أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف  
 

سلسلة: "وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ" .. الحلقة الخامسة/ ج 1, 2

الشعب الثائر  والمثبطون :

 

حلقات كشفية لواقع المسلمين في العراق وفلسطين وأحرار العالم, ومحاولة لتحفيز الهمم واتخاذ المواقف ضد الاستكبار والصهيونية العالمية, مستندين في ذلك على الكتاب الحكيم الذي فيه تبيان لكل شيء.  

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} سورة التوبة الآية 46

    منذ أن تعهد الإنسان في عالم الذر إلى خالقه بتحمل الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين وأشفقن منها وهو يكابد ويعاني شتى المصاعب  في سبيل تحقيق هذه الأمانة, والتي هي المعرفة والتوحيد, وبنقاء وصفاء هاتين الصفتين عند الإنسان سوف يتجلى لبني البشر عالم الربوبية والذي هو عبارة عن العالم المحيط بكل الموجودات, إذ كل ما في الوجود من البداية إلى النهاية منسوب إلى الله سبحانه، وليس في الوجود سوى الله سبحانه وأفعاله وآثاره، ولكي يخفف الله الحمل عن الإنسان بعث إليه الرسل والأنبياء والمصلحين لكي يكونوا مصابيح تنير الظلمات التي تغشي بني الإنسان في سيره إلى الله {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ } سورة الانشقاق الآية 6, فبعد الحقبة الآدمية الأولى وما جرى فيها من ابتلاءات وامتحانات, جاءت الحقبة النوحية والزمن الصعب الذي ابتلى فيه رسول البشرية مع قومه بتعريفهم بوحدانية الخالق واللجوء إليه وعبادته, فما كان منهم إلا الصد والتجاهل والاستهزاء والركون إلى الأموال والمكر والكبر والتجهيل للعقول والخداع والتقوي عليه بالأصنام التي يعبدونها دون الله والتي أضلوا بها كثيراً من الناس, فما كان منه عليه السلام بعدما يئس من استجابتهم لدعوته إلا أن يدعوا عليهم بالفناء والدمار وكان له ذلك, وبعد نور دعوة نوح (عليه السلام) انتقلت إلينا عبر سلسلة من الرسل والأنبياء من هود وصالح وموسى وإبراهيم  وعيسى ومحمد (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) صفوة الرسالات وخيرتها وكمالها وتمامها وهو الموروث الحضاري الذي بين أيدينا بكل تداعياته وأشكاله فما حدث بالأمس يحدث اليوم وبنفس الصورة مع فرق الأسماء والعناوين{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً } سورة الأحزاب الآية 62  .

      فتنكر أصاحب الدعوة الواحدة لبعضهم البعض دليلا على وجود شرخ وخلل أو نقص في الدعوة, أو عدم الإحاطة والجهل بها, أو في تطبيقها, أو لوجود أغراض معينة لحملة هذه الدعوة لا تمت إليها بشيء, ولنستبين هذه الأطروحة في تفاصيلها سوف نستعرض ما يحصل اليوم في ساحاتنا الملتهبة بنار الاضطرابات والفتن والحروب, ففي القضية الواحدة نرى تفاوت وتضارب فتاوى وتصريحات علماء الإسلام حولها بين الواجب والحرمة وما بينهما ويظهر هذا الأمر جلياً في القضايا السياسية والأحكام المتعلقة بالعدل والسيادة لدول الإسلام.

       فأما النقص أو الشرخ في الدعوة فهذا باطل ولا يدعيه إلا جاهل أو معاند فالرب واحد والكتاب واحد والرسول واحد فيجب هنا بداهة أن يكون الحكم واحد في القضية الواحدة, إضافة إلى دلالة آية التمام والكمال لهذا الكتاب والشريعة{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} سورة المائدة الآية 3 , وفي نهج البلاغة  يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) {ترد على أحدهم القضية فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ثم يجتمع القضاة بذلك عند إمامهم الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا، وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد. أفأمرهم الله بالاختلاف فأطاعوه أم نهاهم عنه فعصوه أم أنزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه أم كانوا شركاء فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى أم انزل الله دينا تاما فقصر الرسول في تبليغه ؟ والله يقول: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (وفيه تبيان كل شئ) وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا وانه لا اختلاف فيه فقال سبحانه: (( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ))  وإن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به.} ([1] ) .

        فهذا القرآن ليس فيه اختلاف لصدوره من الواحد الأحد, وإنما جاء اختلاف فهم الناس لهذا الكتاب من جهلهم وعدم التعمق والإحاطة واكتشاف النور المخزون فيه. وبعض الناس درسوا القرآن وحفظوه ولكنهم أخطئوا في التطبيق كما حصل مع الخوارج بالأمس, ومع خوارج اليوم أيضاً.

