|
مهزلة الساسة والسياسية ورجال الدين ومرجعياتهم في
العراق
لا أدرك اليوم , حقيقة المبادئ الوطنية والإسلامية
التي شربناها في ريعان صبانا , وآمنا بها وأتخذناها طريقا لنا
عندما أدركنا وأشتّد عودنا, كمقدسات وخطوط حمر لايجوز المساس
بها أو عبورها ... لا أدرك حقيقة ان كانت هذه المقدسات
والمبادئ عاملة أو سارية اليوم , أو على أقلّ تقدير لها قيمة
وطنية أو اسلامية واقعية تذكر ؟
كنا نصبح ونمسي في حسينيات الملالي على أستشهاد الامام الحسين
وبطولته وثورته في وجه الظلم والجور , وكنا نهرع - عندما كنّا
صغارا – ونسابق بعضنا البعض, في يوم ذكرى وفاة الامام علي عليه
السلام لأقرب جامع أو حسينية
لنمتع أسماعنا ونشبع جوعنا من الروزخونية ببطولات
فتى الاسلام وشهامته وكرمه , وكيف أنّه - عليه السلام - كان
يفرغ بيت مال المسلمين من الدنانير والدراهم مانحا أيّاها الى
مستحقيها من فقراء المسلمين وغيرهم من أهل الذمة, من الذين
يعيشون في ظلّ الاسلام المحمدي العظيم, وكيف أنّه كان يرش بيت
المال بالماء بعد خلاءه من المال, وصلاته - عليه السلام-
ركعتين فيه .
كنّا نحضر كربلاء في عاشورها او عشرتها المقدسة , نهرول هنيهة ونركض
هنيهة أخرى , مخلدين السيد العباس بن علي ابن أبي طالب – عليه
السلام –
مرديدين بصوت عالي يشق السماء : ياعباس جيب الماي
لسكينة (( قضية العباس - عليه السلام - وجلب الماء الى عائلة
الحسيين , والسيدة سكينة هي أبنة الامام الحسين , حيث غلبهم
العطش من حصار جيش يزيد بن معاوية في واقعة الطف الشهيرة في
كربلاء العراق ))
ومثله كنا نحيّ الشهيد حبيب بن مظاهر الأسدي- رضوان
الله عليه - وتوبة الحرّ الرياحي واستشهاده الى جانب الحسين ,
بعد أن كان الحرّ الرياحي – رضوان الله عليه – في جانب حزب
يزيد بن معاوية .
كانت الأنظمة السابقة , والنظام السابق خاصة, تعلمنا حبّ العروبة
وفلسطين , حيث كنّا صغارا نخرج بمظاهرات طلابية كبيرة , وننشد
بعد ان نتبرع بالخمسة أو العشرة فلوس التي تمنحها لنا أمهاتنا
– للفة العنبة – الى صندوق مجاهدي فلسطين : فلسطين عربية ..
ولاحت رؤوس الحراب تلمع بين الروابي ... السادات صهيوني ..
فلسطين عربية
.. تسقط تسقط اسرائيل ... تحيا تحيا فلسطين ..الى
آخر الشعارات التي كنا نتغنى بها عندما كنّا صغارا .. كنا
صبايا وفتيان نتحرق ألما لمأساة اهلنا في فلسطين والجزائر, وفي
كلّ أرجاء العالم العربي والأسلامي .. مدارسنا العراقية كانت
ميادين تدريب وساحات قتال .. كنا نقفز على اطارات ملتهبة في
مدارسنا الابتدائية ولم نبلغ سنّ العشر سنين بعد , في عمليات
تمهيدية للعمل العسكري الثوري ضدّ اسرائيل في سنّ البلوغ ,
وهذه التمارين, وغيرها من الأدبيات الوطنية العراقية, في
المدارس العراقية الثورية المناصرة للقضية العربية الفلسطينية
والاسلامية, خلقت وصنعت أجيالا من الشعب العراقي على حبّ
فلسطين وتحريرها الى عداء واضح لاسرائيل وكيانها والامبريالية
ومن يمثلها .
لاأعرف , ومؤلم جدا أن لاتعرف , خاصة وأنّ الشعب العراقي الجريح
تعرض ويتعرض الآن الى هجوم صهيوني امبريالي فارسي متعدد الوجوه
والثقافات والايديولوجيات المتناقضة ....
