|
أزمة
العملية الاجتهادية
بين التخطئة والتصويب
-
الحلقة الأولى
لسماحة المرجع احمد الحسني البغدادي
-
تمهيد في تحرير موضع النزاع
1- مبدأ التصويب .. ومناقشته
(أ) نظرية الاشاعرة ..
تمهيد في :
تحرير موضع النزاع :
لا خلاف بين الاوساط العلمية الا ما شذ على وقوع التخطئة في
الاحكام العقلية ، وان المصيب فيها واحد، والا لزم اجتماع
النقيضين .
ولا نزاع في وقوع التخطئة في الموضوعات الخارجية .. وان المصيب
فيها واحد كذلك .
ولا حوار في ان المصيب واحد في الاحكام التشريعية الضرورية ..
كوجوب أصل فريضة الصلاة ، وضريبة الزكاة ، ونحوهما ..
وأما الاحكام التشريعية اللاضرورية سواء كانت تكليفية ، أم
وضعية التي لا تفيد أدلتها الا الظن ، فقد اختلفت المدارس
الاسلامية في ذلك :
هل ان المجتهد مصيب دائماً .. أو انه قد يخطيء ، وقد يصيب ؟!.
.
وفي هذه الاطروحة ثلاثة مباديء أساسية :
1- مبدأ التصويب ومناقشته
(أ) نظرية الاشاعرة :
ذهبت أكثرية الاشاعرة الى خلو الوقائع والاحداث عن الاحكام
الواقعية ، وانها (أي الاحكام الواقعية) تابعة لنظريات
المجتهدين .. فالحكم الالهي يدور مدار نظرية المجتهد .
قال أبو حامد الغزالي :
(( فالذي ذهب اليه محققو المصوبة انه : ليس في الواقعة التي لا
نص فيها حكم معين يطلب بالظن ، بل الحكم يتبع الظن ، وحكم الله
تعالى على مجتهد ما غلب على ظنه ، وهو المختار ، واليه ذهب
القاضي ))(170) .
ان هذه النظرية تسمى بـ((التصويب الاشعري)) الا انه يمكن
تفنيدها بالادلة التالية :
الدليل الاول :
انها تلتزم الدور المستحيل .. بتقريب : ان الحكم الواقعي متوقف
على ظن المجتهد .. وظن المجتهد متوقف على ثبوت ذلك الحكم
واقعاً .
وهكذا يقرب الدور المستحيل بالنسبة الى العلم ، فلا يعقل ان
يؤخذ العلم بحكم في موضوع شخص ذلك الحكم الذي هو متعلقه ، وذلك
لان العلم بالحكم يتوقف على ثبوت الحكم واقعاً ( فان العلم
متفرع على ثبوت المعلوم ) .. وثبوت الحكم يتوقف على تحقق العلم
بملاك توقف الحكم على ثبوت موضوعه .. ضرورة ان العلم به موضوعه
، ولاجل هذا يمتنع تقييد الحكم بالعلم به .
الدليل الثاني :
كيف يزعم ان الاحكام الواقعية مختصة بظن المجتهد، (فان) هذا
خلاف البداهة والوجدان والاجماع .. وتشجبه اطلاقات النصوص
الدالة على وجود الاحكام الواقعية من دون اختصاصها بالعالمين ،
بل تشمل الجاهلين بها .
واما مقولة الشيخ الانصاري القائلة :
(( قد تواتر بوجود الحكم المشترك بين العالم والجاهل الاخبار
والآثار ))(171).
فلا اساس لها حيث لم يوجد نص واحد من النصوص .. فضلاً عن
المتواتر منها يدل على هذه المقولة بهذه الصياغة .
ولعل مقصوده (قدس سره) من النصوص المتواترة .. نصوص الاحتياط ،
والبراءة ، ونحوهما من ادلة الاصول العملية التي تدل بالملازمة
على هذه الدعوى ، فان ادلة البراءة (مثلاً) تدل على ثبوت
الاحكام للجاهلين والا لو كانت الاحكام متخصصة بالعالمين بها
فحسب لما كان أي معنى لأجراء البراءة في حق الجاهلين .