        والبعض الآخر كان له أغراض أخرى من عدم تطبيقه بالرغم من حفظه وتلاوته له كما حصل مع شريح القاضي في معركة الطف بالأمس, واليوم نرى هذا الموضوع جليا في ساحتنا الإسلامية في مختلف القضايا الكثيرة الموجودة أمام أنظارنا, ففي  وجوب الجهاد الدفاعي (الدفع) في العراق لإخراج المحتل الغاصب, سكت أغلب المتصدين للمرجعية في العراق وخاصة ما يسمى (المراجع الأربعة) أمام مسألة من الإجماعيات بين فقهاء الإسلام الأوائل والمتأخرين منهم سواء من علماء الإمامية, أو أتباع مدرسة الخلافة, فمن أراد التتبع لهذه المسألة في بطون الكتب والمتون الفقهية لخرج بحصيلة مفادها أن من يدعي الاجتهاد ولم يفتي بوجوب محاربة وقتال المحتلين الكافرين في العراق وفلسطين وبقية البلدان الإسلامية المحتلة فشارب الخمر والعاهر اللذان يتحسسان ويتفاعلان مع قضايا بلديهما أشرف وأطهر من أولئك الفقهاء الذين ليومنا هذا لم يفتوا بحرمة المحتل فضلا عن مقاتلته؟!.

     ونقلاُ عن وزارة الأوقاف المصرية أجاب مفتي الأزهر الشريف الشيخ حسن مأمون عن سؤال موجه إليهم في جمادى الأولى 1367 هجرية - 5 ديسمبر 1956م.

       من السيد / مندوب مجلة التحرير قال ما حكم الشريعة الإسلامية في المسلم الذي يخون وطنه في هذا الوقت الحاضر؟

      جواب مفتي الأزهر الشيخ حسن مأمون: ([2])                       

        إن الشريعة الإسلامية أوجبت على كل مسلم أن يشارك إخوانه في دفع أي اعتداء يقع على وطنه، أو على أي وطن إسلامي آخر، لأن الأمة الإسلامية أمة واحدة .

        قال الله تعالى (( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون )) سورة الأنبياء الآية92، وكل بلد أغلب أهله مسلمون يعتبر بلدا لكل مسلم .

       فإذا وقع اعتداء من حكومة أجنبية على أي وطن إسلامي بقصد احتلاله، أو احتلال جزء منه أو بأي سبب آخر - فرض على مسلمي هذه البلد فرضا عينيا أن يجاهدوا وقاتلوا لدفع هذا العدوان، وعلى أهالي البلاد الإسلامية الأخرى مشاركتهم في دفع هذا العدوان، ولا يجوز مطلقا الرضا إلا بجلاء المعتدي عن جميع الأراضي.

      وكل من قصر في أداء هذا الواجب يعتبر خائنا لدينه ولوطنه وبالأولى كل من مال إلى عدو المسلمين وأيده في عدوانه بأي طريق من طرق التأييد يكون خائنا لدينه - فإن الاعتداء الذي يقع على أي بلد من البلاد الإسلامية اعتداء في الواقع على جميع المسلمين - والخيانة للوطن من الجرائم البشعة التي لا تقرها الشريعة الإسلامية، والتي يترك فيها لولى الأمر أن يعاقب من يرتكبها بالعقوبة الزاجرة التي تردع صاحبها، وتمنع شره عن جماعة المسلمين وتكفى لزجر غيره - ولم تحدد الشريعة الإسلامية هذه العقوبة وتركت لولى الأمر تحديدها.

     شأنها في ذلك شأن كل الجرائم السياسية .

     فقد جاء في الجزء الثالث من ابن عابدين ما نصه والجهاد فرض عين إن هجم العدو.

      فيخرج الكل، أي أن دخل العدو بلدة بغتة .

      وهذه الحالة تسمى النفير العام، وهو أن يحتاج إلى جميع المسلمين .

      ولا أعلم مخالفا لذلك من المسلمين ونصت الآية الكريمة على وجوب قتال الكفار إذا قاتلوا المسلمين وبدءوهم بالعدوان قال الله تعالى { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} سورة البقرة الآية 190.

       أما فقهاء الإمامية (رض) فهم لم يتركوا هذا الأمر من دون تمحيص وتحقيق في مختلف جوانبه ومن أراد التوسع فليراجع كتاب تبصرة المتعلمين في أحكام الدين وكتاب وسائل الشيعة في تحصيل مسائل الشريعة  باب 6 من أبواب الجهاد العدو, وسأستشهد في هذا الخصوص بما ذكره صاحب كشف الغطاء في تصنيف الجهاد حيث يقول:

     (( رابعها:الجهاد لدفعهم عن بلاد الإسلام، وقرآهم، وأراضيهم، وإخراجهم منها بعد التسلط عليها، وإصلاح بيضة الإسلام (( يقصد بالبيضة: أصل القوم ومجتمعهم، وبيضة الإسلام: من بهم قوام الإسلام.)) بعد كسرها، وإصلاحها بعد ثلمها، والسعي في نجاة المسلمين من أيدي الكفرة الملاعين ويجب على المسلمين الحاضرين والغائبين إن لم يكن في الثغور من يقوم بدفعهم عن أرضهم أن يتركوا عيالهم وأطفالهم وأموالهم، ويهاجروا إلى دفع أعداء الله عن أولياء الله، فمن كان عنده جاه بذل جاهه، أو مال بذل ماله، أو سلاح بذل سلاحه، أو حيلة، أو تدبير صرفها في هذا المقام لحفظ بيضة الإسلام، وأهل الإسلام من تسلط الكفرة اللئام، وهذا القسم أفضل أقسام الجهاد، وأعظم الوسائل إلى رب العباد، وأفضل من الجهاد لرد الكفار إلى الإسلام، كما كان في أيام النبي (عليه واله أفضل الصلاة والسلام )، ومن قتل في تلك الأقسام يقف مع الشهداء يوم المحشر، والله هذا هو الشهيد الأكبر، فالسعيد من قتل بين الصفوف، فانه عند الله بمنزلة الشهداء المقتولين مع الحسين (عليه السلام) يوم الطفوف، وقد زخرت لهم الجنان، وانتظرتهم الحور العين والولدان، وهم في القيامة أضياف سيد الأنس والجان، فمن علم بأنه يجب عليه أن يقبل مني الكلام، ويأخذ عني الأحكام الواردة عن سيد الأنام (صلى الله عليه وآله وسلم)، فليخرج سيفه من غمده، ويرفع رمحه من بعده، وينادي بأعلى صوته:

أين غيرة الإسلام؟.. أين الطالبون بثارات شريعة سيد الأنام؟...)) ([3]).