أقول لاأعرف ان بقي الشعب العراقي على ايمانه الذي
شبّ وشاب عليه, ذلك الايمان العظيم الذي استنبطه من حبّه الى
بلاده وشعبه ,على الرغم من الحذلقات والبهولوانيات والتسطيح
والتجهيل التي دأبت عليه المرجعيات الدينية في النجف الاشرف
وكربلاء وفرضها على الشعب العراقي , وعلى الرغم من ديكتاتورية
الأنظمة العسكرية وقمعها للشعب , هذا الشعب الذي تبع سجيته
العربية والاسلامية منتصرا على برامج ومخططات الأنظمة
الاستبدادية والمرجعيات الاعجمية في العراق الجريح .
ففي العراق الرسمي والمرجعي الديني, سواء كان شيعيا أو سنيا اسلاميا
الى غيره من المعتقدات الدينية ومرجعياتها كالمسيحية والصابئية
, كلّ شيء لايشبه الشيء الآخر , متناقضات بمتناقضات, كذب بكذب
,خيانة تردفها أخرى أعظم ... كلّ شيء في العراق ملوّث وغير
صادق ونزيه ...
المصداقية تدخل في الكذب , الجدية تلبسها السخرية ,
الايمان يغطيه الكفر أو العكس صحيح , الثورية يلبسها الجبن
والخنوع , الشرف والترفع الأخلاقي او الوطني يدخل في الانحطاط
والسقوط الأبدي , الوطنية حقيقتها التبعية والارتماء بأحضان
الجاسوسية , المثل العليا والاخلاق تمثل ارفع مستويات الخيانة
الوطنية والاسلامية .
ترعرعنا في ظلّ مفاهيم وايديولوجيات وعقائد وأديان
متناقضة , ففي الحسينية والجامع نقدس الشعائر الدينية ونجلد
أنفسنا على الامام الحسين بطريقة ساذجة لم ولن ندرك حكمتها الى
اليوم , وكان الروزخونية يعلموننا حبّ الجهاد وعشق الموت كما
فعل الامام الحسين وأنصاره في كربلاء, واليوم وفي ظلّ احتلال
العراق أمسى الجهاد محرما والعمل الثوري ( ارهابا ) بتوجيه خاص
من نفس مرجعياتهم التي كانت تقف وراء الثورة والجهاد والنضال
ذات يوم .
وكانوا يوصوننا دائما بالخطّ الاحمر المقدس, هذا
الخطّ الذي تفوق قدسيته, قدسية العراق والاسلام برمته , الا
وهو المرجعية الدينية , هذه المرجعية التي كنّا نعيش في جوارها
حفاة جياع اذلاء , وفي مجتمع مغلق فاسد, غارق في الشذوذ
والرذيلة والعهر والجريمة قد يفوق فساده ورذيلته وجريمته
ماتتمتع به المجتمعات الاباحية في الغرب نفسه , وقد يكون فساد
الغرب واجرامه – كونّه منظم وفي ظلّ قانون -
أرحم من فساد المدن العراقية المقدسة التي تخضع الى
سلطة المرجعيات الدينية .
الذي أدركناه انّ المرجعية وعلى الرغم من تناقضها بين
اليوم والأمس مازالت تحتفظ بقدسيتها والخطوط الحمر التي وضعتها
الى نفسها ؟!..
في تأريخ العراق الحديث , يدخل الماضي بالحاضر , كلّ
شيء تعرفنا عليه في العقود الماضية , عاد الينا بلباس آخر
وبأيديولوجية لاتختلف عن الايديولوجيات الأخرى التي خضع لها
الشعب العراقي في العقود الماضية , أو القرن الماضي ,
والأحتلال الامريكي للعراق لم يغير من هذه المعادلة الشريرة
التي نصبت للعراق وشعبه .
هناك خلل او بمعنى آخر دمار عظيم في البنية الفكرية الوطنية
العراقية , كلّ الشعوب في العالم تعتمد على
ثوابت وطنية مقدسة , وهذه الثوابت الوطنية تعتبر من
المقدسات العظمى للأمة , المساس بها او التعرض لها , يعني
الخيانة الوطنية العظمى , والتي لاترحم أو تتوانى الشعوب
المتحضرة والشعوب المؤمنة بأوطانها وشعوبها من انزال أقسى
العقوبات بحقّ من يمسها أو يعتدي عليها , وهذا ماسارت وتسير
عليه ايران العلمانية والاسلامية , الى كلّ الشعوب والأوطان
المتقدمة حضاريا وفكريا في العالم , من شعوب اوربا الى أمريكا
الشمالية الى شعوب آسيا الى أمريكا اللاتينية الى غيرها من
الأمم التي تحترم أوطانها وشعوبها .
العراق وحدّه من بين كلّ دول العالم العربي والاسلامي
والدولي, يفقد التشريع الوطني المقدس , فالعراق وعلى مدى خمسة
قرون أو أكثر يعتمدّ على ثوابت وايديولوجيات باقي الشعوب
والأوطان المهيمنة عليه .
