|
المقاومة
الوطنية المسلحة في العراق
..شرعية
القيام وثبات الأداء
د. فوزي الراوي
مقدمة:
منذ غزو بغداد في نيسان 2003 ،
سجلت المقاومة الوطنية المسلحة في العراق حضوراً متميزاً
وفاعلاً في مواجهة قوات الغزو و الاحتلال ، وأثبتت جدارة قل
نظيرها في توجيه المسار السياسي في الساحة العراقية سواء عبر
تعطيل وإفشال مخططات ومشاريع الاحتلال أو عبر تشكيلها الرافعة
الأساسية للمشروع الوطني العراقي المعارض جذرياً مع مشروع
الاحتلال في العراق وفي المنطقة العربية و الإسلامية ولا نبالغ
إذا قلنا المشروع الإمبراطوري الكوني للولايات المتحدة ذي
النزعة العدوانية المتغطرسة.
ويعود الفضل للمقاومة المسلحة في
إنتاج وإحياء محددات الوطنية العراقية ونسيجها الفكري و
السياسي و الاجتماعي وتطوير آليات خطابها بأبعاده المختلفة
وضمان حركية مفاهيمه ومرتكزاته بإتجاه بلورة رؤية وطنية عصرية
تتناقض جذرياً مع رؤى الاحتلال وأوهامه وتستند إلى منظومة
قيمية وطنية وروحية عمادها حب الوطن وعزة النفس وعشق الشهادة
واستعداد مطلق للتضحية وإيمان برسالية الانسان المقدسة،
وأخيراً فإن هذه الرؤية تتفاعل في حركية إيجابية ومبدعة مع ما
أنتجه الفكر الإنساني من مفاهيم وأفكار وقيم تشكل البناء
المشترك للإنسانية جمعاء.
وفي الجانب الثاني ، عجزت قوات
الاحتلال وعملائها في النيل من قدرة المقاومة وفعاليتها وتصاعد
عملياتها الميدانية وتنوع تكتيكاتها و إبداعاتها الحربية على
الرغم من امكاناتها المادية المحدودة مقابل جبروت الاحتلال
المدعم بأعتى قوة إرهابية في العالم المستندة إلى تكنولوجيا
عالية الدقة في القتل و التدمير و التسهيلات اللوجستية
والاستخبارية المقدمة من قبل بعض القوى الاقليمية لاسيما
الثكنة الاستيطانية في فلسطين المحتلة ، أمام هذا العجز عملت
أجهزة الاحتلال الدعائية ، وإلى جانبها الأجهزة العميلة
المرتبطة بها ، على تشويه صورة المقاومة الوطنية عبر سلسلة من
الافتراءات والمزاعم المتحركة والمتحولة من تهمة إلى أخرى في
محاولة لعزلها ومحاصرة فعاليتها و تأثيرها الذي تجاوز الساحة
العراقية إلى الأبعاد الاقليمية و الدولية.
وفي هذه المقالة سوف نحاول الرد
على تلك المزاعم والافتراءات عبر النقاط التالية:
المحور الأول: المقاومة العراقية و القانون الدولي.
المحور الثاني: منظومة القيم العربية-الاسلامية مصدر شرعية
المقاومة العراقية.
المحور الثالث: إنجازات المقاومة العراقية .
1. المقاومة العراقية و القانون
الدولي
المقاومة هي حالة إنسانية عامة ،
بل هي أنبل ظاهرة إنسانية ، عبرها يتوق الإنسان إلى تحقيق
إنسانيته وأبعادها الروحية والثقافية والمادية ، وهي تجسيد
لقيم النبل و الشجاعة ورفض الظلم و الحيف والاضطهاد والإذلال ،
لذلك يمكننا القول بأن المقاومة حالة مطلقة في الإنسان وهي
قرينة الظلم و الجور فما بالك إذا كان هذا الظلم والجور صنيعة
احتلال أجنبي لأرض شعب من الشعوب ، يستعبد أهلها وينتهك
حرماتها ويدنس مقدساتها حينها تنتقل المقاومة من مجرد حالة
إنسانية كامنة إلى حالة فعل ملموس تقدم فيها الأرواح أثماناً
من أجل أن لا تدنس لمنظومة القيم الروحية والثقافية.