وكذلك ما ذكره صاحب المسالك (قدس سره)  في كتاب الجهاد:

 والثاني:" أن يدهم المسلمين عدوا من الكفار، يريد الاستيلاء على بلادهم أو أسرهم أو أخذ أموالهم وما أشبهه من الحريم والذرية. وجهاد هذا القسم ودفعه واجب على الحر والعبد والذكر والأنثى إن احتيج إليها. ولا يتوقف على إذن الإمام ولا حضوره. ولا يختص بمن قصدوه من المسلمين. بل يجب على من علم بالحال النهوض، إذا لم يعلم قدرة المقصودين على المقاومة. ويتأكد الوجوب على الأقربين فالأقربين". ([4]).

      فهذه الآراء والأحكام لفقهاء الإسلام تُدرس لطلبة العلوم الدينية سواء في المقدمات أو في مرحلة السطوح أو على مستوى البحث الخارج, وهي ليست من المواضيع الخلافية بحيث كل يفتي حسبما يقتضيه اجتهاده وهي ليست من المستحدثات التي تحصل لأول مرة عند المسلمين لكي يختلف فيها فقهاء الإسلام أو   يسكتوا عنها فالمسلمون مبتلون بالأعداء منذ صدر الإسلام الأول إلى يومنا هذا والى يوم القيامة فما الذي تغير لكي يصمت من صمت وتلتف بعد ذلك حولهم كل القوى والتيارات السياسية والأحزاب الإسلامية وغيرها, وما سر هذه العلاقة المشبوهة بين حكام الدول الإسلامية المجاورة للعراق وهذه المرجعية المتنكرة لأحكام الإسلام الواضحة, والتي هي من خونة الشعب العراقي وكل من مال إلى عدو المسلمين وأيده في عدوانه بأي طريق من طرق التأييد لاحتلال العراق وتثبيته يكون خائنا لدينه ووطنه حسبما قال مفتي الأزهر- الشيخ حسن مأمون-, أو لا أيمان ولا غيرة لهم كما قال كاشف الغطاء, أو كما ذكر الإمام الخميني (قد) واصفاً هؤلاء بـ ((هناك نمط من الأفكار البلهاء موجودة في أذهان البعض والتي تساعد المستعمرين، والدول الجائرة على بقاء وضع البلاد الإسلامية بهذه الصورة ، ومنع النهضة الإسلامية .. هذه أفكار جماعة مشهورة باسم: "المقدسين" بينما هم في الحقيقة: "متصنعوا القداسة" لا مقدسون، يجب علينا أن نصلح أفكار هؤلاء، ونوضح موقفنا منهم، لأنهم يعيقون نهضتنا وعملنا الإصلاحي، وقد كبلوا أيدينا )) ([5]).

       فهؤلاء المتصدون أعداء الدين بل هم ممن ينفرون الناس من الدين فهم مزيفون و صناعة من صناعات دول الاستكبار والصهيو- أمريكية, كيف لا وإننا  نجد الصدر الثاني(قد) قد حذر من الدور المشبوه للمؤسسة الدينية في الصراع مع الغرب والاستعمار ويقول: "..إن الحوزة والاستعمار ضرتان لا تجتمعان", ويرى الجميع بالأمس واليوم, القاصي والداني, الجاهل والعالم كيف اجتمعت الحوزة النجفية والاحتلال الأمريكي؟!.

     أو يقول بمناسبة أخرى(قد) في مرارة وآلم تتحسسه من طريقة إلقائه في أحدى خطبه في مسجد الكوفة عندما يصف علاقة النظام التعسفي السابق مع مرجعية السيستاني: (....لقد أبقوه لأمور لا يعلم بها إلا الله وحده ولا أريد أن أصرح أكثر من ذلك), ويذهب أبعد من ذلك حينما يقول(رض): ...منذ فترة والاستعمار يسعى إلى زرع مجتهد في الحوزة؟!         

       فأني متعجب ليس من هؤلاء المتصدين ولكن من علماء مجاهدين بالأمس وتيارات وأحزاب وشخصيات عرفت بمواقفها الجهادية والوطنية الشريفة, واليوم تهرول وتضم صوتها وتأييدها لهذه المرجعيات المتصدية, وبالرغم من أن هؤلاء كانوا بالأمس القريب من أشد المخالفين لهم, واليوم نراهم يتقاطرون عليهم ليعلنوا اصطفافهم إلى جانبهم أو القبول بأطروحاتهم طمعا بالمنصب والمال الذي يدر عليهم, فهم قد تنكروا لكل تلك الدماء الزاكية التي تضرجت على مذبح أرض الشرف والكرامة في عراق الجهاد والرجولة, وقد خذلوا الشباب المجاهد الذي كان يرى بهم القدوة والمثال الصالح في الإقدام على مقارعة الكفار المحتلين لأرض الإسلام في العراق.

