أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف  
 

سلوك الإنسان هو العودة الى الله

 

سماحة المرجع  احمد الحسني البغدادي

 

 

إن القرآن الكريم في حشد من الآيات مضامين هادفة في السير والسلوك، ويعتبر العرفاء الشامخون، والاولياء المهاجرون، ترشدهم إلى مسالك الهداية، والاستقامة والكمال ، وتسوقهم إلى بارئها المتعال، وتقودهم إلى الفناء في الرب ذي الجلال والإكرام، وهي : الحصيلة النهائية ، والرموز المكثفة : والدلالات الكبرى .

ولابد أن نقف هنا ــ قليلاً ــ لنلمس مسألة السير والسلوك إلى رب الارباب .. وذلك :

أولاً : يستفاد من النصوص الكريمة أن أولي الأباب هم الذين وهبوا كيانهم ووجودهم إلى الحضرة الواحدية ، وروضوا حياتهم على الصبر والمصابرة والثورة والحركة في سبيل الواحد القهار .. وهم مصادق قوله تعالى : ((إنا لله وإنا إليه راجعون)) الذي يعين مبدؤهم ومنتهاهم غير الاختياريين .

إن الرؤية الثاقبة إلى هذه الحالة ، وترتيب الاثر عليها من أعظم المسارات والمنطلقات التي سلكها الانبياء (عليهم افضل الصلاة والسلام) ، وأصحاب الذوق والسلوك من الحكماء والعرفاء الشامخين (رضوان الله عليهم) في الصمود إلى الحضرة الاحدية .. وهذه الحالة هي غاية آمال الرساليين المجاهدين منهم، والمرتاضين في السفر من الخلق إلى الحق ، ولا نهاية لهذا السير، الإ ما أدلى به خاتم الانبياء والرسل محمد (ص) حيث قال :

((من رآني فقد رأى الحق)) .

وهذا هو الحضور الوجداني ، والتجلي المثالي الذي هو العلة الغائية لخلق العالم بروحانياته وجسمانياته ، بل الرحمة الرحيمية التي تظهر كمال الوجود ، وحقائق الغيب والشهود .

ومن هنا .. نستكشف إيجاد جميع العوالم الإمكانية في عالم واحد وهو : عالم الانسانية بـ ((الاختيار)) فتغدو النيران تحت إرادته ، والجنان تحت أقدامه، فتخاطبه النار بقولها :

 ((جز يامؤمن ، فان نورك يطفئ لهبي)) .

ومن هنا .. نستكشف سير وسلوك الإنسان إلى قمة التكامل للصعود والترقي .. ينتهي بأبعد آفاقه وخصائصه في تلك اللحظات التي يتوحد فيها مع ذاته وعقيدته ويصير تعبيراً حياً عنها بحيث انه : لا يمارس عملاً .. إلا ويستشعر خلال تلك الممارسة الوجود الربوبي المحيط بحقائق الممكنات كلياتها وجزئياتها، وهذا هو معنى القيمومة المطلقة على جميع ما سواه .. وحينذاك يكون الإنسان قد حقق أقصى درجات رساليته الملتزمة وهي ((الإحسان)) للحضرة الاحدية المقدسة ، وهذا لا يتحقق.. ألا إذا كان في دار التحقيق والوجود ، ومحفل الغيب والشهود أولاً وآخراً .. ظاهراً وباطناً.. وما وراءه في التيه المظلم بلا دليل ،

وكذلك أنها من تجليات أولي الألباب بعدما لاقوا الاضطهاد والالام في الدنيا الزائلة .. فقد هجروا الأهل والاحبة، وشجبوا المحرمات والمكروهات ، وجاهدوا أولياء الشيطان والجاهلية ، وحزب الاستسلام والانهزامية، لأجل إقامة حكم الله في الارض كل الارض، وقاتلوا النفس الامارة بالسوء، فقتلوها بالاختيار والهيمنة على مسالكها الخاطئة والمنحرفة ، وتوجيهها إلى ما يرضي خالقها تقرباً إليه، وتأملاً في ملكه بمقتضى قوله تعالى : (( لا يخافون لومة لائم ))، ولأجل ذلك كانت عناية الله سبحانه لهذا الطراز الإيماني الحركي المتألق عظيمة لاحد لها ولا نهاية لعظمتها بوصفهم : مظهر من مظاهر تجلياته وأخلاقه .

بل هم الواصلون الممسكون بحبل الله عروة وثقى لا إنفصام لها .

بل هم أنتصروا بلقائه والفناء فيه ، وشربوا من عيونه المعنوية، واستشرقوا بشوارق الأنوار الأزلية .

