|
مستقبل العراق بين التشاؤم والتفاؤل
1- لقد سوغت الولايات المتحدة الأمريكية بنهج جديد
للهيمنة المرتكزة على أيدلوجية القوة الخيرة المتمتعة بمشروعية
أخلاقية ذات أفاق إنسانية تتعدى حدود الدولة القومية من خلال
تأكيد وتدعيم مسؤوليتها الدولية في تحقيق السلام العالمي على
أساس ثلاثية التوجهات الإستراتيجية في الشرق الأوسط والقائمة
على :-
أ- مكافحة الإرهاب الدولي ( التصدي للإرهاب الإسلامي
) .
ب- تدمير أسلحة الدمار الشامل .
ج- تأكيد نزعة التدخل الإنساني بوسائل قوامها نشر
الديمقراطية وبناء الدول , وحماية حقوق الإنسان , ضمان حقوق
الأقليات والتعاضد الدولي لتحقيق الرفاهية و إعطاء موقع
الصدارة للفكر والممارسة السياسية الأمريكية.
2- يتمتع العراق بمركزية في الشرق الأوسط كما وانه
محاط بدول الجوار الجغرافي – بعمقه العربي وغير العربي – ذات
الإمكانات والقدرات للتأثير في معادلة التوازن الإقليمي في
المنطقة , الأمر الذي يعيد للأذهان المقولة الاستعمارية
القديمة وهي ( أن من يسيطر على العراق يتحكم استراتيجيا
بالهلال الخصيب وبالتالي بالجزيرة العربية ) , علاوة على أن
العراق يمثل مسرحا استراتيجيا لعملية التحول الأمريكي من أدارة
العالم إلى قيادته , ومنع أيه قوة منافسة لها في أي مكان
بالعالم وبذلك أدت المسألة العراقية الدور الذي أعطى قوة الدفع
لعملية التحول وبدا واضحا أن العراق استخدم كنقطة انطلاق
مركزية لإعادة صياغة العلاقات في الشرق الأوسط و أعادة ترتيبه
أمريكيا وبذلك فأن حقيقة الحماسة الأمريكية لاحتلال العراق
وتغير نظامه لا يخرج عن هذا النطاق , فأسست عبر الرسالة
الكونية التي تبتغي من ورائها تغير العالم لا العراق فقط ولا
الشرق الأوسط فحسب , فالعراق المحرر وفق الرؤيا الأمريكية
يمكنه أحداث نقلة نوعية في المنطقة وتحقيق الأهداف
الإستراتيجية القائمة على :
أ- التدخل ورد الفعل السريع .
ب- التواجد المتقدم للقوات الأمريكية في المنطقة .
ج- الشراكة الأمنية مع الدول الرئيسية في المنطقة .
د- تعزيز التعاون الدفاعي في المنطقة بأكملها .
3- لما مر أعلاه جاء الاستخدام الفعلي للقوة العسكرية
حيال العراق بمسوغات أخلاقية ( من وجهة نظر الإدارة الأمريكية
) ومنها الدكتاتورية ونشر الديمقراطية ومبررات شرعية لتطور
مفهوم التدخل العسكري الإنساني ( القضاء على الإرهاب وكشف
العلاقة بين العراق وتنظيم القاعدة ) مع تركيز الإدارة
الأمريكية على أن العراق دولة معادية يمتلك أو يسعى لامتلاك
أسلحة دمار الشامل واستخدامها لأهداف عدوانية قوامها أن
الإدارة الأمريكية سوف تهاجم النظام المعادي الذي ليس لديه سوى
النية والقدرة على أنتاج أسلحة دمار الشامل , ووراء كل ذلك
جاءت العمليات العسكرية الكبرى ( الصدمة والترويع مع مبدأ
استخدام القوة الكاسحة ) لضرب العراق وتحطيم قواه وبناه
التحتية , وهذا المبدأ الأخير تم تبنيه بعد منتصف التسعينات من
القرن الماضي عبر تغير نمط التسليح وبناء القوة العسكرية
الحديثة بعد ( الثورة العلمية في الشؤون العسكرية ) التي طبقت
بعد عام 1996 وكان دونالد رامسفيليد الذي تبنى هذه الفكرة
والذي تم بموجبة تحديث القوة العسكرية الأمريكية بزيادة القوة
النارية وتقليل عدد الأفراد حيث تم تقليص القوة ألمقاتله
الأمريكية 2.6 مليون جندي إلى 1.7 مليون جندي بالاعتماد على
جنود أذكياء قادرين على استخدام التكنولوجيا و مدربين تدريبا
جيدا مع لياقة بدنية عالية بحيث يكون الجندي قادر على استخدام
2-3 سلاح في أن واحد و بهذا المفهوم تم تحويل القوة العسكرية
الأمريكية من مرحلة السوبر
super-power
إلى مرحلة القوة الكاسحة .