والقانون
الدولي لم يشذ في فهم هذه الظاهرة الإنسانية بل اعتبرها أحد
الحقوق الأساسية للإنسان كما حددها في مواثيقه ومعاهداته وكما
عرفها في فقهه ، إذ أن الاحتلال أو
الغزو مهما كانت طبيعته هو عمل من
أعمال العدوان الذي عرفّته الجمعية العامة للأمم المتحدة وحددت
صوره بقرارها رقم 3314 لعام 1674 بأنه (استخدام القوة المسلحة
من قبل دولة ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الاقليمية أو
استقلالها أو بأية صورة أخرى تتناقض وميثاق الأمم المتحدة).
لهذا فإن أي غزو أو احتلال وفق
فقه القانون الدولي يعدان عملان باطلان وغير مشروعين وعليه
فهما يمثلان حالة فعلية مؤقتة وليس وضعاً قانونياً دائماً ،
ويتحدد دور القانون الدولي في مواجهة هاتين الحالتين بالعمل
على التخفيف من وطأتهما و السعي نحو إزالتهما تمهيداً لعودة
السلطة إلى شعب الاقليم المحتل.
وذهب ميثاق الأمم المتحدة إلى
أبعد من ذلك حينما حرم التهديد باستخدام القوة وقال: (يمتنع
أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية من استخدام القوة أو
التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة
، أو على أي وجه آخر لايتفق ومقاصد الأمم المتحدة).
لقد أصبح العراق تحت حالة
الاحتلال الحربي من خلال استصدار قرار مجلس الأمن رقم 1483 في
22 أيار 2003 وبه وضعت الولايات المتحدة وبريطانيا نفسيهما
وبغباء مقرون بطمع في وضع يرتب عليهما واجبات والتزامات
بوصفهما قوتي احتلال ويمنح المقاومة حقوقاً وامتيازات يتعين
شمولها بهما وذلك حينما رضيتا بوصف قواتهما بأنها قوات احتلال
ووصفت دولتيهما بأنهما سلطة احتلال وهذا يرتب عليهما واجبات
والتزامات تبدأ بالمحافظة على سلامة الاقليم وضمان الأمن لشعبه
والإبقاء على الأوضاع الفعلية واالقانونية بما في ذلك هيئات
ومؤسسات الدولة دونما تغيير أو تعديل أو إلغاء ،وهذا ما تفرضه
قوانين الاحتلال الحربي المشار إليها صراحة في اتفاقيات لاهاي
لعام 1899 ، 1907 اتفاقية جنيف لعام 1906 واتفاقيات جنيف
الثلاثة لعام 1929 واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وخاصة
الاتفاقية الرابعة منها التي تعالج أوضاع المدنيين في
المنازعات المسلحة .
وجميع هذه الاتفاقيات اعترفت
بشرعية المقاومة المسلحة بنوعيها المقاومة المسلحة المنظمة
والمقاومة الشعبية التلقائية.
فيما ذهبت اتفاقية جنيف لعام
1949 إلى أبعد من ذلك حينما اعترفت بمشروعية المقاومة وإلى
شمولية أفرادها بجميع أحكام الرعاية الانسانية المعترف بها
للجيوش النظامية سواء بالنسبة للجرحى أو الاسرى أو القتلى.
وفي النهاية فإن ميثاق الأمم
المتحدة جاء صريحاً في مادته 78 والتي تمنع تطبيق الوصاية على
الدول المستقلة بنصه ( لايطبق نظام الوصاية على الأقاليم التي
أصبحت أعضاء في هيئة الأمم المتحدة إذ العلاقة بين أعضاء هذه
الهيئة يجب أن تقوم على احترام مبدأ المساواة في السيادة).
وبهذا فإن التحالف و من ينظوي أو
سينظوي تحت لوائه أو أي صيغة أخرى تسخّر علم الأمم المتحدة أو
الجامعة العربية لفرض تبرير احتلالها هي قوات معتدية وأن
المقاومة أياً كان شكلها أو مستوى تنظيمها هي من قبيل الكفاح
المسلح المشروع ، سواء كان احتلالاً أم استعماراً فهو في
الصورتين جريمة دولية كما قررت الأمم المتحدة نفسها في قرارها
الشهير رقم 1514 والمتخذ في دورة الجمعية العامة الخامسة عشر
لسنة 1960 والذي انشئت بمقتضاه لجنة تصفية الاستعمار والتي كان
العراق عضواً فيها.
