![]() |
|
|
|||||||||||
|
|
|
|
|
|
|
||||||||
|
|
|
||||||||||||
|
|
|
|
|||||||||||
![]() |
|
||||||||||||
|
|
||||||||||||
|
|||||||||||||
|
|
|||||||||||||
|
المقابلة الثامنة والخمسون مع وكالة الأنباء الاسلامية العراقية حزيران (يونيو) 2011
أجرت وكالة الأخبار الإسلامية العراقية بتاريخ 12 رجب الأغر 1432ه المصادف 13 حزيران(يونيو)2011م حواراً شاملاً مع سماحة الأخ المرجع القائد أحمد الحسني البغدادي في مكتبه بدمشق، وقد سلط فيه الضوء حول السياسة والعقيدة والشريعة مشدداً على قناعاته الثابتة بانتصار أبناء الأمة وتركها للموروث الديني المحرف، ويرى أن تأطير المذاهب باتفاق مسبق غير موقع تحريراً بين السلطان الغصبي من جهة، والفقيه المزعوم من جهة ثانية، ضَمِنَ صمت ذاك الفقيه صمتاً مطبقاً عن هموم المسلمين واضطهادهم من قبل الولاة المفسدين، فأصبح المسلمون نتيجة هذا التأطير المذهبي مسلوبي الارادة، مشلولي الفعل!.. ومؤكداً على هذه الامة، التي تعيش في عصر مؤامرة العولمة والحداثة والفوضى المنظمة، اذا أرادت أَنْ تحقق بناء مشروع مجتمع الدولة الواحدة، والأُمة الواحدة، والسلطة الواحدة، فحريٌ بها أَولاً وآخراً أَن تواجه بكلِّ حزم وصلابة الرباعي المشؤوم: الاستغلال، الاستعمار، الاستعباد، الاستحمار . وهذا نص الحوار: س: يرى بعض خصومك أَنَّ مشروعك الجهادي المقاوم لم يكتب له النجاح؟ ج: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين: انا اعتقد ان تصدي المقاومة العملياتية الميدانية وصمودها قد نجح نجاحاً اسطورياً بهزيمة القوات العسكرية الاميركية المحتلة بوصفها تجاوزت المنطقة المأمونة عِبْرَ فوضاها المنظمة الخلاقة، حتى غفلت عن الله، كما غفلت عن القدر والأجل، لهذا قررت نهاية القيادة السياسية الاميركية وجيشها الذي لا يقهر، في نهاية المطاف انسحاباً مرحلياً من العراق بوصفه بلد الانبياء والمقاومة، بلد الحضارة والقيادة، بلد الدائرة النبوية الكونية التاريخية الجغرافية منذ الفيض البشري الثاني. وهنا نسترجع ما قاله بول كندي صاحب كتاب: «نشوء وسقوط الدول العظمى» قبل بدء العدوان على العراق، في مجلة الفاينشال تايمز: إِنَّ أميركا تؤتى بالسلاح الذي لا تتوقعه، «إسرائيل» تؤتى الآن بالعمليات الانتحارية . إِنَّ اسلحة بسيطة بدائية ربما تؤدي الى سقوط القوة الاميركية» . المقاومة الباسلة حققت انتصاراتها ذات البعد العالمي، فقد اوقفت مخططاً اميركياً توراتياً استهداف المنطقة. واستطيع ان اقول لك وللآخرين: إنني أؤكد، دون أَيّ تردد: لولا مقاومتنا الاسلامية في بلاد الرافدين لكانت جيوشها تسرح وتمرح اكثر من عاصمة عربية واسلامية . س: أنت تتجاهلُ مَنْ يحاربونك وينتقدونك .. هل هذا يعمق الخلاف ؟ ج : في البدء أنا على نهج معلم الثوار أبي ذر الغفاري رحمه الله، وقد قرأت عنه شيئاً كثيراً، فتأثرت بشخصيته الملتزمة، وأُشاركه، أُفقياً وعمودياً، صرخاته الثورية في سبيل مستضعفي الأُمة، التي هزت اركان الخلافة الراشدة في مدينة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، ومدينة بني أُمية في ربوع الشام، فهو دائما يثور، يصمد، يتصدى في سبيل المحرومين والمعذبين ضد نهج الخليفة، ويمسك بيده عظاماً يجدها في ازقة المدينة، ويحملها اليه صارخاً في وجهه: «يا عثمانُ! إِنَّك انت السبب في فقر الفقراء، وغنى الاغنياء» . بسبب تلك الروح المتألقة التي يشتدُّ غضبها حين ترى ظلماً فاحشاً، نفاه الخليفة عثمان الى الشام تخلصاً من انتقاداته اللاذعة، حيث يرى بأم عينه معاوية بن أَبي سفيان يجلس في قصر أخضر يناطح السحاب، بين أَكواخ الفقراء والمساكين فيصرخ غاضباً في وجهه هو الآخر: «يا معاوية إِنْ كان هذا القصر من مالك فهو إسراف، وإِنْ كان من مال الناس فهو خيانة» . من هنا .. بقى ابو ذر الغفاري صلباً عنيداً، وحيداً في الساحة، فنفاه الخليفة الى الربذة، ليموتَ فيها غريباً !.. بعد أن اتهموه بالإرتداد، وزرع الفتنة، والعصيان، والتمرد على الشرعية والمرجعية، فكان هذا الطريق هو الطريق الوحيد للتخلص من خطورة وجوده . ومن هنا .. أجدُ نفسي على نهج هذا البطل المغوار، فلا أحدَ في هذا الكون يجدُني تركت لحظةً من لحظات حياتي خطاباً إسلامياً ناقداً رموزَ «المرجعية الدينية»، الذين يطيعون التقاليد والعادات والارباب والايديولوجيات الليبرالية الاسلامية المعروضة في الساحة العربية والاسلامية، مدعومة من الولايات المتحدة الاميركية، يروجون ثقافة اللاعنف، لا يؤمنون بجهادٍ مسلحٍ يستهدف تقويض مشروع الفتنة، الذي تقوده اميركا و«إسرائيل» في المنطقة وفي العالم، ومساندة هذه المشاريع الانجيلية الاصولية ــــــ التوراتية الصهيونية مؤامرة مدروسة .. إِنها مخالفة أَخلاقية وشرعية .. تتغذى بكلِّ الجيف التي تقدم اليها. وهذا بخلاف المخدوعين ممن أَعرضتُ عنهم مهما إِنتقدوني، فأمطروني بوابل من شتائم معرفية، من مفرداتها المحاكاة القردية، المؤسسات الببغاوية، المضخات الممجوحة، الاميون والمتطفلون والمهووسون .. باختصار أعفو عنهم مهما يشتموني لا أَستخدم ضدهم مفردات التجريح والتهميش، أو التحقير والتحطيم، لأنَّهم لا يعرفون الحقيقة الواقعة، ولا يدركون ما يدور خلف الأَبواب المغلقة من تآمر عليهم، وعلى أُمتهم من خلال استحمارها واستغلالها، ومن خلال استعمارها واستعبادها باسم الحرية والاصلاح والديمقراطية !.. ارجو ألاَّ يلومني أحد على هذا النقد الهادف، وعلى هذا الموقف الذي لا رجعة عنه، ان اريد الا الاصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أُنيب . س: من خلال فتواك بعدم «إلحاد» الشيوعيين المسلمين، يشعر البعض أنَّك معجب بكثير من التعاليم اللينينية الماركسية ما مدى صحة هذا الشعور ؟.. ج: وجه أَحد الطلاب الجامعيين سؤالأَ كهذا الى الشهيد الدكتور شريعتي قائلا له : قد يشعر البعض انكم معجبون جداً بالدين البوذي من خلال مطالعاتهم لكتابي الصحراء (كوير)، ودرس (بوذا)، وقد أعجبت كثيراً بجواب على ذلك السؤال؟ إذ قال بالحرف الواحد، نعم فانا «سني المذهب»، «صوفي المشرب»، «بوذي ذو نزعة وجودية»، «شيوعي ذو نزعة دينية»، «واقعي ذو نزعة خيالية»، «شيعي ذو نزعة وهابية»، وغير ذلك ... اللهم زد وبارك !.. س: كيف ينظر سماحة الأخ المرجع القائد الى تأسيس المذاهب الاسلامية المختلفة، وما هو الهدف منها في تلك الحقبة الزمنية ؟.. ج: لقد أُغتصبت الدولة الراشدة العادلة، وقعت تحت جور خلفائها الدكتاتوريين، فعجز الفعل الرسالي الثوري المقتدر لدى أبناء هذه الأُمة عن إعادة الأُمور الى نصابها الذي كانت تقوم عليه في العهد الراشدي . ابتدع بنو العباس طبقة من الفقهاء، وحوَّلوهم مع مرور الزمن الى مجموعة مدارس، ثم الى مذاهب مؤطرة بأربعة أَئمة كبار وهم أموات، واوجبوا الرجوع الى فتاويهم وآرائهم، يعاقب كل مَن يتصدى لمخالفتهم، أو يمتنع عن الرجوع اليهم، وهذه بدعة مستحدثة لم تكن قائمة في حكومة النبي محمد (ص)، ولا في الخلافة الراشدة، ولا في سلاطين بني أُمية، والاسباب الرئيسية لهذا التأسيس تعود إلى : أولاً : لا يمكن التحكم في مسيرة المسلمين أو التسلط عليهم بحال من الأحوال، لأَنهم، حين يحسون أَن ظلماً يصيبهم، أو أَنَّ خطراً من أحد ولاة السلطان الغصبي يداهمهم، يعطلون اعمالهم، ويغلقون محلاتهم، ويهرعون الى مسجدهم الكبير يصرخون ويستغيثون بالسلطان الغصبي لتنحية الوالي الظالم، أو مساءلته أَمام القضاء الشرعي!.. وثانياً : حَدَث تأطير المذاهب باتفاق مسبق غير موقع تحريراً بين السلطان الغصبي من جهة، والفقيه المزعوم من جهة ثانية، ضَمِنَ صمت ذاك الفقيه صمتاً مطبقاً عن هموم المسلمين واضطهادهم من قبل الولاة المفسدين، فأصبح المسلمون نتيجة هذا التأطير المذهبي مسلوبي الارادة، مشلولي الفعل !.. وثالثاً : لو كان لديَّ مزيد من الوقت لك لإستعرضت معك كثيراً من العوامل والأَسباب عن منشأ إِختلاق هذه المذاهب . وباختصار: أكشف لك سراً لم أَبُحْ به مِن قبلُ ... إنها منتج «يهودي» في سبيل تمزيق الوحدة المتراصة بين أبناء الأُمة، لذا نوَّهْتُ في خطاب لي في المؤتمر القومي العربي المنعقد في الجزائر عام 2005م، ... قلت بالحرف الواحد : « منذ صباي اتحفظ على كلمة هذا سني وهذا شيعي، فاذا أرادت هذه الأُمة المرحومة ان تنتصر على العولمة الرأسمالية الامريكية المتوحشة وَجَبَ عليها أَنْ تزيلَ الانتماءات المذهبية من الاساس، وأنْ تؤسسَ اسلاماً عروبياً بلا مذاهب» . س: أَرى أنَّكَ لم تطرح المذهب الجعفري إسوةً بالمذاهب الأَربعة الرسمية الأُخرى، أَتراكَ تتردد في إِلافصاح عن موقفك هنا خشيَّة من فقهاء «المؤسسة الدينية الشيعية» وتشهيرهم بكَ، وعودتهم الى إسقاطك؟.. ج: في تلك الحقبة الزمنية لم يَتُمْ اعتراف بخط اهل البيت الطاهر، لأنَّه خط ثوري يعارض السلطان الغصبي، أمَّا بعد غيبة الإمام المهدي المنتظر، فقد حاول متأخرو فقهاء الشيعة أن يطلقوا على هذا الخط المعارض اسم «المذهب الجعفري» على غرار المذاهب السنية الاسلامية . ــــــــ كيف .. ولماذا ؟!.. * في سبيل ان يثبتوا لأبناء الامة انهم