4- وهنا بدأت الإستراتيجية الأمريكية بالعمل من اجل
تحويل النصر العسكري إلى نصر سياسي ينسجم مع المنهج الجديد
لإمبراطورية القرن الحادي والعشرين تجسد باعتماد الإدارة
الأمريكية في مرحلة ما بعد الاحتلال على طرح أفكارها ومشاريعها
السياسية بتحقيق الديمقراطية في العراق وبأفضل النتائج , فهذا
هنري كيسنجر ينصح إدارته في العراق بحكمة عالية عبر أقامة
حكومة ديمقراطية ممثلة تمثيلا كاملا من الاضطلاع بسياسات
تقدميه واضعة في ذهنها مصالح الشعب ومشاركته السياسية ستكون
الدليل على نجاح السياسة الأمريكية في العراق و في باب أخر
يذكر بول وولفوفيتز نائب وزير الدفاع السابق واحد مهندسي الحرب
على العراق ( أن معركة تحقيق السلام في العراق هي المعركة
الرئيسية في الحرب العالمية على الإرهاب وان هذه التضحيات –
أشارة للخسائر في القوات الأمريكية – أن تجعل الشرق الأوسط
الأكثر استقرارا بل بلادنا ستصبح أكثر أمنا ) , وبعدها جاء
تصريح دك تشيني نائب الرئيس الأمريكي الذي قال ( أن العراق
سيقف كمثال لبقية دول الشرق الأوسط وهكذا سيسهم النموذج
العراقي مباشرة في تحقيق امن أمريكا وأصدقائها ) وتمثل جميع
هذه الآراء وتطبيقاتها في غزو واحتلال العراق توضيحا أمريكيا
لإستراتيجية الردع الوقائية القائمة على ضرورة أعلاه المصلحة
القومية ونشر القيم والأخلاقيات الأمريكية بالقوة .
المقاومة و المشروع الأمريكي
5- كما هو معروف أن يوم 9/4/2003 هو تاريخ الاحتلال
الأمريكي للعراق ودخول قواته إلى بغداد ليسقط النظام السياسي
وتعلن الولايات المتحدة احتلالها ومسؤوليتها أدارة العراق ,
لكن المفارقة التي حدثت عندما ضرب أول رتل أمريكي في بغداد بعد
الاحتلال بأيام وكان ذلك أهم نتيجة إستراتيجية واجهت الولايات
المتحدة في سوء تقدير قوة المقاومة العراقية والذي معها بدا
الحديث عن المستنقع العراقي المشابه للمستنقع الفيتنامي من قبل
المحللين والكتاب الاستراتيجيين الأمريكان , ورافق ذلك بعد
فترة لعهد الحاكم العسكري ( كارنر ) وقواته المحتلة المهنية
التي لا شأن لها ولا خبرة لها في التعامل مع المدنين , ومن ثم
بدا الأمر أكثر وضوحا مع الحاكم المدني السيئ السيط بول بريمر
وانفراده في اتخاذ القرارات بعيدا عن احترام وتطبيق وتيسير
الشؤون الإدارية للبلد المحتل وعدم الاهتمام بموافقة وأراء
الدولة المحتلة , والذي سبب في تدهور وتراجع الأمور أكثر
بالعراق مع خلق فجوة بين المحتل وصاحب الأرض (البلد المحتل )
والذي دعا إلى ضرورة الاعتماد على العنصر العراقي ( الغريب –
القادمون مع الدبابات الأمريكية ) في ضبط الأمور .