ومن سخرية القدر أن الرئيس
الامريكي نفسه قد اعترف علناً بشرعية المقاومة العراقية طالما
تم توصيف قواته بأنها قوات احتلال ، غير إن هذا الاعتراف كان
يشكل في الحقيقة محاولة إلتفافية تحاول نزع صفة الشرعية عن
المقاومة العراقية عبر إعلان الجانب الامريكي بأن قواته سلمت
"السيادة" إلى "سلطة عراقية مؤقتة "وهي بذلك لم تعد قوات
احتلال ! بل تحولت إلى قوات تحالف تم استدعاؤها من قبل "السلطة
المؤقتة " !! غير أن هذه المسرحية لم تجد قبولاً حتى داخل
الولايات المتحدة ذاتها ، ناهيك عن المنظمة الدولية التي
استدعيت لتلعب دور شاهد الزور في مسرحية " نقل السيادة " فقد
اعترف ممثلوها أن دورهم كان صورياً وأن كل الصلاحيات كانت بيد
الحاكم الامريكي في العراق.
وفي الواقع
فإن العدوان على العراق في الأصل يعد من وجهة نظر القانون
الدولي ذاته جريمة حرب وانتهاك خطير للشرعية الدولية وتعريض
الأمن والسلم الدوليين إلى الخطر و الفوضى ، ولذلك فإن عودة
الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة من أجل تغطية مخرج لها
من المستنقع عبر ماسمي "إنهاء
حالة الاحتلال" و "تسليم السيادة" لاتعد عملية قانونية بحد
ذاتها بل هي إجراءات ذات طابع سياسي يتجاوز الأساس القانوني
الذي وصف حالة الحرب بحالة العدوان وانتهاك الشرعية وما يترتب
على ذلك من إلتزامات.
لذلك لم تجد الخطوات الامريكية
المتخذة في العراق تأييداً دوليا ًواسعاً لجهة نزع الشرعية عن
المقاومة بل على العكس تماماً بدأنا نلمس تحولات دولية هامة
بإتجاه الاعتراف الكامل بالمقاومة الوطنية المسلحة في العراق
بإعتبارها ممثل أساسي للشعب العراقي وهذا ماعبرت عنه فرنسا
مؤخراً .
إن القانون الدولي والمواثيق و
المعاهدات والأعراف الدولية المعروفة و المعلومة تشكل كلاً
لايمكن تجزئته عبر إجراءات تجميلية ذات طابع سياسي أو غيره،
لذلك فإن احتلال العراق الناجم عن عمل عسكري عدواني غير مشروع
لا يمكن أن تغيره أي اجراءات غير قانونية تنهي حالة الاحتلال
عبر انسحاب القوات الغازية والمحتلة لآخر جندي دون قيد أو شرط
والتعويض عما لحق بالشعب العراقي والدولة العراقية من أضرار
وخسائر مادية ومعنوية ودون ذلك فإن المقاومة تُعد حقاً مشروعاً
تحميه وتضمنه المواثيق والأعراف الدولية المعروفة ، بل إن
المقاومة ليست حقاً لشعب يقع تحت الاحتلال فحسب بل هي واجب
مقدس تفرضه أسس الانتماء إلى منظومة قيم دينية وثقافية وروحية
تأبى الظلم والضيم ، وهذا ماسنبحثه في المحور الثاني من
المقالة.
2. منظومة القيم العربية –الاسلامية مصدر شرعية المقاومة
العراقية:
هناك اعتقاد شائع، روجت له بعض
الدوائر المرتبطة بالولايات المتحدة الأمريكية ، مفاده بأن
الأمريكيين يجهلون الخصائص الثقافية والعلمية و الروحية للشعب
العراقي وقدرتها على الصمود و المقاومة ، وهي مقولة تحاول
تبرير مايلاقيه المحتلون في العراق من ويلات المقاومة الباسلة
وتبحث لهم عن مخرج يبعد عنهم شبح الموت في عراق الرافدين .
والحقيقة أن عدوان آذار /مارس 2003 الذي انتهى بغزو و احتلال
العراق بدأ التحضير له فعلياً وعملياً منذ العام 1991 بعد
انسحاب الجيش العراقي من الكويت بطريقتين:
الأولى: عزل منطقتين في العراق وعُرفا بمنطقتي الحظر الجوي في
الشمال والجنوب واستمرار القصف الجوي لكافة المنشآت الحيوية
العراقية التي كان من الممكن أن تنتج عوامل صمود دائمة وهي
ليست بالضرورة عسكرية بل هناك عناصر أخرى أكثر حيوية وأهمية
تدخل فيها المنتجات الطبية و الغذائية والصناعية ، وكان الهدف
من وراء ذلك إنهاك الدولة العراقية وإدخالها في حالة إفلاس
وعدم قدرة على إدارة شؤون البلاد والعباد وبالتالي سهولة
الانقضاض عليها في الوقت المناسب وبتكاليف بسيطة.