كبقية ائمة هذه المذاهب في معالم المدرسة الاسلامية، فأدى عملهم هذا إلى اضافة نتاجات فتنوية تؤدي دوراً يفتت كيان هذه الأُمة المرحومة الواحدة الى فرق ومذاهب متصارعة متقاتلة، يكذِّبُ بعضها البعض الآخر، ويكفِّرُ كلُ منها الآخر. قد تعترض عليَّ مرةً ثانيةً .. لماذا وكيف ؟.. لانهم، على سبيل المثال لا الحصر، لا يسبلون أَيديهم حين اداء فريضة الصلاة .. ويعتلون دم الانتقام في وجوههم، لأَنَّ اولئك يسجدون على «تربة حسينية»، وهؤلاء لايسجدون عليها. كذلك من خلال التركيز على حديث «الفرقة الناجية» على غرار مقولة : «شعب الله المختار» . من هنا أُحذر جمهور المسلمين ممّنْ يزعم أَنَّ التعددية «المذهبية»، والتقريب بين المذاهب الإسلامية هي إثراءُ للاطروحة الفقهية الاسلامية، وبناء الوحدة الاسلامية المنشودة . س: في رأيكم ما هو السبيل لتطويق الخط التكفيري ؟.. ج: هناكَ منْ يزعم أَنَّ اهل السنة والجماعة من :«النواصب»، وأَنَّ الشيعة الامامية من «الروافض»، هذه الأفكار إنْ هي إلا وليدة التطرف «المذهبي» الموروث، انتج بدوره نزعة ارتدادية تكفيرية طالت الأُمة بكلِّ مكوناتها المختلفة، وتبعاً ذلك تجذرت ثقافة الفرقة والاحقاد والضغائن بين مسلمي الفريقين، وحسب مقتضيات الحراك السلطوي، واذا أرادت هذه الامة، التي تعيش في عصر مؤامرة العولمة والحداثة والفوضى المنظمة، أَنْ تحقق بناء مشروع مجتمع الدولة الواحدة، والأُمة الواحدة، والسلطة الواحدة، فحريٌ بها أَولاً وآخراً أَن تواجه بكلِّ حزم وصلابة الرباعي المشؤوم: الاستغلال، الاستعمار، الاستعباد، الاستحمار، وأَن ترجع الى شعارها الرسالي القديم الذي اتخذه رجالات الاسلام الاوائل، أي: شعار محاربة الطواغيت، كلّ الطواغيت، السياسيين، والفكريين، والاقتصاديين، وألَّا يفرقوا بين طاغوت «سني» او «شيعي» على حدٍ سواء، وبالتالي تستطيع هذه الأَمة أَن تحقق طموحاتها، وتحافظ على منجزاتها بشكل يُحيرِّ كُلّ المتعصبين، وعُبَّاد المذاهب الجامدين المتطرفين . س : ماهي مشكلة الاسلام الأصولي مع الاحتلال الاميركي في حين يقوم تنسيق مع الاسلام الليبرالي في العراق؟.. ج : حيث لا يمكن للإسلام الثوري القائد الانخراط الى كومة مضطهدي أبناء أُمتهم مع احتلال العوالمة المتوحشة على حساب الوطن والمواطن ويوصلون هذا الاضطهاد الى النقطة التي تبرز تدميره واحتلاله سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً حيث تكون اللامساواة بين الفقراء والمهمشين والمشردين حين يعطون لأَنفسهم حق المشاركة الفعلية في حفلات فتات نهب ثروات الوطن التي تنظمها سلطة موظفي الاحتلال عبر مقراتهم ومكاتبهم وعلى حساب الوطن المذبوح، الذي يتجذر فيه التوتر الإثني الديني الطائفي والمذهبي او العنصري، والذي نجد تعبيره في قوانين الحاكم المدني بريمر المشهور بالحيل الابليسية، والذي قدمه لاستئناف بناء الدولة، وقد فاقمت فقدان الأَمن والأَمان والدمار والبوار، الذي يمكن إقتفاء أثره في القوانين التي نفذها، والتي يمكن