6- أن ألافت للنظر وعلى الرغم من التفوق العسكري
الأمريكي في الحرب النظامية واحتلال كافة المدن العراقية من
قبل القوات الغازية ألا أن مع ذلك لم تكن هنالك قوات أمريكية
كافية لبسط سيطرة برية فعلية وهو الذي أتاح للمقاومة العراقية
من تنظيم نفسها والقيام بهجمات بشكل جعلها تملك زمام المبادرة
حتى هذه اللحظة والذي كانت هي السبب الرئيسي في فشل المشروع
الأمريكي أو على الأقل تم تأخيره لحد ألان , ولكن لسوء القدر
أن المقاومة الوطنية ونتيجة عاملين رئيسيين أثرت في عملها هو
الاحتواء الأمريكي للمقاومة ومنع أي دعم لها وتجفيف منابع
ومصادر الدعم والعامل الثاني هو التدخل الإيراني والتأثير على
المقاومة بشتى الوسائل بما يخدم الأجندة الإيرانية فكانت إيران
عامل دعم لكثير من الفصائل وبنفس الوقت تتعامل وتدعم الأحزاب
الموالية للحكومة والتي بيدها القرار السياسي العراقي وبذلك تم
تحجيم المقاومة , وبنظرة مقارنة بسيطة بين فعاليات المقاومة
للعوام الثلاث الأولى وبين العامين الأخيرين نلاحظ الفرق واضح
في الأداء بالإضافة إلى المقاومة بدأت بالتمدد الأفقي وليس
العمودي الأمر الذي اوجد قيادات للمقاومة كثيرة وبالتالي ضعف
التأثير والفعل بالميدان , ولكن بنفس الوقت أن المقاومة موجودة
في الميدان لحد ألان والمطلوب توحيد الجهد والكلمة ليكون
التأثير كما كان عليه قبل عام 2006.
7- كما قد ذكرنا في الفقرة (3) عن التحديث في القوات
المسلحة الأمريكية وما قابله من تقليص عديد القوات المسلحة
الأمريكية البرية نتيجة لزيادة القوة النارية فيه, كان قد
رافقه تحديث في العقيدة العسكرية الأمريكية وأساليب القتال حيث
استنبط العدو المحتمل من خلال دراسة قدمت إلى البنتاغون أعدت
من خبراء عسكريين أن الولايات المتحدة الأمريكية وبعد انتهاء
الحرب الباردة وسيادة المعسكر الرأسمالي , مقبلة على عدو هلامي
ليس له شكل محدد ولا ارض ثابتة مما يعني أن شكل الحرب الجديدة
هي حرب غير متوازية ( وفي أدبياتنا العسكرية نطلق عليها بالحرب
اللا متماثلة ) وهي الحرب التي يلجأ فيها الطرف الأضعف إلى
ابتكار أساليب قتال لم يألفها الطرف الأقوى الأمر الذي يتطلب
ما يلي :-
أ- قاعدة معلومات استخباري واسعة .
ب- رد الفعل السريع والعنيف .
ج- التطبيق الشديد للنيران في القتال ( وهو مشابه
لسياسية الأرض المحروقة ).
د- الاستعانة بالسكان المحليين في الحصول على
المعلومات والقتال إلى جانب القوات الأمريكية.
8- ومما مر أعلاه نرى أن الجيش الأمريكي عند ما دخل
وأحتل العراق لم يكن مجهزا بما فيه الكفاية لخوض المراحل
اللاحقة من الحرب وهي بداية حرب عصابات لفترة طويلة لان أعداد
هذا الجيش بعدة الثورة في الشؤون العسكرية عام 1996 كان من
المفروض أن تمكنه من خوض حربيين محدودتين وليس حربين طويلتين
كما في العراق وأفغانستان أنها حرب استنزاف طويلة وكما تعرف
باسم استراتيجيه الصراع المنهك لمقابلة إستراتيجية الصراع
العنيف , لان استراتيجيه الصراع المنهك يكون فيها الطرف الضعيف
غير قادر على استخدام الكتل الكبيرة لأنه لا يمتلك الوسائل
والمعدات والمبادأة لخوض الحرب أما الطرف الأقوى الذي يتبع
إستراتيجية الصراع العنيف فأنه يملك الوسائل والمعدات
والمبادأة في خوض هذا النوع من الصراع .