       لذا فمن الأخطاء الشائعة عند أبناء الأمة هو اعتمادهم على النخبة سواء كانت هذه النخبة من رجال الدين أو رجال الأحزاب والتيارات وتخليهم عن الطاقات الموجودة والكامنة في شباب الأمة الواعية لمخططات المحتلين وأعداء الإسلام وقد تنبه لهذا الأمر الشهيد السيد محمد باقر الصدر(قد) حينما تطرق إلى الفرق بين شباب الأمة المضحي وأدعياء العلم والدين من المؤسسة الدينية فيقول في هذا المجال (قد): -

  {سوف أعتمد في العمل على أمثال"أصحاب الرسالة" إن هؤلاء أسخى لله تعالى بدمائهم من أجل الإسلام والقيادة الإسلامية وسأبذل معظم الحقوق الشرعية على تربيتهم, إن الإسلام اليوم بحاجة إلى المضحين الفدائيين, إن واحداً من هؤلاء يستطيع بعمل تضحوي ما أن يغير وضعاً قائماً كان يبدو من المستحيل تغييره ولا يستطيع أن يفعل ذلك من بذلنا الكثير من أجله} ([6]) ذكر ذلك وأحاديث أخرى كثيرة بذات السياق في أيام حجزه وأقامته الجبرية التي فرضت عليه من قبل النظام الصدامي المخلوع, وقد تحققت نظرية السيد رضوان الله عليه في الانتفاضة الشعبانية حيث أعتمد الشباب على أنفسهم في القيام بوجه الطاغية ومن دون الرجوع إلى المؤسسة الدينية وقد اسقطوا أربعة عشر محافظة خلال بضعة أيام, لكن حين تحول قادة هذه الانتفاضة إلى التفكير بالرجوع للمؤسسة الدينية وأخذ الغطاء الشرعي منها لعملهم حينها بدأ الارتباك في الأداء, وأخذ يدب الاضطراب في مواقف المنتفضين حيث جاء الخذلان للأمة ولهؤلاء الشباب المنتفض من نفس هذه المؤسسة مرة أخرى.

 

الجزء الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم

 

{وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} سورة التوبة الآية 46

 

 

       سوف نتناول في هذا الجزء مراحل العقود الأربعة الأخيرة التي مرت على العراق بصورة مختصرة وسريعة ونلاحظ مدى هول المعاناة التي تعرض لها هذا الشعب الثائر وحجم تآمر المثبطون عليه واستمرارهم في نهجهم التآمري عليه.   

 

مرحلة السنين الأخيرة من حركة الشهيد محمد باقر الصدر(قد):

        امتازت الحركة الدينية في العراق والتي عاشها السيد الصدر بعدة أشياء ظاهرة للمتتبع ولبعض ممن عاشوا تلك الفترة ومن أهم هذه الأشياء هو عدم وجود المنافس السياسي المرجعي للسيد الشهيد الصدر الأول بل كانوا يعيبون في الحوزة على من يهتم بالشأن السياسي وفي بعض الأحيان يحاربون من يفكر أو يطرح نظرية أو أطروحة تخص الشأن السياسي ونظام الدولة كما حصل مع النائيني وكاشف الغطاء وعبد الكريم الزنجاني والسيد محمد البغدادي بالإضافة إلى الخميني فقد تعرض هؤلاء لجميع التهم التي أعتاد عليها رجال الدين التقليديين منذ القدم لكل المصلحين وإلصاقها بهم وبعد رحيل هذا الجيل ومجئ جيل السيد الصدر الأول لم يكن هناك الكثير من المراجع الذين يهتمون بالشأن السياسي فقد قسمنا الحوزة في ذلك العهد إلى نوعين: السياسية و غير السياسية وهذه الأخيرة لم تكن في صدد المنافسة مع المرجعية المتصدية للأمور السياسية في بادئ الأمر فقد ظلت على النمط الحوزوي التقليدي, ولا يرغب هؤلاء التقليديون في ركوب الأخطار المترتبة على التصدي والإصلاح السياسي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في العراق, بالإضافة إلى إن المثبطين لحركة الصدر الأول لم يكونوا قد وضعوه هدفا لتحركاتهم لان حركته لم تكن مؤثرة في طبيعة كيانهم ذلك التأثير المباشر في بداية تحركاته وكذلك الأتباع الذين التحقوا به وأيدوه لم يكونوا من الوزن الفقهي والحوزوي الرفيع وإنما هم مجموعة من شباب طلبة العلوم الدينية وبعض أبناء رجالات البيوتات النجفية من المراجع المتصدية في تلك الفترة, لكن بعد نجاح الثورة في إيران اخذ الصدر الأول يتفاعل معها بقوة وبشكل معلن غير مخفي متحدي جميع القيود والتهديدات التي كان النظام الطاغوتي يستخدمها حين ذاك ولم يكن الصدر قد وضع في حسبانه أن هذا النظام الطاغوتي سوف يقدم على جريمة إعدامه بالطريقة التي فعلها خاصة بعد نجاح الثورة في إيران واختلاف موازين القوى في المنطقة وانتشار مؤيديه في مختلف أنحاء القطر والتي اضافت له قوة في إعلان تصديه المباشر للنظام الطاغوتي, نعم لقد وضع نصب عينيه الشهادة التي ستكون نهاية مطاف المواجهة مع النظام الدموي والتي نقرئها من خلال هذا النص الذي أبلغه لعيسى الخاقاني أحد وسطاء النظام البعثي حيث يقول السيد له: (( كل ما كنت أصبو إليه في حياتي هو جعل الحكومة الإسلامية حقيقة على أرض الواقع, وبعد أن تحقق هذا الحلم في إيران وبقيادة الإمام الخميني فلا يهمني الآن أن أموت أو أن أحيا مادام الحلم الذي أردت تحقيقه قد أصبح حقيقة واقعة والحمد لله)) ([7]) .                                                                                             

