أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف  
 

 

المقاومة العراقية والإستراتيجية المطلوبة

 

المقدمة

1- لم تكن المقاومة العراقية تختلف عن نظيراتها من تجارب حركات التحرر العالمية في دفاعها عن النفس وكفاحها ضد الاحتلال لنيل الاستقلال ,وإذا كان الغموض وحالة عدم اليقين اللذان اكتنفا ظروف انبثاقها وتوجهاتها وكذلك حجم إنجازاتها قد شكلت في السنين الأولى من الاحتلال أحد أهم أسباب نجاحها, فإن هذه الخاصية لم تعد طبقا لقانون المراحل التي تخضع له معظم تجارب المقاومة وحركات التحرر- تستجيب أو تنسجم مع المستجدات الحالية ثمة متغيرات جدية وعميقة طرأت على ما يمكن أن نطلق عليه "منضدة الرمل" أو بيئة الصراع في العراق،وهي متغيرات سياسية واقتصادية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.

2- الوقت والزمن في صالح الشعوب المنتفضة ضد الاحتلال , والزمن في صالح انتشار الوعي العالمي بعد أن ينضج هذا الوعي في الدول والساحات العالمية المناهضة للاحتلال , والزمن أعطى نتائجه الآن في مساحة الرأي العام الأمريكي فخسر بوش مرتين الأولى , خسارة أكثر مقاعد الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ والثانية , خسارة الانتخابات الرئاسية حيث خسر مرشحه الجمهوري هذه الانتخابات لصالح المرشح الديمقراطي بالإضافة إلى أن بوش أنهى حقبة حكمه بكوارث اقتصادية نتيجة الأزمة المالية والتي بان تأثيرها على الاقتصاد العالمي وبالتالي خسائره المادية والبشرية في غزوه للعراق بسبب ضربات المقاومة العراقية البطلة .

3- حين تقرأ أن القيادة العسكرية الأمريكية أثناء قيادة التحالف الدولي ضد العراق عام 1991 حرصت على أن يحمل كل جندي أمريكي نسخة من كتاب فن الحرب ( فن التكتيك والعمليات ) , وأن العقيدة العسكرية الأمريكية التي تم تحديثها عام 1996 استندت إلى نظرية ( الصدمة والترويع ) التي دشنها الخبير العسكري الأمريكي هارلمان اولمان حيث نشر كتابه Shok and awe:Achiering Rapid Domiance تلك العقيدة المستندة إلى الإستراتيجية التي انتهجتها الولايات المتحدة في غزو العراق .

4- الهجوم بالنار

وضح سن تزو المفكر العسكري الصيني في القرن الخامس قبل الميلاد قواعد الهجوم بالنار على العدو وهذه القواعد هي :

‌أ- أن تحرق جنود العدو في معسكراتهم ( ضرب قواعد الجيش الأمريكي ومعسكراتهم ) .

‌ب- أن تحرق مخازن الذخيرة والمؤن والوقود .

‌ج- أن تحرق وسائل النقل والإمدادات ( نصب العبوات الناسفة ونصب الكمائن واستخدام صواريخ اربي جي 7 ) .

‌د- أن تحرق أسلحة العدو ( ضرب مدرعاته ودباباته وعجلاته بالمقذوفات الخارقة ).

‌ه- أن تقذف بالنار بين صفوف العدو (باستخدام نيران الهاونات وصواريخ الكاتيوشا لإثارة الرعب بين جنوده ) .

5- من لا يعرف عدوه لا ينتصر عليه وسر نجاح حركات المقاومة وحركات التحرر العالمية في نصرها على عدوها في معرفة تفصيلية بطريقة تفكير الخصم ووضع الخطط الناجحة وبالتالي الخروج بإستراتيجية انتصار تتوج عمل المقاومة الوطنية وقد تستمر المعركة سنين طويلة تكون خاتمتها لصالح الأصبر على طول الثبات , وان الظفر مع الصبر .

