أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف  
 

وثيقة خطيرة حول اسباب عودة النائيني والاصفهاني الى العراق

 

وانطلاقا من الصورة المتقدمة ومن الفقرة الاخيرة لابد من الوقوع على معرفة الاسباب الحقيقية لهذه العودة المشروطة بعدم التدخل في السياسة ، اذ ان معرفة هذه الاسباب تبقى مهمة وجوهرية في فهم التاريخ واسقاطاته على الحاضر ، ورسم ملامح المنهج السليم لمعالجة أزمة القيادة الاسلامية الشيعية في العراق منذ هذه المحطة وحتى الان ، ولاشك ان القادر الاهم في بلورة هذه الاسباب هو محمد الخالصي (الابن) ، الذي عاش التفاصيل، والذي يعتبر المعنى الاكبر فيها بما يدفعه الى فهم هذا ((العناد)) على العودة بالصورة التي حصلت ، فماذا يقول الخالصي (الابن) بهذا الصدد..  يقول :

((أولاً : ان المجتهدين كانوا سيئي الظن بالايرانيين ، ولاسيما السيد ابو الحسن الاصفهاني ، اذ هو لم يذكر ايران بخير .

ثانياً : ان المجتهدين كانوا يظنون ان الرئاسة لا تتم الا في النجف!!..  وقد علموا ان السيد محمد الفيروزآبادي بدأ يعمل للانفراد بالرئاسة فيها، وصار يكتب الرسائل الى ايران فيها في شأن المجتهدين المبعدين ، ويذكر ان الحوزة العلمية في النجف مشغولة بالبحث والدراسة ، وان العلماء فيها على أحسن حال .

ثالثاً : ان الشيخ عبد الكريم اليزدي الذي كان كبير المجتهدين في قم ، لا يرغب في بقاء المجتهدين فيها ، لأنهم يزاحمونه في الرئاسة ، فهو كان يعارضهم من وراء ستار ))[9] .

((ومما يجدر ذكره في هذا الصدد ان السر برسي لورين أشار الى مثل هذا التعليل في رسالته الى اللورد كرزن المؤرخة في 30 آب 1923 حيث قال : ان المجتهدين يملكون في العراق دوراً وأملاكاً وأموالاً خيرية للتوزيع كثيرة ، ولهذا فأن من مصلحتهم العودة الى مراتعهم بأسرع ما يمكن ، يضاف الى ذلك: ان كبار المجتهدين في ايران وان كانوا مضطرين للترحيب بالمجتهدين المنفيين واحترامهم غير أنهم يعتبرونهم متطفلين عليهم يزاحمونهم على مقاماتهم وامتيازاتهم)) [10] .

وهذه الاسباب التي جاءت متطابقة تقريباً بين ما رآه الخالصي (الابن) والوثائق البريطانية تبدو منطقية الى درجة كبيرة ، وهي اذا ما قارنا مضامينها مع الواقع الحالي السائد فيما يسمى بالمؤسسة الدينية ، سنجد ان الاستحواذ على الزعامة والمرجعية ، او الصراعات القائمة بصددها ــ وهذا ما سنأتي عليه ضمناً في سياق هذا الكتاب ــ يكون سبباً في أحيان كثيرة لتضييع القضية الاسلامية المركزية ، او القضية الوطنية المركزية ، الامر الذي يقود الى أعادة النظر في الكثير من المنطلقات التاريخية والعاطفية والمذهبية التي عالجت ملف المرجعية من خلال الخطاب التمجيدي ، وليس الخطاب الرقمي ، وهذا ما سنقف عليه لاحقاً بالتفصيل أيضاً .

نعود لنقول ان تلك الاسباب على الرغم من منطقيتها الكبيرة .. الا انها قد تحتاج الى توضيح أكبر ، أو قد تبدو انها غير كافية للاحاطة بالصورة الكلية لما حدث ، وهذا ما دفع بنا الى التنقيب اكثر في زوايا هذا الملف ، والعودة الى قراءة بعض الوثائق التاريخية ، أو بعض الكتابات الصحفية المهمة في هذا الصدد .