        تكلم بهذه الخصوصية بعد أن عرف الخطوط المشبوهة التي كانت تحيط بحركته؟!, وعلم أيضاً من خلال تجربته الطويلة وحسه السياسي الرياضي أن النظام سيقوم بطريقة ما من المكر والخداع بقتله, ولم يضع في حساباته أن تكون بهذه الطريقة السافرة التي أججت مشاعر العراقيين وجعلتهم يقيمون بعمليات عديدة ضد النظام الطاغوتي حين ذاك, في ذات الوقت كان النظام قد اتبع إرهاباً من الطراز الأول من حيث دقة التنظيم, حينما أحصى أفراد كل عائلة واخذ الشباب المتدين من هذه العوائل سواء كانوا موالين للصدر أو غير ذلك, ولاحظنا بأم أعيننا كيف يداهمون بيوتنا وبيوت إخواننا في منتصف الليالي ويأخذون فلذات أكباد هذه العوائل العراقية الشريفة التي ليس لها من ذنب سوى تدينها.

 

مرحلة الحرب العراقية ـــ الإيرانية:

        بعد إعدام الشهيد الصدر الأول وما تلته من سلسلة الإعدامات وزج الشباب المتدين في السجون, فقد خلفت وأفرزت هذه المرحلة طابعا مأساويا للشباب العراقي المتدين, فبعضهم هاجر خارج العراق والبعض الأخر ظل أسير الرعب والبطش الذي ينتظره وينتظر عائلته وأقربائه أن وجد مستمسك أو أي دليل يوحي انه من أنصار السيد الشهيد الأول حتى وان كان هذا الدليل كتابا وجد عنده بالصدفة, أو قد أعطاه إياه احد زملائه الذين يعملون كوكلاء للأمن العراقي في ذلك الوقت, والبعض الأخر مارس التقية بكل أنواعها وتفصيلاتها, هذا الانكفاء والانكماش في الشارع العراقي جعل أي تنظيم في داخل العراق وفي فترة الحرب العراقية الإيرانية يكون من المستحيلات أو يكاد يكون نوع من أنواع الانتحار إن فكر به أي شخص أو مرجع لذا تعتبر فترة الثمانينات من القرن المنصرم لمرحلة العراق من الفترات الذهبية للنظام الطاغوتي والمظلمة المأساوية الدموية التي مرت بتأريخ  شعب العراق, حيث سيطرت الحزب الواحد الذي خنق الأنفاس وزرع الرعب والخوف بين الناس بالإضافة إلى زج الشعب في حرب دامت ثماني سنوات مدعوماً بها من الكويت والسعودية وتأييد أغلب الدول العربية بالإضافة إلى دول الغرب وأمريكا, هذه الحرب التي خسرنا فيها الطاقات الشابة من كلا الطرفين المتحاربين, لذا فأي دعوة لوجود حزب أو تنظيم عامل في تلك الفترة داخل العراق هو محض كذب وادعاء وإن وجد فهو من صنع المخابرات العراقية الخبيرة بتصنيع وتفريخ الأحزاب الوهمية المعارضة التي كانت نهاياتها كارثية على الأفراد المخدوعين بها, نعم  يوجد تحركات وتضحيات فردية نادرة هنا وهناك,  وتنظيمات وأحزاب معارضة عاملة ضد النظام خارج العراق, و بعض التنظيمات غير المؤثرة في الأهوار المدعومة من قبل الجمهورية الإسلامية.     

 

مرحلة من غزو الكويت إلى احتلال العراق:   

        بعد ذلك جاءت مصيبة غزو الكويت وما ترتب عليها من نتائج وخيمة على الشعبين الجارين والتي أفرزت الانتفاضة الشعبانية حيث شارك فيها السيد احمد الحسني البغدادي حسبما ذكر في موسوعته الجهادية المنشورة على موقعه, والسيد محمد محمد الصدر الشهيد الثاني([8]), ولكن السيد احمد الحسني البغدادي عندما رأى الشعارات والهتافات التي كان يرددها المنتفضون وبحكم خبرته التراكمية بهذه المؤسسة وبطبيعة النظام الدولي والإقليمي بالإضافة إلى طبيعة النظام الطاغوتي المتسلط على رقاب العراقيين قرر الأنسحاب بعد ثلاثة أيام, بينما استمر الشهيد الثاني مع المنتفضين وقد ذهب إلى السيد أبي القاسم الخوئي يحثه ويطالبه بإصدار فتوى جهادية بوصفه زعيم الحوزة, ولكن الحاضرين في برانية السيد الخوئي من حواشيه وأولاده استخفوا برأيه فخرج منزعجاً منهم ولم يجعلوه يجتمع مع الخوئي, على أثر ذلك كتب بيانا وقرأه بنفسه في اليوم الثالث في الصحن الحيدري الشريف, وقد دعاه السيد حسين أخو السيد أحمد الحسني البغدادي لقيادة المعركة بعد انسحاب أخيه للأسباب المذكورة أنفاً, فقال السيد الصدر الثاني لحسين البغدادي: ((أنا أخاف أن يقتلني محمد تقي الخوئي إذا تصديت لقيادة الانتفاضة,لان والده هو المرجع الأعلى حالياً)) ([9]) ان موقفه من الانتفاضة وإصداره وقراءته لبيان ثوري مؤيدا لعمل الثوار أدى إلى اعتقاله من قبل السلطة الحاكمة للمرة الثالثة. 