تسميتها بحسب «الفوضى الخلاقة» يرفعون هؤلاء صحة الاحتلال وشرعنته بشماعة القبول بــ«الامر الواقع السياسي والتوفيقي» هو صورة من صور الاستسلام والخنوع والتبعية الذيلية المذلة والمهينة تعود الى التكيف، وهو الطبيعة التي تزعم الليبرالية الاميركية الجديدة وعولمتها المتوحشة تمليكها للجماعة البشرية صراع الحضارات، ونهاية التأريخ، وصراع الاديان، وطبعتها في الاوطان العربية والاسلامية بــ «الفوضى العدمية». وبالتالي هل يمكن تسمية هؤلاء بـــ«الاسلاميين»، الذين دخلوا العراق تحت عباءة الغزو الاميركي التوراتي من الطبيعي هم النسخة المشوهة والمحرفة عن المثل الاعلى وعن مفاهيم الاسلام القائد، الذي هو الحل ليس كشعار فارغ من أيّ مضمون، بل كإنشاء أُطروحة سياسية فكرية اجتماعية، وتغيير الواقع العولمي الربوي الرأسمالي الاميركي، واصلاح لقضايا الأُمة، وتحقيقاً لأُطروحاتها في العدالة الاجتماعية . س : من وجهة نظرك هل تعتبر تنوع الاحزاب الاسلامية وتعددها ضرورة ملحة لبناء المجتمع المثالي؟.. ج : نعم .. شريطة أَلَّا تتحول الى مثل أَعلى، ولا يَصُحَّ أبداً أَن تتحول الى مطلق، كما لا يصُحُّ أَن تكون تلك المكونات والنظائر مطلقاً تحارب مِن أَجله هذه المكونات، بمعنى أنّ يصبح هذا الحزب أو ذاك هو الغاية في حد ذاته، المطلق الذي يجب أن تناضل من أجله كافة الأحزاب، وان تجاهد في سبيله يبقى هو ذاك المطلق الحقيقي الواقعي، يبقى هو الله خالق الكون والحياة والمجتمع . إِذن الاحزاب والتيارات والتشكيلات تبقى أسلوباً ووسيلة، بَيْدَ أَنَّ المطلق يبقى هو الله جل جلاله، لأنه ليس من نتاج هذا المكون أو ذاك، ليس افرازاً ذهنياً للمكونات، بل هو وجود مطلق في الخارج له واقع عيني له علمه، وله عدله، وله قدرته المطلقة، وبحكم كونه هو المطلق، إِذن هو موجود على طول الطريق، وهو نهاية التاريخ، وهو نهاية الحضارات، واذا انحرفت هذه المكونات، وهذه التشكيلات الجهوية عن خط الاستقامة، عن العمل الصالح، وتمسكت بأطروحات مصطنعة غريبة دونه تعالى، قد وصفها الله في كتابه الأَخير المحفوظ بانها )أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ( العنكبوت، آية 41 . إذن الحزب الاسلامي ، أيَّ حزب إسلامي، يجب أن يكون وسيلة لتكريس قيم الدين الإسلامي الحنيف ومبادئه الخالدة، وأن تكون كافة الأحزاب، إسلامية وغير إسلامية، التي ترفض العدوان على الوطن واحتلاله، هي الأخرى مجتمعة وسيلة لتكريس مقاومة الاحتلال والغزو غاياتها الرئيسة دحر العدوان والاحتلال وتحرير الوطن وإزالة كلِّ ما أحدثه العدو المحتل على التراب الوطن، ومن ثم تحرير إرادة الشعب، ليقرَّر بعد طرد المحتل ــــــــ لا قبل ذلك ــــــــ مَنْ يتولى حكمه وبناء مستقبله. س : بعد أَحداث الحادي عشر من ايلول الكارثي استخدمت الاستراتيجية الاميركية الاسلام الليبرالي السياسي في دعم مصالحها في المنطقة الاسلامية، كما صرح بذلك الشهيد سيد قطب، فجعلته إسلاماً اميركياً، كما نراه الآن نراه بالفعل في