وفي خضم هذا التنقيب ارتأينا ان ننشر نص مقال صحفي ينطوي على درجة كبيرة من الاهمية في هذا الاطار ، نظراً لأن كاتبه كان أيضاً أحد المبعدين، ونشرته احدى الصحف الايرانية آنذاك وهو ــ أي المقال أو التقرير ــ يضيء الى درجة كبيرة الصورة الكلية للأحداث ، ويشير الى بعض الملابسات فيها ، ونص التقرير (المقال) الذي كتبه أحمد الخرساني نجل المرحوم الاخوند الخراساني في جريدة ((اقدام)) الفارسية التي كان يصدرها ((عباس الخليلي)) وهي : محفوظة ضمن مجموعات الصحف الايرانية القديمة في المكتبة الوطنية في طهران والمقال في مجمله جاء على صورة تقرير موجه برقيا الى كبار علماء ايران ، نص هذا التقرير ــ المقال ــ هو كما يلي :

((كيف جرى ابعادنا))

برقية من كرمنشاه

بسم الله الرحمن الرحيم

الى السادة العظام وحجج الاسلام ــ دامت بركاتهم ــ

نظرا لضرورة اطلاع ذواتكم المقدسة بصورة تفصيلية على ما جرى ، اصبح من الضروري ان اعرض (على حضراتكم) الامر تفصيلا، انه منذ ثمانية أشهر مضت اخذت الاستفسارات ترد من جمهور الأهالي سائلة عن الموقف من انتخابات العراق ، وقد حكم الايات العظام ــ دام ظلهم ــ وفقاً للتكليف الشرعي ، والواجب الديني بحرمتها ، وعليه فان الحكومة لم تستطع بأية حال اجراءها طوعا ، فلما يئست من ذلك قررت منذ آوائل شهر شوال ان تجريها بالقوة والاكراه ، مستعملة منتهى الشدة ، ومختلف اساليب التهديد بالنفي والابعاد ، وقامت فعلاً بابعاد عدد من الزعماء المحترمين، والقادة الميامين الى الشام وفلسطين على اثر اجراءات الحكومة الشديدة وتهديداتها .. توالت استفسارات الأهالي ، وتراكمت المطالبة ببيان الموقف الشرعي من حضرة الآيتين ــ دام ظلهما ــ ، بحيث وقعا في وضع شديد الحرج ، فلم يكن بامكان ايهما شرعاً اعطاء الترخيص بالمشاركة في الانتخابات مع بقاء الحكم الصادر بحرمتهما في الحالة القائمة ، ولا حتى التزام جانب السكوت ، فاصبح التخلص من جميع هذه المحاذير منحصراً في السفر الى الارض المقدسة في خراسان خلال الشهرين او الثلاثة من بدء الانتخابات ، وكان من المقرر الاتفاق مع الحكومة ان تجري الأموروفقاً لذلك ، لان الهدف من السفر كان حفظ الاعتبارات الظاهرة (ماء الوجه) ، ولكن الحادث المفجع بابعاد حضرة حجة الاسلام الشيخ الخالصي أدى الى مسارعة الأحداث والارتباك ، (اذ كان من المتفق عليه) عند الوصول الى الكاظمية ، على مشرفها السلام ، ان تجري مذاكرات مع الحكومة ، بحثاً عن حلول لأصل المشكلة ، وفي حال عدم مساعدة الأوضاع للوصول الى الغاء الفتاوى بتحريم الانتخابات ، وضرورة رحيل العلماء ، اثناء فترة اجراء الانتخابات بالاكراه والقوة ، ومراعاة للأمر الواقع ان ترفع الحكومة الحظر والاعتقال عن الشيخ الخالصي ، كأنه أيضاً قد اختار الرحيل بارادته ، وبذلك يمكن أجتناب المضاعفات الكبيرة الحالية والمستقبلية من جميع الوجوه . غير انه بعد مغادرة اللآيتين (السيد والشيخ) النجف الاشرف اضطربت أوضاع الحوزة العلمية ، حيث بادر العلماء من العرب والعجم ، الى اعلان عزيمتهم على مرافقة الراحلين في سفر الزيارة هذه وبعضهم (أبدى الرغبة) في المشايعة والتوديع الى الكاظمية ، وقد جرت على هذا النحو الى كربلاء المقدسة بصورة حرة أي من دون مداخلات السلطة ، ولكن بعد ذلك (وبشكل مفاجىء) تدخلت الحكومة بلا سؤال أو جواب ، ومن دون مراعاة ان الهدف من السفر انما هو حفظ حالة الحياد فقامت الحكومة بفرض حالة من الحصار والعزل (فردون) على السيدين الشريفين ، ثم منعت العلماء العرب (العراقيين) بصورة رسمية من ادامة السفر ، وطالبت بترحيل الايرانيين من العلماء ، فلما يئست من تلقي ذلك عمدت الى منع الجميع من السفر ، واعدت فقط تسع سيارات لسفر الآيتين ، والسيد الفيروزآبادي والشيخ الجواهري ، وعلماء كربلاء ، وأنا وأخي ، وما عدا السيد الفيروزآبادي الذي لم يكن موجودا وقت السفر ، وضعوا البقية في ثماني سيارات بشكل غير لائق ، ومنعوا الناس من المشاركة في توديعهم ، ثم حركوا السيارات من كربلاء المقدسة من دون ان يسمحوا للقافلة من التوجه الى الكاظمية ، وبذلك فرطت في المصائب العظيمة التي كان من المقرر ان تترتب على مذاكرات الكاظمية ، وعلى بعد فرسخ من بغداد عبروا بالقافلة الى الضفة الاخرى من نهر دجلة ، ومن طريق بعيد جداً وغير مسلوك ، أوصلونا الى السكة الحديدية ، وبالقطار الخاص ، الذي اعدوه لهذا الغرض ، خلافا لمواعيده المعتادة ، نقلونا على عجل ، واوصلونا الى الحدود الايرانية مع الغروب . أما السيد الفيروزآبادي، وآقا ضياء الدين العراقي، فقد رحلوهما في اليوم التالي حيث ادخلوهما الى الكاظمية ، وبعد تعريضهما للتحقير والاهانة ، تم جلبهما الى مركز الشرطة ، ولم يسمحوا لهما بالالتحاق بالموكب الموقر، وحسب علمنا لا زالا في الكاظمية ممنوعين من السفر ، ولا ندري هل سمح لهما بالعودة الى النجف الاشرف ، أو التوجه الى سامراء ام لا ؟!..