ولعل مقصوده كذلك بالنصوص الدالة على وجود الاحكام الواقعية
مطلقاً .
الدليل الثالث :
انها تستلزم اجتماع النقيضين .. بيد ان هذه المناقشة مبنائية
حيث ترد على مبنى المخطئة القائلين : بأن الله حكماً واحداً في
كل واقعة وحادثة .
وأما على مبنى المصوبة القائلين بتعدد حكم الواقعة الواحدة
بتعدد النظريات ، فلا أساس لهذه المناقشة .
الدليل الرابع :
ان القول بالتصويب يقتضي أن يكون قول المجتهد كقول المعصوم
(عليه السلام) حيث انه لا يخطيء ابداً .
الدليل الخامس :
وجود النصوص التشريعية (172)التي بلغت حد التواتر
المعنوي ، أو الاجمالي التي مفادها : أن الله سبحانه وتعالى في
كل حادثة حكماً معيناً .
الدليل السادس :
ان نظرية التصويب تنافي كتاب الله المحفوظ الاخير ، ونصوص أهل
البيت المعصومين :
قال الله تعالى :
(( فماذا بعد الحق إلا الضلال ))(173)
وقال سبحانه :
(( وان هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ، ولا تتبعوا السبل فتفرق
بكم عن سبيله ))(174) .
وقال عز وجل :
(( ومن لم يحكم بما أنزل الله ، فأولئك هم الظالمون ))(175)
.
وقال جل وعلا :
(( ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين
لا يعلمون ))(176).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :
(( اذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب ، فله أجران ، واذا حكم فاجتهد
فأخطأ ، فله اجر واحد ))(177) .
وقال امير المؤمنين علي (عليه السلام) :
(( ترد على احدهم القضية في حكم من الاحكام ، فيحكم فيها برأيه
، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره ، فيحكم فيها بخلافه ثم
يجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم ، فيصوب آراءهم
جميعاً إلههم واحد ، ونبيهم واحد ، وكتابهم واحد ، أفأمرهم
الله تعالى بالاختلاف فأطاعوه أم نهاهم عنه فعصوه ، أم أنزل
الله ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه ، أم كانوا شركاءه ،
فلهم أن يقولوا ، وعليه أن يرضى ، أم أنزل الله سبحانه وتعالى
ديناً تاماً فقصرالرسول (صلى الله عليه وآله) عن تبليغه وادائه
، والله سبحانه وتعالى يقول : (( ما فرطنا في الكتاب من شيء ))
وقال : (( فيه تبيان لكل شيء )) وذكر ان الكتاب يصدق بعضه
بعضاً ، وانه لا اختلاف فيه ، فقال سبحانه : (( ولو كان من عند
غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً )) ، وان القرآن ظاهره
أنيق وباطنه عميق ، لا تغنى عجائبه ، ولا تنكشف الظلمات الا به
)(178).
ان هذه الخطبة واضحة الدلالة لا تحتاج الى تفسير على أن الله
سبحانه وتعالى حكماً واحداً في كل واقعة .. باعتبار أن الله
واحد .. والنبي الكريم واحد .. والقرآن المجيد واحد .. لذلك
نرى ان الامام علياً (عليه السلام) ذم تصويب آراء القضاة
المتضاربة في واقعة واحدة ، ثم بين الامام علي (عليه السلام)
بعد ذلك انه :
اذا كان الامر هكذا ، فلا يجوز الاختلاف في الاحكام التشريعية
.
ولكن مع ذلك كله .. فان الامام علياً (عليه السلام) في الخطبة
يندد بتصويب آراء القضاة المختلفة في واقعة واحدة والذين مصدر
اختلافهم العمل بالرأي .. والقياس .. والمصالح المرسلة ..
|