6- اغلب حركات التحرر في التأريخ الحديث مرت بثلاث مراحل هي :-

‌أ- المرحلة الأولى

هي مرحلة الفعل ورد الفعل وهي مرحلة غير تنظيمية اعتمدت فيها على الفعاليات غير المبرمجة لكن غايتها تذكير المحتل بوجود مقاومة له وفيها يتم كسب التعاطف المحلي .

‌ب- المرحلة الثانية

هي مرحلة ظهور تنظيمات للمقاومة رئيسية وثانوية وفي هذه المرحلة تعمل المقاومة على كسب التعاطف الدولي وإسناد إقليمي على غرار ما حصل في دول أمريكة الجنوبية وإفريقيا عندما ناصرها الاتحاد السوفيتي سابقا والصين آنذاك , وكذلك إسناد مصر إثناء العدوان الثلاثي عليها عام 1956 وكذلك الثورة الجزائرية.

‌ج- المرحلة الثالثة

يقوم التنظيم المقاوم الرئيسي بتوحيد التنظيمات الثانوية للمقاومة ويضمها تحت جناحه وتظهر قيادة للعلن لها إستراتيجية سياسية واضحة مع المحتل .

7- في ذروة عمل المقاومة الوطنية بين عامين 2005-2006 جاء القرار الأمريكي باحتواء المقاومة العراقية وحرمانها من الخروج إلى المرحلة الثالثة بل ولعبت عوامل خطيرة أخرى على انشطار المقاومة على نفسها لتتوسع أفقيا وبالتالي حرمها من مرحلة جني مكاسبها السياسية .

8- حسب ما نعتقد أن أوجه تطبيق القرار الأمريكي باحتواء المقاومة الوطنية العراقية كان كما يلي :-

‌أ- قيام السفير الأمريكي الأسبق في العراق جون نكروبونتي (والمعروف بأشرافه على فرق الموت في دول أمريكا الجنوبية ) بتأسيس خلايا الموت ( المعروفة بخلايا نكروبونتي) المكلفة بتصفية عناصر المقاومة أو ضرب أهداف منتخبة للمقاومة الوطنية .

‌ب- إحداث فتنة داخلية مذهبية من خلال تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء في 22 شباط 2006 هذا الحدث أسس لمرحلة تأجيج الاقتتال الطائفي المذهبي والذي أدى إلى انحسار دور المقاومة واقتصارها على حماية نفسها من أدوات هذا المخطط أكثر من التأثير على القوات الأمريكية المحتلة وقد لعبة هذه الفتنة دورا كبيرا في تخفيض عدد العمليات المسلحة ضد الجيش الأمريكي .

‌ج- الوجه الأخر لتطبيق القرار الأمريكي باحتواء المقاومة هو أنشاء الصحوات ( التي ولدت في أسوء أيام الأمريكان في العراق) مع مطلع عام 2007 ونشأت كما هو معروف في محافظة الانبار هذه المحافظة التي ظلت خارج سيطرة القوات الأمريكية منذ الاحتلال وحتى الوقت المذكور أعلاه وقد رصدت الإدارة الأمريكية لها مبالغ ضخمة لشراء الذمم وشيئا فشيئا تمكنت هذه الصحوة من السيطرة على محافظة الانبار وبعدها عممت التجربة على المناطق الأخرى .

‌د- تعتبر منطقة أبو غريب عقدة المواصلات الرئيسية شمال غرب بغداد وعدم قدرت الأمريكان السيطرة عليها بفعل المقاومة الوطنية جعلها منطقة مؤثرة على طرق المواصلات وإمداد القوات الأمريكية سواء الطريق الواصل من الأردن إلى بغداد أو من مطار بغداد الدولي إلى مدينة بغداد وبالتالي لعب فيها قسم من الجيش الإسلامي دورا خطيرا ( ممثلا ب ثامر التميمي ) بإنشاء مجالس الصحوات في أبو غريب ومنطقة العامرية وحي الخضراء وبدأ بمقاتلة المقاومة الوطنية والحد من نشاطها بل وصل بهم الأمر إلى إسنادهم من قبل القوات الأمريكية .