العراق وتركيا .. كيف ترى حل هذه الاشكالية ؟.. ج : نعم نتيجة الفوضى الخلاقة المنظمة أستخدم الأمريكان الاسلام الليبرالي ضد قوى التحرر الوطني الاسلامي ( احزاب، نقابات عمالية، جمعيات فلاحية، حركات اجتماعية، مثقفين ثوريين اسلاميين في القرية والمدينة)، وجعلت منه رصيداً احتياطياً تستخدمه حين يتطلب الامر الى ذلك، والاصطدام بالحركات التحريرية، التي تؤمن بالجهاد السياسي والفكري والمسلح، والاسهام في تعميم الاستحمار والخضوع للأمر الواقع، واستحضار الموروث الديني المنحرف من قعره التأريخي المضاف على السيناريو القائم على ثقافة المرجئة، والتصوف، والقدرية بترك الشؤون الدنيوية في سبيل الوصول الى نعيم الآخرة الأَبدي، وتسميم أجيال أبناء الأُمة، والناس العاديين البسطاء، والبيئة الخصبة هي: الفقر والبطالة والفساد والرشوة والأمية والاقصاء والتهميش... أنه التحالف غير المقدس بين الانظمة الرسمية الرجعية، وبين المؤسسات الدينية المذهبية وما تجرُّه على أَبناء الأُمة من سنن قديمة موروثة، ومن معتقدات خرافية تأريخية تنشرها مؤسسات إِعلامية رسمية وأخرى خفية ضخمة برؤوس أموالها النفطية وغير النفطية، بل وتراجعات وانقسامات تغرق في أنهار من الدماء، وجثث الضحايا من الاطفال والشباب والنساء والشيوخ، من خلال فرق موت سلحتها المخابرات «الاسرائيلية» والاميركية . س : أين تكمن المشكلة في عدم تصاعد المقاومة في العراق المحتل؟.. ج : المشكلة تكمن في أَنَّ المقاومة الوطنية والاسلامية مازالت في خطابها وأدبياتها السياسية والعملياتية تزايد على بعضها بعضاً، وتبرز أقوالها وافعالها، وتتربى على ثقافة الارهاب الطائفي ضد الآخرين، وتهميشهم، والغائهم... لا الحوار معهم، وايجاد التنسيق العسكري وغير العسكري بينهم على أُسس وثوابت ديمقراطية واضحة المعالم والابعاد، وبدلاً عن تعميق العلاقة الجدلية بين الفكر والعاطفة، وبين النظرية والتطبيق، تحترم العامل الزمني وتقدره، والجهد الفكري، وحرمة استغلال الإنسان المقاوم، واستباحة دمه، وسرقة ماله، نرى أنَّ هناك تسيباً وضياعاً واستحماراً وفوضى تنظيمية عارمة هي أقرب الى النزعة الطائفية والعقلية العشائرية الموروثة، التي تغدو فيها الكلمة القلقة لرجل فوقي، وتنفيذ أوامره تحت قاعدة شمولية «نفذ ولا تناقش»، الأمر الذي يؤدي إلى قتل المبادرات الشخصية على الصعيد الفكري والسياسي والعسكري، وبالتالي صارت جميعُها الاطراف تلعب في حلبة الصراع السياسي، كلٌ على شاكلته، تكثر اللغط السياسي، وغدت الساحة العراقية مسرحاً للمهاترات والمزايدات السوقية، والمساجلات الكلامية . س : هنا يقفز هذا السؤال إلى الذهن : أي المنهجين من وجهة نظرك أَفضل: النضال الاجتماعي الاصلاحي، أَم النضال الثوري في سبيل تغيير العقائد الموروثة السائدة في في عصر العولمة والحداثة ؟.. ج : أَتصور أَنَّ هناك مسارين لا ثالث لهما في العمل التغييري لتقويض التقاليد والعادات الاجتماعية الموروثة : المسار الأول : يجب على القادة الاجتماعيين