         أن تجربة الانتفاضة الشعبانية أعطت درسا بليغا للعاملين في المجال المرجعي المتحسس بآلام الأمة, بعدم الاعتماد على هذه المؤسسة, لذا أصبح طلاق بائن بينهم وبين هذه المؤسسة التي خذلتهم في أكثر من مرة عند مواجهتهم للنظام العفلقي وأخذوا يعملون كل على شاكلته فأخذ السيد الشهيد الصدر الثاني بالتقية في تعامله مع هذه المؤسسة وبدأ يحاور جميع الوفود التي تأتي إليه من قبل السلطة وفتح الباب لهم بقبوله الترشح لزعامة الحوزة العربية مقابل الحوزة الفارسية كما كان يفكر به النظام البائد حينذاك بعد قمع الانتفاضة الشعبانية.

           بدأ الصدر الثاني في عام 1992م بتجميع الكوادر العراقية الشابة حوله ونشط وكثف عمله هذا في عام1994م بعدما أخذت الدولة بالضعف نتيجة الحصار والخسائر التي تكبدتها اثر الحروب التي قامت بها, وكذلك انفراج الحصار عن الأحزاب المعارضة للنظام بعد قمع الانتفاضة الشعبانية, حيث نشطت في العمل على مستوى الداخل والخارج فقد كسرت هذه الانتفاضة حاجز الخوف والرعب من النظام وهذا الأمر من أهم الثمار التي أنتجتها تلك الانتفاضة المباركة بالرغم من قمعها بتأييد ومشاركة قوى عربية وقوات التحالف حينذاك.

           بعد الانتفاضة أشتد الحصار المفروض على الشعب, وكان السيد يبني خلال هذه الفترة الجسور بينه وبين الأمة ويرجع إليها ثقتها بالمرجع الحركي بعد أن رأت الخذلان المتكرر لها في كل عملية تغيرية تحاول القيام بها مستندة على الأسس التي تعلمتها من الشرع الحنيف بعدم الرضوخ للظلم والطواغيت, ولم يكن يتعرض  السيد في تلك الفترة في مجالسه العلنية لانتقاد الحوزة ورجالتها حتى وصفوه رجال الحوزة في ذلك الوقت بأشنع الأوصاف, ولكنه كان يخطط لهدف أكبر في كيفية احتواء الأمة وكسب ثقتها وإعطائها صورة نموذجية عن مرجع الدين الذي يعيش حياتها ويتحسس آلامها ومعاناتها, وكان له ذلك بعدما تتطور الأمر وأخذ منحى أخر عند بدء إمامته لصلاة الجمعة من خلال مسجد الكوفة, فقد تدرج بإعلان مواقفه شيئا فشيء مبتدأ بإصلاح مجمل العادات والأعراف الخاطئة الظاهرة في المجتمع العراقي, ثم أنتقل إلى ترسيخ وتكريس مبادئ الوحدة الوطنية بين مكونات الشعب العراقي والتي لم تكن من الأمور التي يعيرها أهمية أو يلتفت إليها الشعب في تلك الفترة لانسجامهم وتوحدهم بالفعل والقوة, بعد ذلك أنتقل إلى المرحلة الحرجة وهي إصلاح الحوزة والتعرض لمخططات الكيان الصهيوني والأمريكان مستخدماً عدة طرق في ذلك ومعتمداً بصورة رئيسية على منبر صلاة الجمعة وما تبعها من نشاطات معروفة للمتابع اللبيب([10]), وهذه المرحلة هي التي عجلت في اتخاذ قرار تصفيته وإلغاء دوره في الوسط العراقي من قبل جميع الذين اشتركوا في مخطط قتله, سواء من النظام الحاكم أو مخابرات الدول الإقليمية أو دول الصهيوـ أمريكية.   

 

مرحلة غزو العراق وفترة احتلاله..