‌ه- قامت الحكومة العراقية بتوجه أمريكي باستيعاب عناصر مجالس الصحوات في القوات الأمنية ( وزارة الدفاع , وزارة الداخلية ) كمرحلة لتذويب الصحوات لأنهم ( الأمريكان والحكومة ) لا يثقون بمنتسبي هذه الصحوات لأنه اغلبهم كان منضويا ويعمل تحت جناح المقاومة الوطنية العراقية .

9- كل هذا الذي كان يصب في المرحلة الثالثة من مراحل تطور المقاومة العراقية وهي كسب وجني ثمار العمل المسلح لردع المحتل من جهة وإجباره للإصغاء إلى شروط المقاومة الوطنية هذا الأمر لم يفلح ولم ينجح بسبب القرار الأمريكي باحتواء المقاومة مما أدى إلى تشويه صورة المقاومة الوطنية بعد حضور فصائل مسلحة ( تنظيم القاعدة ) إلى ميدان الصراع وما لعبته من دور في هذا التشويه وفقدان لمصداقية المقاومة الوطنية الشريفة وهذا يتطلب من تنظيمات الوطنية المقاومة الموجودة في الميدان أن تعيد تنظيم نفسها وتفكر بإستراتيجية عمل جديدة وواضحة المعالم .

10- الاستمرارية

استمرار المقاومة في عملها الجهادي والبطولي , ولاشك إن المقاومين في مختلف التجارب التي عاشتها الأمم والشعوب يضعون باستمرار الخطط والبرامج التي تمكنهم من تحقيق أهدافهم بخطى سريعة , ومن يلاحظ واقع المقاومة الوطنية العراقية يمكنه الخروج بالاستنتاجات التالية :-

‌أ- لقد حققت المقاومة العراقية في ميدان المعركة نتائج عظيمة أوقعت بالمحتل الخسائر الكبيرة التي لم يمكن يتوقعها بالرغم من ضخامة الآلة العسكرية والإعلامية الأمريكية .

‌ب- تمكنت المقاومة العراقية من خلق أجواء نفسية متعبة لجنود الاحتلال الأمريكي وهذا واضح باعترافات وزارة الدفاع الأمريكية التي تعبر عن حالت القلق والخوف التي يعيشها جنودهم وبالتالي يؤكد حجم التفوق العسكري للمقاومة في ميدان المعركة .

‌ج- تمكنت قوات الاحتلال الأمريكي من خلق حالة من التوازن المفقود حتى نهاية عام 2006 نتيجة ضربات المقاومة من خلال أيجاد مجالس الصحوات التي يعمل عناصرها بأجور وعقود وقتية لصالح قوات الاحتلال .

‌د- تحاول القوات الأمريكية العمل خلف خطوط القوات الأمنية العراقية ( قوات وزارة الدفاع و وزارة الداخلية ) والصحوات ومجالس الإسناد وتحويل المواجهة من أمريكية – عراقية إلى مواجهة عراقية – عراقية مما يساعدها على أعادة التوازن المفقود عند جنودها ويفسح لها المجال إلى ما يلي :-

أولا- تقليل الخسائر إلى الحد الأدنى .

ثانيا- أجراء عملية تبديل للقطعات العسكرية بشكل ملائم ودون أي ضغوط ميدانية.

ثالثا- تخفيف حدة التوتر و القلق النفسي الذي يعانيه جنود الاحتلال .

11- أن المقاومة أمام منعطف خطير وذلك, إذا ما نجح الأمريكان واستمروا في أعادة التوازن فهذا يعني خطف أهم مكتسب من مكتسبات المقاومة العراقية الوطنية وهو زرع الخوف والهلع في نفوس جنود الاحتلال وهذا يتطلب من المقاومة أن تستمر في عملياتها المسلحة ضد قوات الاحتلال وحرمانها من الوصول أو الاستمرار في حالة التوازن .