الثانية: وتمثلت في فرض حصار شامل وصارم
لامثيل له في تاريخ العلاقات الدولية قديمه وحديثه شمل أبسط
الأدوات و المواد ذات الطابع الانساني فعلى سبيل المثال مُنعت
أقلام الرصاص من دخول العراق بحجة أنها تحمل عناصر قد تستخدم
في تصنيع أسلحة الدمار الشامل ناهيك عن الأدوات و المواد
الطبية الاساسية الأخرى ولم يقف الأمر عند ذلك بل تم إجبار
الدولة العراقية على إدارة مواردها الطبيعية وبصورة خاصة النفط
على يد "خبراء" أجانب تحت مظلة الأمم المتحدة فشكل هؤلاء إلى
جانب فرق التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل جيشاً من الجواسيس
والمرتزقة والمخربين الذين ساهموا بصورة كبيرة في إعداد
التقارير الخاصة للمخابرات الأمريكية عن واقع الحال داخل
العراق ، وكان الحصار يهدف ، إضافة إلى كونه يشكل عنصراً هاماً
في إنهاك الدولة ومكملاً للطريقة الأولى ، إلى شن حرب إذلال
موجهة إلى الشعب العراقي مباشرة الغاية منها إسقاط كافة
المفاهيم والقيم المعروفة لدى هذا الشعب والتي تشكل أهم خصائصه
وميزاته والمتمثلة في عزة النفس والكبرياء والانتصار للحق
ونصرة المظلوم وغيرها من القيم الروحية النابعة من صميم الهوية
الاسلامية –العربية
فعندما يبيع العراقي أثاث بيته
ليسد رمق أطفاله وعندما تتوسل العراقية دواء لطفلتها وعندما
يصيح الطفل العراقي بائعاً وماسح أحذية في الشوارع والأرصفة
بعيداً عن المدرسة حينها تكتمل حلقات الاذلال الجماعي لشعب سجل
أعلى معدلات الرعاية الصحية ومحو الأمية ومستوى عالٍ من
الرفاهية لعقود طويلة بشهادة جميع المنظمات الدولية المختصة ،
لنتصور ثلاثة عشر عاماً من الاذلال الجماعي اليومي! كان
الامريكيون يعتقدون أن هذا الاذلال سيجعل من العراقيين ركّعاً
سجّداً لجنودهم وهم يغزون العراق فثلاثة عشر عاماً تكفي لتفكيك
تلك البنية القيمية الصلبة التي تشكل مصدر الشخصية العراقية .
إن الامريكيين لم يكونوا على جهل
بالخصائص الثقافية والقيمية و الروحية للشعب العراقي ، بل
كانوا على علم أكيد بها ولكنهم اعتقدوا أن مدة الحصار والاذلال
اليومي الطويلة كفيلة بإسقاطها أو على الأقل إبطال مفعولها ،
غير أن الذي حدث هو الذي شكل المفاجأة للعقل الاستراتيجي
الأمريكي إذ بقدر ماكانت سلسلة الاذلال والاهانة والتجويع تشتد
كان الشعب العراقي يزداد إلتصاقاً وعَوداً محموداً إلى جوهر
ثقافته وقيمه وهذه مسألة تنبه لها بعض الكتاب والمتابعين
الأمريكيين أنفسهم وعلّقوا حينها أن شعب الحضارات القديمة
لايموت في إشارة إلى إبداع العراقي في إدارة حياته إنطلاقاً من
موروثه العقائدي والثقافي الخصب .