توضيح من الجريدة اقدام : المقصود من السادة الزعماء المبعدين السيد محسن أبو طبيخ ، وهو أحد كبار قادة الثورة ومن مشايخ الفرات ، والسيد الفيروزآبادي أيضاً من مراجع التقليد ، والشيخ ضياء الدين العراقي أيضاً من العلماء الذين درسوا على يد المرحوم آية الله الخراساني.

كلمة (فردون) التي وردت في البرقية ، كلمة تركية ، ومن مصطلحات الحكومة العثمانية التي كانت في العراق .

وصاحب التوقيع هو نجل المرحوم آية الله الخراساني[11] .

وللتعليق على هذه الوثيقة نقول :

1 ــ ان نصوص هذه الوثيقة على درجة كبيرة من الاهمية والخطورة ، حيث توضح فعلاً في سياق مفرداتها معنى ((التورط)) أو ((الورطة)) التي وجد الاصفهاني والنائيني نفسهما فيها ، اذ انهما لم يكونا اطلاقاً بصدد الدخول في هذا المدخل ((الوطني)) ، وملابسات المجلس التأسيسي ، وشرعية انتخاباته بارادتهما ، وبقرارات مستقلة واثقة من نفسها ، ومستعدة لأن تتحمل نتائجها منذ اللحظة الأولى ، انما جاء دخولهما ودورهما في ذلك انطلاقاً من ضغط الناس ، وانطلاقاً من التضامن ((المفروض)) عليهم من تحركات الشيخ الخالصي الكبير ، وعندما اصبحا تحت ضغط قرار السعدون وتهديداته بالتسفير فكرا بالتخلص من هذه الورطة عبر اقناع الشيخ مهدي بالسفر الطوعي الى ايران احتجاجا لكي تتم الانتخابات في ظل غيابهم ، ثم يتاح لهم العودة بعد ذلك .