       منذ بداية غزو العراق واحتلال أرضه حصل ذات الشيء حيث تحرك شباب الأمة الغيور

 والمتدين الواعي برسالة السماء إلى محاربة المحتلين الكافرين وإنزال أبشع الخسائر فيهم وترى بذات الوقت تخذلهم هذه المؤسسة الدينية بل وتقف ضدهم إلى جنب المحتل, باستثناء المرجعيين الأخوين العربيين السيد علي الحسني البغدادي, والسيد أحمد الحسني البغدادي والذين تعرضوا لذات الشيء الذي  حصل للسيد الشهيد  الصدر الأول والثاني من المحاربة والتضييق والتهميش ولكن بطريقة تتناسب مع هذه المرحلة فالسيد علي البغدادي محاصر ومحجوب عن الأمة من قبل المؤسسة الرجعية المرتبطة بقوات الاحتلال والحكومة التابعة لها إلا من بعض طلبته ومريديه الذين يترددون عليه, أما السيد أحمد الحسني البغدادي فظلامته لا توصف فهو قد عاش جميع المراحل التي عاشها الشهيدين الصدرين بالإضافة إلى امتداد عمره وبقائه إلى زمن الاحتلال كي يكون شهيداً حياً على كل الحرمات والانتهاكات التي حصلت باسم الدين والدين منها براء, هذا السيد الذي يسير عكس التيار في هذه الفترة الحرجة والكارثية التي تمر بأمة محمد (ص) فهو يعيش حالة الاغتراب التي وصفها رسول البشرية لهذا الدين, والتي لم يكن يقصد فيها إلا تغيير المفاهيم والأحكام التي جاء بها رسول الله وإبدالها بإيجاد مراسيم وطقوس لدين آخر خرافي يرسموه ويطبعوه في ذهنية المجتمعات الإسلامية, فهو قد عاش كل تلك الفترات العصيبة التي مرت على الأمة, وقد جمع بين الخبرة الحوزوية والاحتراف السياسي نتيجة تراكم الأحداث التي عاشها والبيئة التي ترعرع فيها فهو بالإضافة إلى نشؤه في أسرة علمية وبين أوساط التقى والورع والعفاف ومحاط بأساطين العلم, لكن أسرته لم تكن من بين صفوف الحوزة التقليدية قط حيث عاشت آلام الحوزة والمؤسسة التقليدية بكل تفاصيلها, ففتح السيد عينيه على الصراعات الفكرية والسياسية التي كانت تحصل وتدور أحداثها زمن مرجعية جده السيد محمد الحسني البغدادي(قد) المتزامنة مع مرجعية السيد الخميني ومحسن الحكيم ورأى بأم عينه التزييف والأستئكال بالدين, وكيفية خذلان المؤسسة الدينية لكل مشروع نهضوي تغييري إصلاحي, كما يطالعنا هذا النص المعبر عن عمق الحرب بين المثبطين من الحوزة التقليدية والإصلاحيين حينما يتظلم السيد الخميني من هؤلاء قائلاً: (( لا ادري ماذا افعل بجو النجف هذا، كلما قمت بخطوة يواجهني بعض معممي النجف بالمعارضة، ووضع العقبات، فإن أنا اتخذت موقفاً حازماً وشديداً اتجاه الحكام البعثيين، رفعوا أصواتهم في النجف فوراً انه : يريد أن تدب الفوضى في حوزة النجف!!.. وان أنا سكت عن البعثيين يقولون: هو انسجم معهم !!..وان عاملت البعثيين بلغة النصح، يقولون ما الذي جرى حتى يتعامل مع نظام الشاه بتلك الصورة، وعامل نظام العراق باللين، وحتى عندما أقوم بعمل ما لمصلحة السيادة في النجف، فلن يقلعوا عن معارضتي، ووضع العقبات في طريقي )) ([11]).

      لذا فقد عرف السيد أحمد الحسني البغدادي من خلال تجربته و معايشته للأحزاب والتنظيمات الإسلامية وكذلك معرفته وخبرته التفصيلية بالمؤسسة الحوزوية النجفية أن أي وقوف وتصدي مباشر لهذا التزييف والخداع والأستئكال باسم الحقوق الشرعية بكل أشكالها من قبل  تلك الأحزاب وهذه المؤسسة الحوزوية خلال العقود الأخيرة يعد بمثابة الانتحار الحوزوي والسياسي فكان يقاوم ويجاهد هذا الانحراف بطريقة ذكية جداً, لا يتحسسها إلا من له خبرة بالمؤسسة الحوزوية في تلك الفترة, فقد تصدى لإمامة صلاة الجماعة بعد وفاة جده(قد)* في صحن أمير المؤمنين (ع) والتي كان يزاول من خلالها فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذات الوقت يراقب عن كثب تحركات المؤسسة الدينية وحكومة الطواغيت المتسلطة على الرقاب في تلك الفترة, وكان الوحيد في حوزة النجف من العرب الذي يدعوا إلى نهج الخميني الإصلاحي, فعندما طلب الإمام الخميني(قد) الإضراب العام لأهالي النجف الاشرف وتأكيده على علمائها وحوزاتها القيام بذلك لم يستجب لدعوته أي من أولائك سواء الأهالي أو الحوزة النجفية, وكان السيد أحمد الحسني البغدادي الوحيد الذي نفذ أمر الإمام وعلى أثر هذا الموقف بعث السيد الإمام الخميني(قد) جهازه الإداري متشكرين منه موقفه البطولي في تلك الفترة الحرجة والذي كان في مقدمة هذا الجهاز:الشهيد جعفر باقر محمودي, والشيخ نصر الله الخلخالي , والسيد محمد رضا الأشكوري, حدث عام1978م([12]).

      بعد ذلك أخذ يحارب جميع أشكال الانحراف في المؤسسة الدينية الحوزوية فقد أخذ يطالب بزيادة مخصصات طلبة العلوم الدينية عندما أرسل رسالة إلى زعيم الحوزة الدينية أبو القاسم الخوئي والتي أحدثت ضجة كبيرة بين أوساط المؤسسة الدينية ورجال الحكومة حينذاك, وقاطع الحكومة في تلك الفترة بشتى الأعذار والحجج([13]). و بعد انسحابه من الانتفاضة واستشهاد أحد أخوانه ولجوء الأخر إلى إيران وعلى ضوء المعطيات الجديدة التي خلفتها الانتفاضة من تبيان مفاصل القوة والضعف بين أركان الحكومة, وانهزامية وتثبيط المؤسسة الحوزوية النجفية لكل عمل وجهد ثوري, أسس حركة سرية للغاية سميت بحركة الإسلاميين الأحرار عام 1991م, والتي أعلنت عن نفسها في عام 1994م من خلال ميثاقها باسم ((البيان الإسلامي)) ولم يعلن في هذا البيان مؤسس الحركة ولا قائدها لأسباب أمنية, أصدروا كذلك نشرة داخلية باسم ((صوت الإسلاميين الأحرار)), وقد قام هذا التنظيم بتفجير مخازن الحلة العسكرية في 10/3/1998م, بعد ذلك خرج السيد البغدادي إلى خارج العراق نتيجة صدور أمر رئاسي باعتقاله من قبل السلطة المركزية([14]).