بل هم الصورة المرئية من العقل الكلي في الدنيا والآخرة .

وثانياً : هيمنة ذكر الله سبحانه وتعالى على الإنسان تستوجب تجلي عظمة رب الارباب عليه، الذي خلق الكون على أروع وأدق نظام، الذي هيأ له ظروفاً تمكنه في كل وقت من تحقيق السعادة التكاملية في الارض والسماء .

وعندئذ يغدو طوع أرادته ، والفناء في نوره عز وجل ، فلا يعمل الا بما يرتضيه بمتابعة أوامره ونواياه الإلزامية منها والتنزيهية ، وينفذ ويطبق جميع مراحلها وشؤونها على أحسن ما يرام .. وفي هذه الصورة يتحقق مفهوم العبودية الحقيقية، وترتفع الانانية، وكل الحجب الظلمانية بينه، وبين رب الأرباب .

وعندئذ يغدو مرآة لوحي السماء، ولا معنى لأولي الألباب إلا ذلك ، فترى انهم يسارعون إلى الإسلام الحركي ، والايمان الواقعي .. عندما يسمعون المنادي ينادي إليه ، لأن النداء كسب أحاسيسهم الجياشة بعد ما كانت مشغولة بذكر الله ((ألا بذكر الله تطمئن القلوب)).

وهذا هو السمع الحقيقي الذي يغير الإنسان عما عليه من توقف في السلوك، ومن محجوبية في القلب ، ومن عدم التقدم في المسير .. كل ذلك من خلال الأسباب المانعة كالغفلة والنسيان .

وهذا هو السمع الحقيقي الذي يربط الإنيان مع الله جل جلاله، كالارتباط بين الأثر مع المؤثر ، وبين المعلوم مع العلة التامة ، وبين المخلوق مع الخالق، بلا فارق بين جميع الممكنات فإنها كلها متعلقة بـ ((الإرادة الأزلية حدوثاً وبقاءاً)) .

هذا .. وان من أعظم مقامات العرفاء العمالقة مقام الذكر .. بل هو من أجل مظاهر صوت التمجيد يعلن وحدة الربوبية في هذا الكون كله حيث يتصاغر كل عظيم، وينحني كل طاغية، ويستسلم كل متآمر للواحد القهار بوصفه المطلق في هذا الوجود .

إن الذين يخشون رب الأرباب ويتقونه، ويعيشون في حذر وخشية ، وفي تطلع ورجاء .. يتلقون هذا الذكر في وجل وإرتعاش ، وفي تأثر شديد.. تقشعر منه الجلود ، ثم تهدأ نفوسهم ، وتأنس قلوبهم بإقامة هذا الذكر الخالص لله الواحد القهار .

بل هو الإنابة إلى الله، والعودة في كل شيء إليه .

بل هو الأنوار المعنوية بوصفها لا حد لها ، ولا نهاية لعظمتها .

بل هو التقوى ، والعمل الصالح ، والمنهج القويم ، والخوف من الله، ومراقبته في السر والعلانية ، والإحساس به عند كل حركة، وكل منطلق .

بل هو طبيعة للإيمان بإله عادل رحيم عفو كريم ودود حليم، يكره الظالم ، ويحب العادل ، ويعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور .

بل هو التوحيد الخالص، الذي يميز المؤمن من المنافق ، والصالح من الطالح ، والغث من السمين ، والطيب من الخبيث .

بل هو يستجيش وجدان الضمير، والانسان هو الرابح بالذكر في دنياه وأخراه .

إن الذكر سواء كان على صعيد اللسان المستمد من الفؤاد ، أو على صعيد مناجاة الروح، أو على صعيد غيبة الذاكر في المذكور .. هو اتصال النفس التي تتصل تطمئن وترضى .. ترضى في ذلك الجوار الرضي وتطمئن وهي في ذلك الحمى الآمن .

إن الذكر وحده جزاء حاضر ينبت من داخل النفس الانسانية ، ويترعرع في حنايا القلب الآدمي .

إن بإقامة الذكر يعين سلوك السالك، ويصله بالسنة التاريخية الإلهية التي لا تختلف ، والتي لا تحيد ، ويرحمه من الشك والقلق والحيرة والتخبط بين الطروحات اللاشرعية التي لا تثبت على حال ، ويصله بالواحد الاحد يطمئن إلى جواره ، ويسكن إلى كنفه، ويعيش في سلام مع نفسه ، ومع الجماعة من حوله، وينتهي إلى رضوان الله، وثوابه الجزيل .