2 ــ ان العبارة التي جاءت في التقرير ((فأصبح التخلص من جميع هذه المحاذير منحصراً في السفر الى الارض المقدسة في خراسان خلال الشهرين أو الثلاثة من بدء الانتخابات وكان من المقرر الاتفاق مع الحكومة ان تجري الامور وفقاً لذلك ، لأن الهدف من السفر كان حفظ الاعتبارات الظاهرة ــ ماء الوجه ــ )) . هذه العبارة بحد ذاتها تحسم كل الجدل والالتباس والغموض حول الأحداث التي حصلت ، فهي عبارة صريحة بوجود اتفاق مسبق ، أو السعي نحو ايجاد هذا الاتفاق مع الحكومة لحل الاشكاليات عبر سفر طوعي الى ايران .

3 ــ وانطلاقاً من هذا الاتفاق أو التفكير فيه يمكن فهم قرار العودة المشروطة المستعجلة ، وغلق كل الابواب بشكل عنيد أمام ما أسميناه البدائل المتصورة المتاحة التي جاءت في سياق الاحداث والتي اسهبنا في شرحها . فالأمر يتعدى الصورتين ، الصورة الأولى هي وجود اتفاق مسبق مع الحكومة العراقية ، وفي ظل هذا الاتفاق سيكون الاصرار على العودة المشروطة مفهوما.  الصورة الثانية وجود نية اتفاق اكيدة مع الحكومة والتفكير في ذلك ــ كما ينص التقرير ــ وفي مثل هذه الحالة يبدو الامر هو  الاخر مفهوماً . فالمراجع المعنيون هم ليسوا بصدد أية مواجهة من أي نوع كانت ، وعليه فانهم لم يكونوا بصدد رصد التطورات والتفكير في استثمارها ، ومن ثم ادارة المواجهة .. انما هم بصدد العودة السريعة للأسباب التي ذكرها الخالصي (الابن) وللأسباب التي ادرجتها الوثيقة البريطانية ــ كما مرت ــ فالقضية كلها لا ترتبط في تفكيرهم في الوطن وشؤونه ، واحوال مجتمعه ومستقبله ، والى ماذا ستؤول أموره ، القضية ان الزعامة الروحية المتوفرة لهم في العراق لم تكن متوفرة لهم في ايران .

نتائج القرار

هكذا وبهذه ((البساطة)) يتاح لرئيس الوزراء عبد المحسن السعدون ان ينجح الى حد مذهل في مخططه واصراره !! وهكذا يتاح للملك ((المتردد)) أو ((الحائر)) ان يفلت من استحقاقات تلك الأحداث ، وهكذا يتخلص الانكليز من المأزق الجديد الذي وقعوا فيه واربكهم سياسياً ودبلوماسيا!! وهكذا وبهذه ((القسوة)) تقبر كل البدائل المتصورة والمتاحة التي وفرتها طوارىء الاحداث الشعبية الانفجارية ــ العاطفية ــ العفوية ولمخططة!!..