المصلحين أنْ يعملوا على إزالة الظواهر التقليدية الخرافية العجائزية بطرق تدريجية حضارية شفافة، ذلك كله بعد تهيئة الاجواء المناسبة للمجتمع من خلال إعداد برامج ومناهج وندوات تثقيفية توعوية مدروسة ومبرمجة، لا يمكن تغييرها بين ليلةٍ وضحاها بوصفها تؤدي الى الهَرْج والمَرْج والاضطرابات الكبيرة، بل ترسِّخ الدكتاتورية والاستبداد الى ابعد الحدود . وأما المسار الثاني : يعمل القادة الاجتماعيون الثوريون على اجتثاث الظواهر التقليدية الموروثة الشاذة الغريبة من جذورها لأَنها عقبة خطيرة تحول دون تحقيق طموحات الأُمة وتطلعاتها الآنية والمستقبلية، وإلا تبقى الأُمة متخلفة لا حول ولا قوة على التغيير والتقدم والسعادة . س: الساكت عن الحق شيطان أخرس ـ كما في الحديث الشريف ـ نسأل: هل ينتقم الله منه في الدنيا، أم يعاقبه في الآخرة بسبب تفرجه على هذا الدمار والبوار والتسيب والضياع، الذي يصيب مستضعفي العراق في ظل الاحتلال والتابعين له؟.. ج: أن أية جريمة دموية، اقتصادية، أم اجتماعية، أو اخلاقية، في أي صقع من أصقاع الأرض، لا في ما يخص مستضعفي العراق وحدهم، يعتبر الانسان، أو المجتمع كلّه مسؤولاً عنها، يعاقب عليها عند الله تعالى .. بسبب سكوته وعدم استنكاره، وقد أكد ذلك القرآن الكريم عندما استعرض هلاك جماعة بشرية فأن وضع مرتكبي هذا الدمار والبوار والتسيب والضياع مع الذين رضوا به، أو سكتوا عنه ولم يردعوا وقوعه، أو يدينوا ذلك في إستنكار لئيم، وفي بطر ذميم. وحين عقر شخص ناقة النبي صالح (ع) غضب الله سبحانه على الجميع، وأسند ذلك العمل البغيض على القوم كلّهم، فقال جل جلاله: )فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ $ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ $ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ( . اذن لم يكن القوم الذين أبادهم الله الواحد القهار مشتركين فعلاً في هذه الجريمة النكراء، بل لم تساهم الاكثرية الساحقة، بل كانوا على الحياد، إلاَّ أنهم اشتركوا فيه بسكوتهم وتفرجهم وخوفهم على أَنفسهم في ظل وجود الظلم، والابتعاد عن المثل الأعلى، بل صرح الله تعالى للنبي شعيب ما معناه ـ إني أهلكت مائة الف من قومك عن بكرة أبيهم. أربعين ألفاً من المنحرفين، وستين ألفاً من المستقيمين. فسأله النبي شعيب (ع) باستغراب: ولكن لماذا معاقبة مَنْ هم في خط الاستقامة، والعمل الصالح؟!.. فقال تعالى: أنهم رأوا بأُم أعينهم الجريمة ترتكب، ولم يفعلوا شيئاً، وأن زعموا أنهم في « خط الاستقامة» و «العمل الصالح». وليس هذا سوى النتيجة الحتمية التأريخية الأَبدية المقررة الثابتة لهذه الأَمة المعاصرة . س: ماهي الاسباب الكامنة وراء ثورة الجماهير الغاضبة في تونس ومصر واليمن، في تقويض الأَنظمة الدكتاتورية، وهي تعلم علم اليقين انها تُقدِّم تضحيات جساماً على مذبح حريتها وكرامتها ؟.. ج: تكمن الأَسباب الحقيقية وراء هذه الانتفاضات الشعبوية، والاعتصامات الجماهيرية التي ينهض بها أَبناء الأُمة