لم يسارع كل فرد يحترم الحياة الانسانية بالعمل علي
ادانة جريمة الابادة الشاملة هذه وتحميل ادارة الاحتلال
مسؤولية ازالة التلوث وهي المسؤولية التي تعمل ادارة الاحتلال
علي طمسها خوفا من فضح جسامة جريمتها ودفعها تكلفتها
الاقتصادية الهائلة
2008-01-26
|