12- من الأخطاء التي وقعت فيها المقاومة هو اعتمادها على الكتمان ( الكتمان الناقص ) رغم وجودها في جميع الجوانب ذات الصيغة الأمنية إلا أن الأفراد المنضويين تحت لواء الجيوش والكتائب والسرايا والفصائل لم يهتموا بالأمن الشخصي بسبب أن غالبية المناطق التي تنشط فيها المقاومة لم تكن مخترقة من قبل قوات الاحتلال الأمريكي وهذا نابع من طبيعة البيئة الاجتماعية التي تعمل فيها المقاومة لأبناء العشائر والقرى مع هيمنة الروح البدوية رغبة للتفاخر الشخصي وهذا خطأ فادح وهذان العنصران ساهما في كشف الكثير من المقاتلين في اغلب هذه المناطق , وقد اتضحت خطورة ذلك بعد ظهور مجالس الصحوات بدعم أمريكي مستغلة ضعاف النفوس وسرعان ما قام بعض المنتسبين إلى هذه المجالس بتقديم معلومات عن رجال المقاومة فأصبحوا هدف مباشر لعناصر الصحوات والقوات الحكومية والأمريكية .

13- ضخامة الإنجاز وضعف الاستثمار

بالعودة إلى تجارب شعوب أخرى في المقاومة نجد أن العدد الهائل من العمليات العسكرية لفصائل المقاومة التي بلغت (أكثر من 200000 ألف )عملية منذ بدء الاحتلال حتى 2008، لا يمكن إلا أن يطلق عليها في بعض المراحل( وصف الزلزال)، بمعنى أنها أكبر من مجرد عمليات كرّ وفرّ في حرب عصابات متقطعة ويكمن السر وراء هذا النجاح في التعاطف والتعاون والاندماج الكامل للمقاومة مع بيئتها لاجتماعية، وهو اندماج يعد أحد أهم شروط نجاحها, إن ضخامة هذا الإنجاز والانتصار رافقه ضعف وإهمال في الترصين والاستثمار أفقيا، لأن التركيز برمته تم على مسار واحد من الصراع ألا وهو العامل العسكري، وأهمل التكامل والتناغم مع العناصر الأخرى من الصراع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية هذه الفجوة أتاحت لدوائر الاحتلال القدرة على المناورة من خلالها والالتفاف على النجاحات العسكرية للمقاومة العراقية لقد شكل تعاطف البيئة الاجتماعية نسبة كبيرة من ثقل العمل العسكري المنجز في المرحلة السابقة، إلا أن غياب إستراتيجية واضحة للتعامل مع هذه البيئة سواء عبر توعيتها أو تحصينها وتنميتها اقتصاديا وإيجاد المنافذ الدائمة للتمويل وإدامة صمود المقاتلين، أدى إلى أن تفقد فصائل المقاومة عشرات الآلاف من الشباب الذين كانوا احتياطيا مساندا لها، فانخرطوا خلال أشهر قليلة في برامج الصحوات ومجالس الإسناد التي تعد التفافا ناجحا حققته قوات الاحتلال في الميادين الاجتماعية والاقتصادية من الصراع مما أتاح لقواتها فرصة التقاط أنفاسها الوصول إلى نقطة التوازن .