لقد تنبهت الخلايا الحية في نسيج
الشعب العراقي لهذا المخطط منذ بواكيره ونشطت بإتجاه إفشال
أهدافه عبر صيانة وحماية القيم الروحية باعتبارها المعبّر عن
حيوية وحركية الشعب أمام أي خطر خارجي ، والمتابع للشأن
العراقي في السنوات الأخيرة قبل الغزو والاحتلال يدرك هذا
الاتجاه صميم الادراك ، ولذلك لانستغرب اليوم ظهور المقاومة
وتسمياتها ورجالاتها وقادتها على صورة حركات دينية وعشائرية
ذلك أن منطلقها في الأساس هو تلك البنية القيمية الروحية للشعب
العراقي ، وهي في الواقع تأكيد لحقيقة تاريخية مفادها أن جميع
الاقطار العربية أو الاسلامية التي خضعت للاحتلال الأجنبي
العسكري المباشر ظهرت فيها المقاومة على شكل هيئات وجماعات
يقودها الأئمة ورجال الدين وقادة العشائر والقبائل بما فيها
العراق نفسه الذي تعرض بداية القرن العشرين للاحتلال البريطاني
، ولاتشكل تلك البنية القيمية الروحية مصدراً ودافعاً للمقاومة
فقط بل تعطي ضمانة أكيدة لحركة المقاومة في النسيج الاجتماعي
فتصبح المقاومة محمية من طرف الشعب بإتجاهين : حمايتها من
الأعداء عبرالتخفي في الحركة والنشاط من ناحية و إمدادها
بالرجال و المال و السلاح من ناحية ثانية وهذا ما يفسر تزايد
قدرة وفعالية المقاومة العراقية وإلا كيف يمكننا أن نفهم
انتشار المقاومة في أغلب المدن العراقية رغم بطش الاحتلال
وجبروته ؟ كما تشكل تلك البنية الروحية نقطة جذب لجميع العرب
والمسلمين كما كان في الماضي عندما تعرضت بلداناً عربية
واسلامية للاحتلال الأجنبي ، أفلم يشارك العراقيون في قتال
العدو الصهيوني – ونحن نتحدث هنا عن العراقيين كأفراد- أو نصرة
كفاح الأمير عبد الكريم الخطابي في المغرب أو في كفاح
الجزائريين والتونسيين ضد الفرنسيين أو جهاد الشيخ عمرالمختار
في ليبيا أو مشاركة السوريين في نضالهم ضد الاحتلال الفرنسي؟؟
إنه من الطبيعي أن ينتقل أفراد وجماعات تنطلق وتؤمن بنفس
البنية القيمية والروحية لنصرة إخوان لهم في هذا البلد أو ذاك
فلماذا هذه الحملة المبالغ فيها على مايسمونه "الأجانب في
العراق" ، إنه مع تأكيدنا على أن نسبة العرب أو المسلمين من
غير العراقيين الذين يقاتلون الاحتلال في العراق لاتتجاوز 1%
كما أكد الامريكيون أنفسهم (الجنرال أبي زيد) وأن بنية
المقاومة وجسدها عراقي في الصميم فإنه لايمكن البتة منع ظاهرة
تاريخية حضارية قيمية من الوجود فالأجانب في العراق هم
المحتلون وحدهم أما الأفراد العرب والمسلمين فهم أبناء نفس
النسيج الثقافي والروحي ،مع العلم أن الأمريكيين يعلمون ذلك
جيداً ولكنهم يعملون على تضخيم بعض المظاهر والأسماء لأربعة
أسباب رئيسية:
-السبب الأول: يكمن في محاولة الاحتلال كسب رأي عام دولي يجهل
حقائق المنطقة وتاريخها وثقافتها وبالتالي يعطيه نوعاً من
التغطية لجرائمه وبطشه وبالتالي المضي قدماً في مشروعه
العدواني.
-السبب الثاني:
–وهو الأخطر – ويكمن في تصور
الاحتلال للمنطقة برمتها والتي يجب أن تفكك ويعاد تركيبها من
جديد بما يتفق والمنطق الصهيوني في إنشاء كيانات لا رابطة لها
سواء كانت دينية أو قومية أو غيرها بل هي مجرد رقعة من
الفسيفساء المختلفة والمتناحرة و الغلبة فيها لدولة الاغتصاب
في فلسطين المحتلة .
-السبب الثالث : خلط الأوراق داخل الساحة العراقية ومحاولة
إثارة التفرقة الطائفية والعرقية وهي محاولات فشل الاحتلال
فيها على الدوام على الرغم من الضخ الاعلامي والدعائي الضخم.
- السبب الرابع: التقليل من شأن الشعب العراقي في رفضه
للاحتلال ومحاولة إظهار العراقيين وكأنهم راضون عن الاحتلال
وقواته لتبرير استمرار بناءه والترويج لمشاريعه وحماية عملائه.