وثالثاً : تتضمن النصوص القرآنية دلالات عميقة على مخاطبة المربوب مع الرب .. ومثل هذا التوجه يستلزم حضور المخاطب لدى المتكلم وهو من مخاطبة الرب مع خالقه بوصفه حضور فعلي شمولي وعلى كل الصعد .. ومن طرف المربوب مع الرب كذلك .. فهو أبعد مراتب تجليات الذات الواحدية الاحدية على الافئدة والضمائر والنفوس .

وعلى ضوء هذا كله .. ذهب الإمام القائد الحسين بن علي (ع) في مناجاته الحضورية قائلاً :

((سيدي ماذا وجد من فقدك .. وما الذي فقد من وجدك)) .

وهذه هي العلاقة الاختيارية للانسان مع ربه العظيم، التي بها تطمئن الافئدة، وتحصل السعادة في عالم الشهادة، والتي بها يذوق لذة الحضور القلبي في ساحة المعشوق الحقيقي العالم بالأسرار، والخفايا الجامع لجميع الكمالات غير المتناهية .

ومن هنا .. اعلم هداك الله إلى الحق المبين : إن اعظم أسماء الله الحسنى تأثيرا على النفس الانسانية ، واشدها حضوراً وجدانياً من لدن المخاطب .. اسم ((الرب)) .. ولذا نجد باللمسة الوجدانية الانبياء، والاولياء يتوسلون بهذا الاسم العظيم في توجهاتهم وحالاتهم الانقطاعية، وهم بروحانياتهم ونورانيتهم التامة، يدل على كمالية الخلوص، والاخلاص، والخضوع، والشموخ، والتضرع لربهم ، ويكسبون رحمته وعنايته الذي خلقهم خلفاء في الارض، وسادة العالمين .

ورابعاً : إن أرقى مراتب سلوك السالك إلى الله العظيم الجبار القهار المتكبر مالك الممكنات كلها، وأفضل توجهاتها ومغادرتها من الخلق إلى الحق .. أي : التطلع إلى الله في حذر وخشية، ورجاء ومراقبة غضبه ورضاه في السر والعلانية، والاحساس عند كل حركة وكل منطلق، بحيث ينقطع عما سواه سبحانه .

وهذا كله يتوقف على اليقين على الثقة التي لا يخامرها شك، ولا يخالطها قلق ، ولا تتسرب إليها ريبة ، وحين يستقين قلب سير السالك، ويستوثق يعرفه نهجه ، فلا يتلجلج ، ولا يتلعثم ، ولا يحيد ، ولا يحيني هامته لأحد سواه ، ولا يطلب شيئاً من غيره ، ولا يعتمد على أحد من خلقه .. وعندئذ يبدو له الطريق واضحا ، والأفق منيراً ، والغاية محدودة ، والنهج مستقيماً .. وعندئذ يصبح هذا السلوك والسير العرفاني الشامخ له نوراً وهدى لهذا اليقين .

وهذا يعني اللجوء إليه لا حد له .. فالسعي وراء المبدأ الفياض يوجب العمل دائماً نحوه، بلا تردد ، وبلا تراجع، وبلا وجل .. ويرفد الإنسان أبعاده الكبرى المستمدة من صفات ذلك المطلق الكمالية الثبوتية التي تناضل الجماعة المؤمنة نحوه بكل غالي ونفيس ، فالسعي وراء المبدأ الفياض كله خصائص الصفات الكمالية والثبوتية ما لا يمكن أن يحدها حد .. بمعنى تغدو مسيرة الجماعة المؤمنة .. جهوداً وجهاداً مستمراً ضد الاستلاب والافقار ، وضد الاستكبار والارهاب.. وصموداً وصبراً راسخاً على تحمل مسؤولية الانكسارات والانتكاسات في سبيل الواحد القهار .

ومن ثم يظل ضمير الإنسان وحياته ووجوده ، ووجود كل شيء من حوله مشدوداً بالله الواحد الذي يصرف أمره كل شيء حوله وفق حكمة وتدبير، فيلتزم الإنسان في حياته بالمنهج المرسوم القائم على أساس الحكمة والتدبير ، ويستمد منه قيم وموازينه، ويراقبه وهو يستخدم هذه القيم والموازين .. ولاجل ذلك غدت ألطاف الله تعالى ومننه عليه شاملة متكاملة بوصفه مظهر من مظاهرتجلياته ، وهو الصورة المرئية من العقل الكلي في هذه العوالم الكونية كلها ، وقد أعد له : ((جنات تجري من تحتها الانهار)) لا حد لجهة من جهات عظمتها كما وكيفا ، ولا ينالها أحد إلا بالتفاني في سبيل مرضاته .. حتى يصل إلى درجة البقاء فيه جلت قدرته .

 

 

 

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات

اطلالات
خفايا واسرار
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2008
©