9- ونظرا للمأزق الأمريكي في العراق وبسبب عدم قدرة
التكنولوجيا الأمريكية وعدم كفاية القوات البرية لبسط السيطرة
الفعلية البرية , أعادة الإدارة الأمريكية النظر في أسس
إستراتيجيتها في العراق والأخذ بخيارات أخرى بديلة أهمها هو
الانقسامات الطائفية والاستقطاب المذهبية للحيلولة دون الرجوع
إلى نظام شبيه بالنظام السابق ( وهو نظام من وجهة النظر
الأمريكية ) نظاما كارثيا في المنطقة وافشل كل المخططات
الأمريكية والصهيونية , ولذلك تناغم مع المشروع الأمريكي أهداف
القادمون الجدد ( السياسيون الذين جاءوا على ظهور الدبابات
الأمريكية ) وتخبطاتهم السياسية , بعد ما أثبتت الساحة
العراقية بعدم بروز أي قوة سياسية عراقية مهيأة لتولي أمر
العراق ولو بصورة جزئية ذات قاعدة جماهيرية واسعة , مما حدى
بهم أن يعزفوا على أوتار الطائفية والمذهبية والمظلومية لجني
ثمارها في الحصول على المناصب السياسية , وذلك اثر محاولة
الشعب العراقي التمسك ببناء دولته ككيان لا يفرط بأجزائه ,
اللجوء إلى التنظيمات الاجتماعية ذات قاعدة جماهيرية والثقل
التاريخي وبالالتفاف حولها وتعويض أو ردم الهوة الحاصلة في
الميدان السياسي , فغموض المواقف وبطء التحركات أدت إلى إيجاد
حالة من الفراغ السياسي استفادة بعض الجماعات لتصعيد ضغوطها ,
وبنفس الوقت كانت هناك عمليات حثيثة لملا الفراغ الذي لم يستطع
القادمون الجدد ملئه وتسارع وتيرة التنافس بين القوى السياسية
والطوائف و القوميات في محاولة منها الحصول على اكبر حصة في
العملية السياسية , والذي ساند هذه الرؤية الوضع العراقي
المعقد لما يمثله من مأزق صعبة لمختلف القوى , فبنية المجتمع
وما يتسم به من فسيفساء عرقية وطائفية ودينية أثرت بشكل كبير
على بناء الدولة الموضوعي والمحدد الذي يجتمع في ثلاث أسس هي
:-
أ- توحيد الكيانات المتناثرة .
ب- أتمام عملية التحول الديمقراطي .
ج- أعادة بناء هياكل الدولة .
10- وبمرور سريع على الإدارة الأمريكية وكيفية أدارتها
للعملية السياسية في العراق والمعروفة على وفق ما جدولته سلطة
الإدارة المدنية المؤقتة هي :-
أ- تشكيل مجلس الحكم .
ب- تشكيل مجلس بالاختيار والتعيين عدد أعضائه 100 عضو
ممثل .
ج- تشكيل حكومة مؤقتة تنبثق عن المجلس المؤقت أعلاه .
د- إجراء انتخابات يوم 30/1/2005 .
ه- استقالة الحكومة المؤقتة وتشكيل حكومة يقرها
البرلمان .
و- يشكل البرلمان لجنة كتابة الدستور .
ز- إقرار الدستور يوم 15/10/2005 .
ح- أجراء انتخابات ثانية يوم 15/12/2005 وتشكيل
برلمان وحكومة ذات أربع سنوات .
11- ومن خلال التدقيق بكل خطوات العملية السياسية
المخطط لها أنها تمثل الإرادة الأمريكية والهدف من الناحية
السياسية هي هيمنة النفوذ والقرار الأمريكي والتأسيس لمراحل
عمل وقد تبرز الحاجة لاستخدامها أذا تطلب الأمر ذلك , ولهذا
كان لا بد أن تطرق الطائفية والعرقية والمذهبية في كل خطوة من
الخطوات للوصول إلى أهدافها وإستراتيجيتها وبدا وفق ذلك التمرس
الطائفي يفعل فعله بإرادة أمريكية – فرق تسد – والذي نشأ منه
مجلس الحكم الذي تشكل على أسس طائفية وعرقية ( المحاصصة ) وهذا
المجلس أسس لبناء دولة تقوم على الوصف أعلاه ويمكن إيجاز هذه
الفترة بالاتي :-
أ- جذور المحاصصة الطائفية .
ب- تدهور في الأوضاع الأمنية .
ج- الابتعاد عن أي مسبب للتنمية أو على الأقل إعادة
بناء البني التحتية .
د- الفساد الإداري والمالي .