14- بيئة محلية ودولية مناسبة

جرّبت الولايات المتحدة الأميركية منذ احتلالها أربع إستراتيجيات في تعاملها مع الملف العراقي باءت جميعها بالفشل، وكان آخرها إستراتيجية "الطريق الجديد.. إلى الأمام" وأمدها 18 شهرا انتهت يوم 31 تموز 2008 كان من المؤمل أن تتوج هذه الإستراتيجية باتفاقية أمنية طويلة الأمد(وفعلا تم توقيع هذه الاتفاقية)، والتي تجسد الفشل على المسارين الأمني والسياسي، إذ بني التحسن الأمني المزعوم على عناصر هشة فالصحوات حاليا قيد الإلغاء واندماج عناصرها مع القوات الأمنية والدوائر الدولة الأخرى، والهدنة مع جيش المهدي غير مضمونة ومرتبطة بمشيئة دولة إقليمية مجاورة وبمزاج قيادة التيار الصدري كما أن القوات الحكومية التي مضى على تشكيلها أكثر من خمس سنوات لم ترتق إلى ما كان مخططا له، لتكون جيشا وطنيا يتحمل المسؤولية الأمنية ويكمن السبب في عدم جاهزيتها في أنها تشكلت من مجموعة مليشيات وأن عقيدتها تقوم أساسا على مبدأ المحاصة الطائفية، وتتوزع ولاءاتها بين أحزابها ومرجعياتها الدينية الطائفية، إضافة إلى أنها لغاية الآن لم تجهز ألا بأسلحة خفيفة ومتوسطة (وان الدروع الموجودة في الجيش الحالي عندما تكلف بواجبات يجب أن تكون خالية من العتاد الثقيل لعدم ثقة الأمريكان بها), على مستوى العملية السياسية التي صممت في العراق لتكون المكملة لمشروع الاحتلال، هناك انهيار وفشل تام في ملفات كالمصالحة الوطنية وإعادة النظر في الدستور وتمرير قانون النفط ومشكلة كركوك, وأدى تخلف الهياكل السياسية التي قامت على قاعدة المحاصصة الطائفية والعرقية كالدستور والبرلمان والحكومة إلى أن يكون الحراك السياسي الشعبي بعد ست سنين أكثر وعيا بمخططات الاحتلال، كما أن الطبقة السياسية الطائفية التي قدمت معه أصبحت أكثر عزلة ولا تحظى بأي مساندة أو تعاطف من كافة شرائح المجتمع,من جانب آخر شهدت البيئة الدولية متغيرات سريعة وإيجابية تستطيع فصائل المقاومة العراقية استثمارها لصالح قضية العراق، لا سيما أن الولايات المتحدة باتت مقيدة أكثر من ذي قبل ومتورطة ومستنزفة في تحديين إستراتيجيين في آن واحد، مما حرمها من القدرة على مواجهة أي تحد ثالث, التحدي الأول هو العمليات العسكرية الروسية في جورجيا لاستعادة دورهم ومجالهم الحيوي هي أحد نتائج المقاومة العراقية، كما أن الانهيار الاقتصادي الحاد الأخير في قطاع الاستثمار المصرفي الذي يمثل عصب القوة في الولايات المتحدة جاء ليكمل عوامل الانكفاء الأميركي الذي سيترك أثرا سريعا على الوضع في العراق، أو على الأقل سيحد من قدرة أميركا على تمويل الحرب لفترة طويلة.

15- عناصر بناء الإستراتيجية

تمر فصائل المقاومة العراقية حاليا بمنعطف يمكن أن نطلق عليه "الفراغ الإستراتيجي" بمعنى الافتقار إلى التناغم والترابط بين عناصر إستراتيجية المقاومة,فالبناء الإستراتيجي الشامل للمقاومة العراقية لا يزال مبعثرا ومفككا ويحتاج إلى إعادة تنظيم وتجميع وإعادة إنتاج طبقا لنظرة متكاملة الأبعاد غير مجزأة ،وتتوزع عناصر بناء أي إستراتيجية ناجحة من الناحية النظرية إلى أربع مراحل: المسح والدراسة أي دراسة البيئة الداخلية والخارجية، ثم صياغة الإستراتيجية أي تحديد الأهداف الرئيسية والثانوية، وتنفيذ الإستراتيجية أي إعداد البرامج والإجراءات، ثم التقييم والرقابة أي الرقابة السياسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية,تشير كل من البيئتين المحلية والدولية إلى وجود ظروف مشجعة ومناسبة توفر عنصر الإنجاز العسكري للمقاومة العراقية وتسمح لها بالنجاح في عبور عنق الزجاجة، والمطاولة وتحقيق مبدأ النفس الطويل أو ما يسمى "إستراتيجية الصراع المنهك" عبر الاستنزاف المستمر لقوات ومعدات الاحتلال الأميركي,ينبغي الشروع في صياغة مفردات الإستراتيجية القادمة، خاصة في مستوياتها الاجتماعية والسياسية والإعلامية، بهدف استعادة دورا لبيئة الاجتماعية والسياسية تمهيدا لمسك الأرض وإنهاء الظواهر الشاذة وتصفية إفرازات وتداعيات الاحتلال,ولعل من أول شروط رسم الإستراتيجية الشاملة ونجاحها هو وحدة العمل المسلح إذ هو الشرط والمفتاح الرئيسي الذي يشكل خط الشروع للمرحلة المقبلة ,وغياب هذا الشرط سيجعل أي جهد في هذا المضمار ضربا من ضروب الأوهام وضياعا للجهد والدماء، وبدونه ستغدو المقاومة ذكرى جميلة من الماضي,المقصود بهذا الشرط المفتاح هو وحدة العمل المسلح وتشكيل مجلس وطني تنفيذي للمقاومة العراقية يأخذ على عاتقه العمل الوطني المقاوم للاحتلال برمته,ويكون من أول واجبات هذا المجلس في هذه المرحلة ترجمة إنجازات المقاومة وانتصاراتها إلى مشروع وطني شامل,هذا الشرط هو وحده الكفيل بتحقيق انتقاله نوعية في منحنى الصراع، ويضخ الآمال من جديد في عروق الملايين من العراقيين الذين اختلطت عليهم الحقائق وينتظرون هذه الولادة بفارغ الصبر.