3. إنجازات المقاومة العراقية:
بعدما عجزت قوات الاحتلال على
النيل من المقاومة ومحاصرة دائرة نفوذها وفعاليتها عبر إلصاق
التهم بها ومحاولة تجريدها من مشروعيتها أوكلت المهمة الى رهط
من المنافقين للتشكيك في جدواها وأهميتها وانجازاتها للالتفاف
عليها وإحباط الداعمين لها والتسليم بواقع الاحتلال والهيمنة
ليس على العراق فحسب بل على المنطقة برمتها ولانبالغ إذا قلنا
على العالم. ولبيان فعالية المقاومة المسلحة وجدواها وأهميتها
سوف نلخصها في ثلاثة مستويات أساسية:
المستوى الأول : الصعيد الوطني العراقي
لقد نوهنا
في مقدمة هذه المقالة أن حضور المقاومة العراقية كان متميزاً
وفاعلاً في مواجهة قوات الغزو و الاحتلال ونضيف الى ذلك أن هذا
الفعل كان متفرداً ومنفرداً إذا ما قارناه بغيرها من المقاومات
التي شهدها عالمنا المعاصر في البلدان التي خضعت للاحتلال
الأجنبي
ولاتكتسب المقاومة العراقية صفة
الفرادة هذه لكونها جاءت في ظروف دولية خانقة تسود فيها قوة
امبراطورية عدوانية واحدة وغياب أي اقليم داعم يشكل منطلقاً
لأعمال المقاومة يدعمها بالمال و السلاح ويحميها سياسياً
وثقافياً واجتماعياً وليس لكونها أيضاً ضعيفة الامكانات
المادية مقارنة بما يملكه العدو المحتل من آلة حربية متطورة لم
تعرف الانسانية لها مثيلاً ، بل إن فرادة المقاومة العراقية
جاءت لكونها شكلت رافعة أساسية للمشروع الوطني العراقي المناهض
لمشروع الاحتلال في العراق ، فمن المعلوم أن حركات المقاومة
العراقية كما عرفها العالم كانت تلد من رحم تجربة سياسية
تقودها قيادات وطنية محلية تتصادم مع قوات الاحتلال فتلجأ إلى
العمل المسلح لفرض إرادتها السياسية ، غير أن الذي حدث في
العراق كان العكس تماماً ، فالمقاومة شكلت حاضنة ولادة الحركة
السياسية الوطنية العراقية وهي التي أعادت بناء محددات الوطنية
العراقية وأوجدت فضاءً حراً من خلاله استطاعت المرجعيات
الدينية والزعامات العشائرية والشخصيات و المنظمات الوطنية
التعبير عن المشروع السياسي – الوطني في العراق بعد ان كانت
الساحة خالية من نقيض مشروع الاحتلال وعملائه في الأيام الأولى
للغزو و الاحتلال ، ويعود السبب في هذه الولادة المعكوسة إلى
ضعف مكونات الحركة الوطنية العراقية وبناها منذ عقود نتيجة
ماعرفه العراق من سحق للمبادرة الشعبية ، ولم تقف المقاومة عند
حد دور حاضنة الحركة الوطنية بل واصلت فعلها الجهادي باتجاه
دعم مواقف وخطوات تلك الحركة المعلنة من جهة ودفع رموزها إلى
مزيد من تجذير مواقفهم ورؤاهم تجاه الاحتلال وعملائه من جهة
ثانية ، كما طورت أساليبها وتكتيكاتها في مواجهة الاحتلال
وبرامجه وأثبتت فعالية عالية في ذلك فتجذر عمقها الجماهيري
واتسعت دائرة فعلها ودفعت بالقوى المترددة إلى حسم مواقفها ،
وبذلك ساهمت المقاومة في دفع عملية الحوار الوطني بهدف بلورة
مشروع وطني متكامل ونجحت في ذلك إلى حدود بعيدة عبر طرحها
مجموعة من النقاط تشكل اليوم إجماع الشعب العراقي، وهو ما تم
إعلانه
في بيان رسمي تبنته فصائل
المقاومة المسلحة ومجمل القيادات والأحزاب والمنظمات السياسية
والشخصيات الوطنية و المرجعيات الدينية والعشائرية ، أطلق على
ذلك البيان : البرنامج الوطني لنقل السيادة إلى الشعب العراقي
.( أنظر الملحق رقم 1 نص البيان).