ه- الانفلات الأمني ( عوامل داخلية وإقليمية ودولية )
.
و- تأسيس الميلشيات الطائفية المسلحة .
ز- تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية .
12- من الملاحظ إن الحكومات التي جاء بها الاحتلال بعد
9/4/2003 كلها وبدون استثناء اشتركت بطريقة وبأخرى في تمزيق
وحدة الشعب العراقي ومحاولات طمس هويته الوطنية من خلال
مساعدتها لما يلي :-
أ- بروز قوى سياسية لا يتعدى مشروعها الوطني حدود
الحصول على المناصب السياسية.
ب- بروز الأدوار الواضحة للميلشيات الطائفية والتي
تتحدى الحكومة وأجهزتها الأمنية ( كما حدث لاحق في البصرة
ومدينة الثورة في بغداد ) .
ج- بناء مؤسسات الدولة على أسس طائفية عرقية مذهبية
قومية .
د- بروز الأدوار الواضحة للأحزاب الدينية الطائفية (
تلك الأحزاب التي اعتبرها بول بريمر البديل الذي يختزل به
الزمن وصولا للديمقراطية ) .
ه- تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية والاجتماعية مع
فساد مالي وأداري وعلى كافة المستويات بدا من رئيسهم وحتى اصغر
موظف في الدولة العراقية وهذا التدهو نشأ عنه تدمير البنى
الارتكازية للعراق .
و- الابتعاد عن برامج التحويل الديمقراطي .
ز- تجسيد مشكلة بناء الأمة والابتعاد عن لغة الهوية
الوطنية الجامعة .
الدور العربي وغير العربي في الشأن العراقي
13- يمكن أن يستدل من هذه التشابكات والتقاطعات في
البيئة الإقليمية للعراق بحكم الانتماء العروبي من جهة وجواره
الإقليمي غير العربي من جهة ثانية على انه ليس هناك ساحة برزت
فيها بوضوح شديد تأثير المنطقة الإقليمية على الساحة الداخلية
مثل العراق , ولا سيما لعبت السياسة الواقعية البراغماتية
المصلحية دورها الحقيقي في توجهات الدول الإقليمية وذلك لخطورة
تداعيات هذا الغزو والاحتلال على منطقة الشرق الأوسط عموما
والمنطقة العربية خصوصا , ودار جدال واسع حول الأسباب والدوافع
المختلفة للتدخل في الشأن العراقي والتي تباينت وفقا لما يلي
:-
أ- جعل العراق ساحة تصفية للسحابات مع الولايات
المتحدة بدفع إقليمي ودولي .
ب- أعادة التوازن الإقليمي في المنطقة وجعل العراق
القوة الردعية والنموذج لباقي الدول ( هذا يتعارض مع توجهات
قسم من الدول المحيطة بالعراق ) .
ج- لعبة حماية الطوائف والقوميات العراقية ( الأقليات
– والمسيحية – الايزيدية – التركمانية - .. الخ ) ولكن لإغراض
ذات دوافع سياسية نفعية بعيدة المدى .
د- خلط الأوراق على الإدارة الأمريكية وزيادة
انشغالها بالشأن العراقي ( لمصلحة إقليمية ودولية بأن واحد )
لإفشال المخططات الأمريكية في المنطقة .
الدور العربي في الشأن العراقي
14- باختصار شديد حول الدور العربي في الشأن العراقي
هناك موفقين لهذا الدور , الأول مؤيد لنتائج الاحتلال الأمريكي
في العراق وما أفرزته هذه المرحلة من تداعيات خطيرة وحتى إن
قسم من أصحاب هذه المواقف تمادوا في إلحاق الأذى بالبنية
التحتية الاقتصادية وكذلك تغذية الصراعات الداخلية المذهبية ,
والموقف الثاني هو الرافض بشدة للاحتلال ونتائجه لانعكاساته
الخطيرة على المنطقة وان دل ذلك على شيء فإنما يدل على الوعي
والفهم الصحيح للحضور العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط وعلى
رأس هذا الموقف هي سوريا التي رفضت بشدة هذا الاحتلال ونتائجه
الوخيمة على المنطقة .