 

16- استثمار الفشل المتكرر للإستراتيجيات الأميركية في العراق بصفحاتها العسكرية والسياسية والاقتصادية من قبل المخططين في فصائل المقاومة العراقية وتقع عليهم مسؤولية إعادة توضيح الموقف وتقييم المرحلة السابقة بكافة نجاحاتها وإخفاقاتها، وطرح إستراتيجية بديلة تنسجم مع المتغيرات الحالية وتسير بمرونة مع رغبات وتوجهات الشعب العراقي، مع الحفاظ الحازم وعدم التفريط في ثوابت مصلحة العراق العليا المتمثلة في الاستقلال ووحدة العراق والحفاظ على هويته العربية والإسلامية, تساهم في صياغة هذه الإستراتيجية معظم مكونات الحركة الوطنية المقاومة للاحتلال من هيئات وأحزاب وحركات وشخصيات لتشكل بوصلة للعمل الوطني على المدى القريب والمتوسط وتحاول بهذه الإستراتيجية أن تضمن استعادة المبادأة من يد الاحتلال ليس على مستوى الفعل العسكري فحسب، بل استعادة ة بيئة عمل المقاومة على المستويين السياسي والاجتماعي بعد أن تمكنت دوائر استخبارات الاحتلال من تحقيق بعض الاختراقات هنا أو هناك عبر ابتكارها ظاهرة الصحوات ومجالس الإسناد، مستغلة سياسة التجويع والقتل والتهجير والتنكيل وإثارة الفتنة الطائفية بغية استنزاف إرادة الشعب العراقي وإجباره في آخر المطاف على القبول والتطبيع مع الأمر الواقع إن الدروس الصعبة التي على المقاومة استيعابها في المرحلة القادمة كثيرة، لعل من أهمها تلك التي تتعلق بغياب إستراتيجية واضحة وشاملة ومتعددة الأبعاد، بعد أن تمكنت من إنزال هزيمة عسكرية قاسية بالقوات الأميركية، وكبدتها خسائر مادية وبشرية هائلة باعتراف معظم التقارير والتوصيات الحكومية الأميركية المستقلة، خاصة في الفترة من تموز 2006 حتى نهاية 2007 .