المستوى
الثاني : على صعيد الاحتلال
لقد أرغمت المقاومة الوطنية قوات
الاحتلال على إعادة صياغة برامجها السياسية و استراتيجياتها
العسكرية في العراق لمرات عديدة ، الأمر الذي أثار الارتباك في
صفوفها وأدخلها في تناقضات داخل قياداتها ،وبين قياداتها
والادارة الامريكية، وبين أجنحة الإدارة ذاتها وبين الولايات
المتحدة وحلفائها، فمن جاي غارنر إلى بريمر ومن مجلس حكم إلى
حكومة مؤقتة ومن انتخابات إلى مؤتمر دولي لدعم الانتخابات وكل
هذه الخطوات كانت تغلب عليها العشوائية والارتجالية وعدم
مراعاة أي مصلحة عراقية فالبحث دائماً كان عن " حل أمريكي
لمشكلة أمريكية" ، وتفاقمت هذه العشوائية مع ازدياد و تصاعد
عمليات المقاومة حيث فقد الامريكيون صوابهم في التعامل مع
العهود والمواثيق الدولية الأمر الذي وضع الولايات المتحدة في
مآزق سياسية و أخلاقية كثيرة سواء على الساحة الاعلامية أو
السياسية الداخلية أو في المحافل الدولية إذ وجدت نفسها في
كثير من الأحيان موضع نقد واستهجان واستنكار وشكلت بذلك عبئاً
سياسياً وأخلاقياً على حلفائها ، هذا على صعيد الوضع السياسي
للاحتلال ، أما على الصعيد الميداني فإننا سنحتكم إلى تقرير
أعدته مؤسستان أمريكيتان معروفتان بالموضوعية و العلمية وهما
معهد الدراسات السياسية ومؤسسة السياسة الخارجية في دائرة
الضوء ، التقرير طبع في 30 أيلول/سبتمبر 2004 ويحمل عنوان : "
عملية انتقال فاشلة " –تكاليف الحرب على العراق في الفترة من
28 حزيران /يونيو 2004 إلى غاية نهاية ايلول /سبتمبر 2004 ،
يشير التقرير كما يبين عنوانه إلى مايسمى "بعملية نقل السيادة
إلى العراقيين " ويحكم عليها من خلال العنوان أنها عملية فاشلة
ويؤكد التقرير أن أعلى نسبة من القتلى الامريكيين في العراق
–كما يصرح بها البنتاغون – كانت في فترة "عملية نقل السيادة"
إذ بلغ معدل القتلى و الجرحى الأمريكان شهرياً 747 شخصاً ، أما
نسبة المقاولين أو المتعاقدين وفق التسمية الامريكية وهم
المرتزقة المدنيين الأجانب الذين يعملون في صفوف قوات الاحتلال
وهم عادة من الخبراء الرفيعي المستوى ، فقد بلغت 17.5 شهرياً
في حين فعالية المقاومة العراقية في تصاعد مستمر وهذا ما يقوله
التقرير حول ذلك : (بسبب بقاء قوى الاحتلال الامريكية في
مكانها ، أخفقت سلطة الانتقال في كسب الدعم العراقي أو إنهاء
المقاومة العراقية للاحتلال . ووفقاً لتقديرات البنتاغون ، فقد
ازداد عدد مقاتلي المقاومة العراقية أربعة أضعاف بين تشرين
الثاني عام
2003
وبداية
أيلول عام
2004
من
5000
الى20000
. وأشار نائب قائد قوات التحالف في العراق اللواء البريطاني
أندرو غراهام لمجلة التايم في بداية أيلول أنه يعتقد بأن تقدير
ال
20000
منخفض جداً فهو يقدر قوة المقاومة العراقية ب
40000- 50000).
في حين تجاوزت المبالغ التي صرفت على
الحرب من قبل الولايات المتحدة حاجز 211 مليار دولار ومن
المتوقع أن فاتورة كل أسرة أمريكية لهذه الحرب ستصل إلى معدل
3415 دولار ثم يضيف التقرير التأثيرات الكارثية لهذه الحرب على
الوضع الامريكي اجتماعياً واقتصادياً وعلى مصداقية الولايات
المتحدة داخلياً و خارجياً وحول وضع حقوق الانسان في العالم
ووضع المنظمة الدولية والقانون الدولي برمته . ( لمزيد من
المعلومات أنظر الملحق رقم 2).
لعل هذه الشهادة تبين لنا بوضوح
الأزمة الحادة التي تعاني منها قوات الاحتلال – مع العلم أن
أرقام القتلى الحقيقية في صفوف الامريكيين والمرتزقة هي أضعاف
مضاعفة ويكفي أن نشير أن صحيفة يوأس توداي قدرت عدد القتلى ب
15 ألفاً ويزيد ناهيك عن الجرحى و المصابين بالرهاب
والاضطرابات النفسية ....