الدور الإقليمي في الشأن العراقي
15- لقد لعبت دول الجوار الإقليمي غير العربي دورا
كبيرا في العراق قبل وبعد الاحتلال حيث لعبة الجارة إيران دورا
أكثر من مزدوج , الأول مؤيد لحكومة الاحتلال والثاني الدور
الداعم للمقاومة والثالث الداعم للميلشيات (سياسة اللعب
بالمتناقضات ) وقد أفرز هذا الدور تداعيات خطيرة في العراق
والمنطقة العربية وخاصة بعد إن وجدت إيران نفسها في مواجهة خطر
رئيسي مباشر لا بل جعل إيران إمام استحقاقات كثيرة وخطيرة ولعل
أهمها فرض الحل العسكري على إيران بمجرد احتلال العراق وقال
ذلك ( مارتن أنديك – مساعد وزير الخارجية الأمريكي سابقا ويرأس
حاليا مركز سأبان للدراسات السياسية للشرق الأوسط – إن
الولايات المتحدة ستشن هجوما عسكريا على العراق وسوف تتخذ
الإجراءات الصارمة بحق إيران وإذا ما نجحت في إسقاط نظام صدام
حسين لان حينها سوف تواجه إيران أسوء كابوس في حياتها , نظام
موالي لأمريكا في أفغانستان على حدودها الشرقية ونظام مع قوات
أمريكية على حدودها الغربية في بغداد ) وهو ما سيجعل أمريكا
تتحدث بلطف مع الايرانين ولكن في الوقت نفسه ستحمل عصا غليظة
وهو ما نراه الآن بسياسة فاعلة مع إيران , إلا أن الولايات
المتحدة قدمت أهم مكسب لإيران باحتلالها للعراق لأنها مدت
نفوذها فيه لتصبح أهم ورقة ورقما صعبا في المعادلة العراقية
تتفاوض من خلالها مع الولايات المتحدة , إلا إن على القادة
الايرانينين إدراك حقيقة إن احتلال العراق يمثل فاتحة لتأسيس
قواعد الإمبراطورية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط الكبير
, حيث تحتل إيران مساحة واسعة في طريق تحقيقه , كما يجب على
إيران إن لا تنظر لضعف العراق فرصة للنيل منه لأنها تعتبره
المجال الحيوي لها , وامتدادا لهذا المفهوم عبر التاريخ
المهمين على الصراع الفارسي ( الهضبة ) مع العراق ( السهل )
منذ 2500 سنة مضت , وكذلك على إيران إذا ما فكرت بتوريط
الأمريكان بمزيد من المشاكل والأذى في العراق لإبعاد خطرهم
المحتمل عنها وعليها إن لا تستبعد إن يكون تورطها سببا في
إلحاق الأذى بها , كما يجب إن لا تسنى أنها مصنفة من دول محور
الشر وان في الإدارة الأمريكية الحالية واللاحقة من ينتظر
إثارة المشاكل في طهران وان مواقفها أسهمت بشكل مباشر في تمزيق
الشأن العراقي .
الدور الإسرائيلي
16- من الملفت للنظر إن الكيان الصهيوني الوحيد الذي
ليس ولن يكون له أي امتداد علني في العراق إلا إن تدخله من خلف
الستار وبسياسة هادئة قوامها إنهاء البني التحتية الارتكازية
للعراق لإنهائه كقوة إقليمية من منطقة الشرق الأوسط لأنه يشكل
رقما صعبا في معادلة الصراع الصهيوني – العربي , لاسيما أنه
البلد الوحيد الساعي لإفشال المخططات الإسرائيلية والموازن له
بإمكاناته وقدراته العالية المستوى ( السابقة ) لذلك ستعمل
إسرائيل على إفشال كل المشاريع الوطنية الناهضة بوجهها
والرافضة للاعتراف بها ولها من يمثلها بالعراق من الأحزاب
الكردية وغيرها , ولذلك ليس من المنطق العقلاني القول بأن
إسرائيل سوف ترفع يدها من العراق بعد ما أصبحت لها اليد الطولي
الغالبة على الإستراتيجية الأمريكية وهنا أصبحنا إمام قضية
اخطر وهي , هل ما ينفذ في العراق الإستراتيجية الأمريكية أم
الإستراتيجية الإسرائيلية ؟ والذي منه ينتج التقاطع بين
المشروع الأمريكي والمشروع الإسرائيلي ذلك لان إسرائيل تريد
إنهاء العراق وتريد إرسال رسالة ردع إلى إيران , وما فعلته
إيران هو تفوق على المشروعين الإسرائيلي والأمريكي وهو ما
يوصلنا إلى إن إسرائيل وإيران ضربتا عرض الحائط أمريكا وهو ما
وعت إليه الأخيرة ولكن بشكل متأخر , وتصحيح الإستراتيجية
الأمريكية بحاجة إلى وقفة وتعديل للمسارات التي انحرفت لكي
تخرج أمريكا ( بماء وجهها إن بقي ) من هذا المأزق .