في تعمق الأزمات المتراكمة السياسية والاقتصادية، وعدم تكافؤ الفرص بين القَطاعات المسحوقة المختلفة، ويعود جزء منها، على ما أرى، إلى الخضوع لسياسات العولمة الربوية الاميركية الرأسمالية المتوحشة، وفتح الاوطان على مصاريعها أمام هذه السياسات الليبرالية ومخاطرها المرعبة دون رقيب أو حسيب، حسب توجيهات صندوق النقد والبنك الدوليين اللذين ينصحان تارةً ، ويصران تارةً أُخرى على الأنظمة على أن تتخلى عن واجباتها الملقاة على عاتقها تجاه شعوبها، اذا ما أرادت هذه الانظمة ان تطور« اقتصاداتها»، والتملص من إرث النظام الاقتصادي الموجَّه، الذي يؤدي دوراً فاعلاً في الصمود والتصدي الوطني والاسلامي، والمخاطر السياسية والعسكرية، التي تعرضت لها الأنظمة الوطنية المستقلة في المراحل السابقة، ومازالت حتى الآن تتعرض لضغوط حقيقية داخلية وخارجية من قوى ترعرعت في ظل المسار الليبرالي الاقتصادي الذي عجز عن حل الأزمات المستعصية حيث تمخضت سياسات الافقار والتجويع، والموت الاسود البطيء على حساب مستضعفي أَبناء الأُمة )وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ( سورة ابراهيم: 42 . س: وأخيرا أسأل: ما هو السلاح الذي ينبغي للانسان أَن يتمسك به اليوم، وماهو الخلاص من الابتلاء الذي يفاجئهُ، وهل هو محصورٌ به بعد أَن كشفت لي أَنَّ المقاومة قد انتصرت وافشلت المشروع الاميركي في المنطقة؟.. ج: التواصل مع الله، والانقطاع اليه تعالى في كُلِّ شيءٍ من أَشياءِ هذه الدنيا الفانية، والصبر على ما امتحنه تعالى به، ولا يحاول تحقيق طموحاته وتطلعاته، ولا الحفاظ على منجزاته ما يوجب زيادة انتكاساته بسوء اختياره، وهذا الامر لا يؤطر بالإنسان المسلم المؤمن الملتزم، بل يشمل كُلّ إنسان في هذا الكون، وهذا لا يخالف النص، ولأَضرب لك ذلك مثلاً يكون دستوراً ومنهاجاً، وذلك هو أنْ يبقى إنساناً لا خلاص له من الابتلاء تلو الابتلاء، والامتحان تلو الامتحان، باعتبار ايمانه وكفره يختلف ابتلاؤهُ وامتحانهُ .. وعند ذلك يتجاوز مرتبة الطُمأَنينة والعرفان، ويصل الى مرتبة الشهود والعيان، الذي يتوحد فيه العلم والعالم والمعلول، ويتجلى الحق لسد قلبه بالتجلي المثالي .. وعند ذلك يحس لذة الحضور الوجداني، والحب الاختياري، والقرب الملكوتي، ومن ثمَّ يعشق الحق الربوبي .. وعند ذلك يشتغل بالتجلي الفعلي ذي الدور الأَساسي في تكوين الوعي، والتغيرِّ الذاتي، والانقلاب الوجودي الحقيقي . - سماحة أية الله العظمى المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي بارك الله عمرك المديد شكراً جزيلاً على اللقاء وعلى هذه الروئ والتفسيرات الهامة، ونتمنى لكم التوفيق والنصر المبين . - شكراً لكم والله يحفظكم ويرعاكم لخدمة كيان المسلمين.
|
|
||||||||||||
|
الموقع الرسمي لمكتب سماحة آية الله العظمى المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله 2004-2011© |
|
|
|||||||||||
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
||||