17- المطلوب من المقاومة العراقية

بعد مرور أكثر من خمس سنوات ونصف على الاحتلال الأمريكي للعراق وما نتج من هذا الاحتلال من تداعيات خطيرة ( تمزيق النسيج الاجتماعي وتدمير البنية التحتية للاقتصاد العراقي ) أثرت على القضية العراقية برمتها وما أفرزته المرحلة السابقة من سياسات خاطئة سواء من الأمريكان أو الحكومة أو المقاومة الوطنية , وينبغي العمل على تحديد إستراتيجية عمل مسلحة وسياسية جديدة للمقاومة العراقية مستفيدة من أخطاء الماضي والتغييرات في الواقع السياسي العراقي في الميدان , إستراتيجية قادرة على الصمود أمام الأمريكان والحكومة وما لحق بركبهما ممن كانوا يسمون سابقا بالمقاومين الذين تحولوا أداة بيد المحتل والحكومة .

18- وعلى هذا الأساس نعتقد أن الإستراتيجية المطلوبة بالمرحلة الحالية هي :-

أ‌- فيما يخص توحيد الجهد ملاحظة ما يلي :-

1) توحيد القوى المسلحة .

2) توحيد الجبهات والحركات السياسية المناهضة للاحتلال الموجودة في الخارج.

3) وضع برنامج سياسي وبرنامج عسكري يشرف عليها قادة هذه الجبهات بعد أن يتفقوا على وحدة القرار .

4) اختيار قيادة وطنية مجربة وواقعية لقيادة تنظيمات المقاومة الوطنية .

ب‌- فيما يخص برامج العمل السياسية :-

1) وضع برنامج سياسي واضح ( وهو تأكيد على ما مطروح حاليا ) .

2) تحديد الأهداف السياسية المطلوب تنفيذها مرحليا واستراتيجيا وحسب الأسبقيات .

3) استثمار نتائج العمليات المسلحة في توظيف الأهداف السياسية .

ت‌- فيما يخص العمل المسلح :-

1) توحيد جهد الفصائل المسلحة .

2) تحديد قيادات لهذه الفصائل تكون لها الخبرة والتجربة الميدانية في المعركة .

3) الاعتماد على العمليات المسلحة النوعية ويجري التركيز على الأسلحة المضادة للجو الصغيرة الحجم ( هذا النوع من العمليات الميدانية تكون نتائجه على المستوى الاستراتيجي لأن إسقاط طائرة مروحية واحدة أسبوعيا ستأثر على معنويات الجنود الأمريكان وبالتالي سينتقل التأثير إلى الشارع الأمريكي نفسه ولاسيما أن القوات الأمريكية ستنسحب من الشوارع إلى قواعد وهذا يعني سيقل تأثير العمليات المسلحة على القوات البرية الأمريكية إلا أن القوات الأمريكية ستستمر باستخدام الطائرات المروحية )

4) استغلال نقاط الضعف الموجود لدى القوات الأمريكية باستهدافها على الطرق.

5) أي جيش بالعالم ومهما كان حديثا ولديه قدرات كبيرة فأنه غير قادر على المطاولة في حرب العصابات .

6) أكثر ما يؤثر في الجيوش النظامية هو ضرب مقراته ( مقرات القيادة والسيطرة ) بداً من مقر الفصيل وصعوداً إلى أعلى المستويات لأن ضرب المقرات تأثيره لا يكن مادياً فقط وإنما يكون تأثيره معنويا على القطعات ولهذا يجب اغتنام الفرصة لتحديد قواعد الجيش الأمريكي التي سينسحب إليها بعد دخول اتفاقية العار حيز التنفيذ عام 2009 ويجب التركيز على ضرب هذه القواعد بالنيران الغير مباشرة ( الهاونات والصواريخ ) .

 

الخاتمة

19- من الدروس الصعبة التي على المقاومة استيعابها والتي مرت بها منذ نشوئها ولحد الآن هو بعثرت الجهد الذي تميزت به , والدرس الأهم هو استمرار أعمال المقاومة الوطنية بنفس قوة انطلاقها لان تاريخ فن الحرب الذي وضعة قبل 2500 سنة هو نفسه الذي طبقه الولايات المتحدة الأمريكية وهذا الشيء يجب أن تستمر علية المقاومة في مواجهة الاحتلال .

الكاتب: دار بابل للدراسات والاعلام   

 

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات

اطلالات
خفايا واسرار
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2010©