ومع ذلك فإننا لانصور الامريكيين
وكأنهم في حالة انهيار وهزيمة محقة حالياً بل إننا نوصّف حالة
الأزمة التي يعيشها المحتلون في العراق و نؤكد أن الاحتلال
لازال يملك من أسباب القوة الكثير ولايزال يصر على تنفيذ
مشاريعه في العراق والمنطقة على الرغم من الخسائر التي مُني
بها غير أنه لا يستطيع تحمل الخسائر إلى مالانهاية ونحن نعتقد
أنه لايستطيع تحمل المدة ذاتها التي بقاها في العراق مرة أخرى
في حال استمرت أعمال المقاومة بنفس الوتيرة أو تصاعدت .
المستوى الثالث : على الصعيد الاقليمي والدولي
قبل غزو العراق وأثناءه أعلن
صقور الادارة الامريكية من المحافظين الجدد حزمة من الأهداف
شكلت أجندة أمريكية متكاملة في المنطقة وتتمثل تلك الأجندة في
تغيير أنظمة المنطقة بالقوة وإعادة تشكيل مجموعة الدول القائمة
حالياً ضمن رؤية اخرى سيقت ضمن مفهوم السلام الأمريكي
PAXA AMERICANA
المتطابق
بنيوياً ووظيفياً مع المنظور الصهيوني للمنطقة، وهكذا كانت
التهديدات للملكة العربية السعودية وإيران وسورية ، واعتبر أحد
ابرز منظري المحافظين الجدد أمير الظلام "ريتشارد بيرل" «أن
مصر سوف تكون الكعكة الكبرى» غير أن تلك التهديدات والمفاهيم
المرتبطة بلغة الغطرسة والقوة سرعان ما تراجعت لصالح بروز لغة
مهادنة ومغازلة سياسية لبعض الأطراف الاقليمية علها تساعد
الامريكيين في الخروج من المستنقع العراقي بأقل الخسائر ، وهنا
يتجلى تأثير المقاومة الوطنية العراقية في البعد الاقليمي فهي
لا تقاوم المشروع الأمريكي في العراق فحسب بل أيضاً محاصرة
مشروع الهيمنة الامريكية في المنطقة برمتها ، ومن هنا تبرز
أهمية المقاومة كعنصر فاعل في المشهد الاقليمي بما تمتلكه من
فعالية وما أثبتته من جدارة ، ويتأسس على ذلك بدايات تحول مهمة
على صعيد المواقف الدولية التي عارضت الحرب و العدوان ، وأهم
مؤشرات ذلك التحول ما أعلنه الفرنسيون صراحة حول ضرورة مشاركة
المقاومة العراقية في "المؤتمر الدولي" الذي يريد الأمريكيون
إقامته في مصر في النصف الثاني من تشرين الثاني /نوفمبر 2004
وذهب الفرنسيون إلى أبعد من ذلك عندما طالبوا بضرورة وضع جدول
زمني لانسحاب قوات الاحتلال من العراق ، لقد شكل هذا الموقف
نقطة هامة بدأت تشكل بدايات تحول عميق في سياسات بعض الدول
الأوروبية خاصة بعد سحب بعض الدول قواتها من العراق و إعلان
بعض دولاً أخرى عن نيتها سحب جنودها من العراق بداية العام
القادم ، وهو مؤشر هام لانفراط عقد ما دُعي بالتحالف الدولي ضد
العراق الذي يعبر عن أقل من 13% من سكان العالم .
ومن المفيد هنا التذكير بأن هذه
المواقف و التحولات لم تأت نتيجة تخبط الامريكيين في خياراتهم
وفشلهم على المستوى الميداني بل الأهم من ذلك هو قدرة المقاومة
العراقية في منع الشركات الأجنبية من نهب العراق بحجة إعادة
البناء والإعمار وما إلى ذلك من الشعارات و الوعود التي شكلت
إحدى نقاط الجذب التي بُني على أساسها ذلك التحالف الهش .
إن انجازات المقاومة الوطنية
المسلحة في العراق لاتكاد تحصى مقارنة بالمدة التي تطورت فيها
والظروف الدولية و الاقليمية التي تحاصرها و الامكانات المادية
المحددة التي تمتلكها ، ومع ذلك فهي اكتسبت خبرة ومناعة في
مواجهة ظروف الحصار ومحدودية الوسائل والامكانات ، وبدأت تطور
أساليب ابداعية في المواجهة العسكرية تعكس إرادة الشعب العراقي
في التحرر وبناء العراق المستقل الموحد .
تشرين
الأول 2004
|