بعد هذا التحليل والرؤيا التشاؤمية هل هناك رؤيا
متفائلة
17- إن عملية بناء الأمم والمجتمعات واحدة من الظواهر
التي يتوجب وضعها ضمن السياق التاريخي الاجتماعي , إذ أن هذه
العملية غالبا ما تتسم بالفوضى والاضطراب خاصة في ظل أوضاع
معقدة كالموضوع العراقي , فإذا كانت قوى المجتمع جميعها تتفق
على هدف واحد هو بناء مجتمع مدني ديمقراطي والاعتراف بوجود
اختلافات أيدلوجية وعقائدية وعرقية داخل المجتمع الواحد وعبر
صيغة الحوارات البناءة وتقبل الأخر وتبادل وجهات النظر بشكل
حقيقي ( المقصود هنا ليس ما يجري ألان بالساحة العراقية
الداخلية الحكومية من لقاءات وحوارات وتصريحات بهذا الاتجاه
لأنها حوارات ليست حقيقية وإنما هي أملاءات فقط ) , على إن
يتضمن التحول السياسي الموازنة بين مصالح القوى المختلفة في
المجتمع وعدم استغلال الولاءات الدينية والعرقية كي لا يؤدي
ذلك إلى صراعات بالإمكان أن تتطور إلى نزاعات مسلحة بين القوى
المختلفة وبهذا يتحقق كيان الدولة الواحد لتنصهر الطوائف
والأعراق والقوميات في بدوقة واحدة لتتعايش مع بعضها البعض كما
كانت في السابق وسيادة مبدأ الديمقراطية الذي يجعل الشعب ينتخب
حكامه وممثليه بأسس موضوعية واعتبارات تخدم المصلحة العامة
العليا للشعب بعيدا عن التخندق وهذا يعتبر خيار رئيسي لعودة
العراق إلى موقعه السابق أذا أريد له ذلك على أن تجري هذه
العملية بعيدا عن المؤثرات الإقليمية والدولية لكي يضمن نجاحها
وهذا صعب المنال في المرحلة الحالية , إما إذا فشل هذا الخيار
فهناك خيارات ورؤية مطلوب من القوى الوطنية المناهضة والرافضة
للاحتلال دراستها لتضع إستراتيجية عمل موحدة تنقذ العراق مما
هو فيه ألان .
الخيارات المتاحة للقوى الوطنية
الخيار الأول
18- الاستفادة من دور الاتحاد الأوربي ليلعب دورا
كبيرا في الموضوع العراقي ولاسيما أن هناك وجهات نظر أوربية
تختلف عن وجهات النظر الأمريكية في إدارة الأزمة العراقية حيث
هناك الدور الفرنسي الواعد والذي يبحث له عن مكانة قيادية في
المنطقة وهذا واضح من خلال الدور الذي لعبته القيادة الفرنسية
في عقد مؤتمر الاتحاد من اجل المتوسط وبالرغم من عدم الخروج
بنتائج كبيره إلا أنها تعني أن فرنسا تريد أن تلعب دورا في
المنطقة .
19- يمكن استمالة ألمانيا التي تبحث عن دور لها في
منطقة الشرق الأوسط وهذا واضح من خلال حضورها في موضوع الملف
النووي الإيراني وبتوحيد الجهد مع فرنسا عسى إن تلعبا دورا في
موضوع الملف العراقي ولا سيما أن لهاتين الدولتين تقاطعات مع
الولايات المتحدة في كثير من القضايا المتعلقة بالاتحاد
الأوربي وحلف الشمال الأطلسي ( موضوع القيادة العسكرية في
الحلف ) والتي يمكن استثمارها لصالحنا .