جزء منه مع الولاء الايراني , وجزء آخر مع الولاء
العثماني الذي تقدم مع الزمن ليكون مع الاحتلال البريطاني
ونفوذه على العراق, والذي تقدم أخيرا ليتفق مع مملكة آل سعود
وباقي الدولة السنية التي لها مصالح ومنافع تهمّ شعوبها
وأوطانها في العراق .
فالعراق وسيادة شعبه ضاع بين الولاء الايراني والولاء
العثماني , هذه الولاءات التي دفع ويدفع ثمنها الشعب العراقي
وحده .
لم تجتمع القوى الوطنية العراقية وعلى طول الخمسة قرون
الماضية على وضع مقدسات وطنية تهمّ الشعب العراقي وكيانه
الوطني المتعدد الاعراق والاديان والطوائف في العراق , وأن
اجتمعوا وفي ظرف حرج , فبضغط خاص من الدول الأقليمية او القوى
الدولية التي لها مصالح جمّة في العراق .
أخطر مايهدد المصالح الأقليمية والدولية في العراق,
الوعي والتثقيف الوطني الحقيقي , وعليه نصبت دول الأقليم
والدول الامبريالية الغربية , مرجعيات ومؤسسات عظمى في العراق
, للعمل على تفريق الشعب العراقي , حسب ولاءات ومنهجيات وبرامج
تخدم نفوذ وهيمنة هؤلاء على بلاد الرافدين .
لم يتسائل المواطن
العراقي وعلى طول قرون من الزمن, من حرمان أهل
العراق الوطنيين أنفسهم من التربع على عرش المرجعية الدينية في
النجف الأشرف , فالمرجعية الشيعية في العراق دهاقنتها وأربابها
فرس وأتراك وأفغان ومن باقي عجم الله في المعمورة ؟!..
وأن صعد عالم عربي عراقي , كأستحقاق علمي وفقهي شرعي,
يسقط أو يقتل أو يهجر, وهذا ماحصل للسيد الشهيد الاستاذ محمد
باقر الصدر والسيد محمد صادق الصدر, والسيد احمد الحسني
البغدادي والشيخ محمد مهدي الخالصي الكبير وأبنه محمد الخالصي
وغيرهم من العلماء الأعلام فيما مضى من تأريخ العراق الحديث .
لم يتسائل المواطن العراق وعلى طول قرون مضت فرض الحكومة السنية على
العراق – ليس قصدنا
طائفي هنا – وبأتفاق واضح مع المرجعيات الشيعية
نفسها؟!.. في وقت كان ومازال العراق ممثلا بأغلبيته الشيعية
العربية .
لم يتسائل العراقي عن تفضيل العجم وغيرهم من ابناء دول
الجوارعليه في وطنه , وصعودهم الى ارفع المناصب التشريفية في
وطنه ؟!..
لم ولم ولم ...والف احتجاج وسؤال وتسائل يحاصر المواطن
العراقي عن تهميشه في وطنه وأرضه ؟!..
الجواب على هذا التساؤل هو : انّ العراقي يعيش في بلده
وسمائه وأرضه, تحت ظلّ أنظمة ومرجعيات ومؤسسات لاتمت بصلة اليه
, فهو يعيش في وطنه, الاّ أنّه مغيب في وطنه , هو يعيش تحت
نظام حكومته , الاّ أنّ حكومته ليس لها ارتباط به أو بوطنه ,
هو يعتنق دينه الاسلامي العربي في وطنه , الاّ انّ دينه
وأعرافه ومثله مصادرة لمصلحة دول أخرى ومعتقدات أخرى تخدم
شعوبا وكيانات أخرى بعيدة عن اسلامه ومعتقده في وطنه .
العراق بلد ليس لأهله , والعراق حسب الايديولوجيات
الامبريالية لايمكن ان يكون لأهله .
كارثة عظمى حلّت وتحل في العراق الآن, خاصة في ظلّ
الأحتلالين الامريكي الايراني .
عمل كبير ينتظره الشعب العراقي الجريح من الوطنيين
العراقيين في تحرير العراق من الايديولوجيات الأعجمية والغربية
الامبريالية , عمل كبير وعظيم ينتظره الشعب العراقي من
المفكرين العراقيين والعرب في تغيير المفاهيم الأعجمية
والطائفية والعنصرية في العراق , عمل عظيم يحتاجه الشعب
العراقي من المفكرين والسياسيين الشرفاء, لتأسيس مفاهيم وثوابت
وطنية عراقية مقدسة على حساب الخراب الذي وضعته المفاهيم
الأعجمية والامبريالية في العراق .
للحديث بقية ..............
قاسم سرحان
29 ايار 2008م
|