       أول ما قام به السيد احمد الحسني البغدادي في خارج العراق  بعد وصوله إلى إيران هو توضيح كل الإشكالات التي كانت تطرح عليه عن حركة الصدر الثاني وإعلانه من هناك تأييده لتحرك الصدر الثاني بشكل مطلق من خلال بلد الهجرة الأول,  ولقاء المسؤولين الإيرانيين والعراقيين من مختلف المستويات والطبقات أبتداً من أعلى الهرم القيادي المتمثل بالسيد الخامنئي, وانتهاءً بالقواعد والجماهير المعارضة الموجودة على الأراضي الإيرانية في ذلك الحين, وبعد مضايقته وعدم اتفاقه مع الشروط الإيرانية غادر إلى سوريا منطلقا منها للعمل على محاربة النظام القائم وتكريسه لدعم مرجعية الصدر الثاني وقد أصدر نصائحه لأخيه المرجع علي البغدادي ومريديه بالألتفاف والتعاون مع مرجعية السيد الصدر الثاني, وله قول مشهور في هذا الخصوص حيث صرح من بلد الهجرة الثاني دمشق قائلا:{ كل من ظلمه(أي الشهيد الصدر الثاني),إما جاهل..وإما حاقد ..وإما جاسوس للمخابرات المحلية أو العالمية }, وعمل من دمشق على جبهتين متوازيتين في الأهمية الجبهة الأولى محاولاته المتكررة لجمع الأحزاب والكتل المعارضة للنظام تحت جبهة واحدة كما حصل حينما أنظم إلى ملتقى الحركات الإسلامية, والجبهة الثانية فضح مخططات ومشاريع الأمريكان الموجهة ضد العراق والمنطقة, ومنها قيامه بتأليف كتيب تحت عنوان "عودة الوعي" وإصدار فتوى بعدم شرعية (قانون تحرير العراق) الذي شرعه الكونغرس الأمريكي والتي أحرجت جميع ممن عزموا على تقبل الدعوة والامتيازات التي أغروهم بها, بالإضافة إلى استشرافه المستقبلي للمشروع الأمريكي المنوي القيام به على العراق والمنطقة. 

   

البقية في الجزء الثالث من هذه الحلقة إن شاء الله

الأربعاء, الموافق 12جمادي الأولى 1430هـ                             نذير علي القرشي

nthrali@yahoo.com                                                                                                                   

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*والصحيح لقد أقام صلاة الجماعة في الصحن الحيدري الشريف قبل وفاة الإمام الجاهد السيد البغدادي بثلاث سنوات بسبب مرضه العضال. (المنسق)



([1]) شرح نهج البلاغة, ابن أبي الحديد/ص 288, ج1, ط1, 1378هـ

 تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم

 الناشر: دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي وشركاه

([2]) عن كتاب : فتاوى الأزهر

    المصدر : موقع وزارة الأوقاف المصرية

http://www.islamic-council.com     

 

([3]) كشف الغطاء, ص381-382, ط النجف الأشرف

([4])مسالك الافهام إلى تنقيح شرائع الإسلام, الشهيد الثاني/ ج 3, ص3, ط1 1414 ه‍.,/ ت : مؤسسة المعارف الإسلامية

([5])أنظر : الحكومة الإسلامية، ص : 166 ,  ط :1 دار الكتب طهران

([6]) أنظر الشهيد الصدر,سنوات المحنة وأيام الحصار, محمد رضا النعماني عرض لسيرته الذاتية ومسيرته السياسية والجهادية, ص108-109, المطبعة العلمية, قم, ط1 ,1417هـ.

([7]) الحياة السياسية للإمام الصدر, ملا أصغر علي جعفر, ص501

([8])موسوعة الثورة والجهاد(هكذا تكلم أحمد الحسني البغدادي)ج3,الكتاب الثاني, السلطة والمؤسسة الدينية الشيعية في العراق,298-299.

([9]) المصدر السابق

([10]) للاطلاع أكثر راجع مرجعية الميدان, عادل رؤوف,ط1142هـ, المركز العراقي للإعلام والدراسات

([11])حميد روحاني ، نهضت إمام خميني ج : 2 ، ص : 392 ـ 393 

([12])موسوعة الثورة والجهاد(هكذا تكلم أحمد الحسني البغدادي)ج3,الكتاب الثاني, السلطة والمؤسسة الدينية الشيعية في العراق,304-305.

([13]) المصدر السابق, 323

([14])موسوعة الثورة والجهاد(هكذا تكلم أحمد الحسني البغدادي)ج3, الملحق الثالث/وثائق, حركة الإسلاميين الأحرار,416-420

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات

اطلالات
خفايا واسرار
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2010©