الخيار الثاني
20- إقامة علاقات مباشرة مع دول عدوه للولايات المتحدة
على مبدأ ( عدو عدوي صديقي ) وفي هذا المجال يمكن فتح قنوات مع
فنزويلا لأنها في حالة عداء مستمر مع الولايات المتحدة ويمكن
الاعتماد عليها على اقل تقدير لحين انتهاء ولاية الرئيس تشافيز
.
21- يمكن أللاستفادة في أقامة العلاقات مع فنزويلا من
خلال السفراء والشخصيات الذين عملوا في أمريكا الجنوبية مثل
كوبا .
الخيار الثالث
22- استثمار توتر العلاقات بين روسيا وأمريكا وخاصة
بعد إحداث جورجيا الأخيرة , وكما نعلم أن جورجيا تقع على
الحدود الجنوبية الغربية لروسيا ولها ساحل على البحر الأسود
الذي يؤمن الاتصال لها بالعالم الخارجي دون الحاجة لروسيا أي
أنها تحتفظ بساحل بحر مفتوح وهذان العاملان استغلتهما الولايات
المتحدة للحصول على موطئ قدم في محاولة لتطويق روسيا من الجنوب
, وقد أثبتت هذه الإحداث عن وجود أسلحة ومعدات متطورة لدى
جورجيا استخدمتها ضد القوات الروسيا في اوسيتيا الجنوبية وهذا
يعني إن الولايات المتحدة لاتزال مستمرة في تفتيت الاتحاد
الروسي بالرغم من كل الضمانات التي وعدتتهم بها سابقا لأنها
تعلم أن الدب الروسي قادر على أعادته تنظيمه بسرعة ليستعيد
مكانته كقوة عظمى مكافئة للولايات المتحدة .
23- من الدلائل التي تشير على أن روسيا أقوى من ذي قبل
هي إعلانها وقف تعاونها مع الحلف الأطلسي وهذا يدل على أنها
ليست بحاجة للحلف وإنما العكس هو الصحيح حيث تقدم روسيا
تسهيلات لدول الحلف باستخدام أراضيها لتموين قوات الناتو في
أفغانستان وهي شريك غير مباشر في الحرب على الإرهاب , ونعتقد
أن الروس قادرين على الدعم في الوقت الحاضر من أي وقت مضى
وخاصة في ضوء الدعم الأمريكي لجورجيا وتوقيع الاتفاقية
الأمريكية مع بولندا لنشر الدرع الصاروخي وكذلك نعتقد إن روسيا
تريد أن تثأر من الولايات المتحدة وإدخالها في مستنقع عراقي
موحل يبشر بهزيمة أمريكية بالعراق كما فعل الاتحاد السوفيتي
إبان احتلال أفغانستان.
أسباب والدوافع للخيارات الوطنية
24- بعد أكثر من خمس سنوات على احتلال العراق أثبتت
السياسات الأمريكية الخاطئة بالعراق فشلها وتصادمها مع
السياسات الإيرانية في العراق فانتهت تلك السياسات إلى النتائج
التالية :-
أ- فشل المشروع السياسي الأمريكي في بناء عراق
ديمقراطي كنموذج أمريكي يتقدى به من قبل دول المنطقة نتيجة
اعتماد الولايات المتحدة على شخصيات وأحزاب كبيرة ليس لها ولاء
وطني .
ب- ظهور التنازع السياسي ما بين حلفاء الأمس كل وفق
إطماعه الحزبية أو الشخصية والسباق في الاستحواذ على السلطة
بطريقة همجية ثأرية .
ج- فشل البديل الديني لدوره المباشر في تردي الوضع
السياسي العام .
د- ضمور وفشل الدور العشائري الذي تذبذب ما بين سلطات
الدين والسياسة للاستئثار بالوجاهة والمال فتردت الشخصية
المعنوية للكثير من الزعامات القبلية وفقدت تأثيرها على
أتباعها .
ه- فشل معظم الأحزاب والحركات التي جاءت مع الاحتلال
والتي هي بالأساس ذات أهداف طائفية وعرقية حيث لعبت دورا
تخريبا في القضية الوطنية العراقية .
الخاتمة
25- لما مر أعلاه نرى أن الوضع ألان في العراق يختلف
عما كان عليه قبل خمس سنوات وحان الوقت لتجميع وتوحيد الجهد
الوطني ليفعل فعله في ميدان المعركة والميدان السياسي .
المصدر:
دار بابل للدراسات والاعلام
|