وكم ستضيع لاحقاً طوارئ انفجارية شعبية كالطارئ ــ الانف الذكر في حوادث العراق ــ اللاحقة ، وعمله الاسلامي المحتقن !!.. هكذا يخرج الجميع من المأزق القاتل ، الا العراق كدولة أريد لها أن تؤسس على هذا الأساس القلق ، والا شعبه الذي سيبقى هائماً على وجهه ، وباحثا عمن يحتويه من تيارات فكرية ــ اجتماعية ، والا بطلا المعارضة ((الخالصي الكير)) و((الخالصي الابن)) فالأول دفن في أوراق التاريخ كعنيد وطني في طريقة ادارته لأحداث المعارضة في الداخل . فالواضح من عباراته المارة الذكر انه خذل من محيطه في الموقف من اجراءات السلطة ضده ، وهذا الخذلان لم يعرف بالضبط اذا كان الخالصي الكبير قد شخصه مسبقاً وهو يدير المواجهة مع السلطة ، فالمواجهة مثلما تتطلب رصد أوضاع الخصم ، ورصد أوضاع الأمة ، فهي تتطلب أيضا رصد أوضاع الجبهة الداخلية وتقييمها ، ومعرفة الأوراق والأدوات فيها معرفة دقيقة ، ومن ثم ادارة المواجهة على ضوء كل ذلك . بدا الخالصي الكبير كعنيد وطني ، ووطني صادق بغض النظر عن أي خلل ((افتراضي)) في الأداء الداخلي ، وبغض النظر عن أدائه الخارجي ((في ايران)) للأحداث ، وبغض النظر ايضا عن اختياره خراسان ملجأ ابديا له ، ربما لطمئنة عبد الكريم الحائري على زعامته ، وربما لأسباب أخرى ، تاركا العراق مضطرا لقدره الذي وصفناه سلفاً ، وتاركا ابنه ((محمد)) في لجة البحث عن مخرج لابقاء العراق حاضراً في المواجهة عبر اجتهاداته ، لكنه هو الآخر اندمج بالهم الايراني مضطرا ، مواصلا ما استطاع أن يحضر العراق في تحركاته .. فيما هذا العراق استقر على رغبة زعمائه وكلاءالانكليز ليقطع مشواره القادم وفق :

أولاً : تأسيس قاس لغياب المرجعية التي سميت فيما بعد انها مرجعية عليا ، هاربة عن الميدان والسياسة والمجتمع .. وحتى الارشاد ، فبدت وكأنها مطلوبة لذاتها كزعامة ((روحية)) .. ذات هالة قدسية مكتفية بامتيازات هذه الهالة من حقوق شرعية ، وبساتين ، واملاك .. بلا حاجة للمجتمع ومشاكله ، فالمجتمع (غادر) و(متلكيء) و(لا يوثق به) !!.. كما هو (شأنه) عبر التاريخ ، اذ لا يوجد بعد ذلك سوى اللجوء الى مثل هذه التبريرات ، و(التقية واجبة) ، ولا جدال في ذلك في الفكر الشيعي !! و((الحفاظ على الكيان)) بطلاسمه ومناهجه وطرق دراسته هو الاصل ، مهما كانت التحديات !!.. يا لها من افتراضات وتبريرات ماذا انتجت فيما بعد؟!.. والى اين رمت بهذا العراق وقذفت به من محن ومصائب ؟!..

ثانياً : لقد أسست تلك الاحداث الى شكل (( القائد ــ الاصل)) في المرجعية ، اذ ينبغي ان تكون معادلته وفق تلك المواصفات ، والا يعد (مارقا) او (خارجا) عن الدولة والكيان معا ، وستشكل معادلة هذا ((القائد ــ الاصل)) ارضية أزمة القيادة الاسلامية ــ الشيعية في العراق منذ التأسيس وحتى الان .

ثالثاً : أسست تلك الاحداث لنمط معين من العلاقة بين الفقيه والسلطة ، هو نمط خضوعي ينطوي على حيز محدد من الصلاحيات التي لا يتجاوز قضايا ادارة المدارس الدينية ، والتجنيد ، والتسفير ، وما شابه ذلك !!..

رابعاً : وجه قرار العودة المشروط بعدم التدخل في السياسة ضربة قاصمة مادية ونفسية لما تبقى من اشكالية العمل المعارض في الساحة العراقية ، فلقد اصبح تحصيل حاصل امام السلطة ان تتفرغ لـ (تنظيف) الداخل من ((الفلول)) الباقية الرافضة والمعارضة لها !!..

فاذا تهاوى الرأس ((المرجعي)) الأعلى تهاوت الأمة ، وسيموت الثوار الباقون قهراً ، أو وكمداً ، أو قتلاً على يد الجلاد بقطع الأعناق مرة ، أو بقطع الارزاق ، وتنشيف المواد الاخرى ان لم ينفع الاغراء بالمناصب ، او الاقطاعيات التي في قبضة الجلاد ازمتها.

خامساً : منذ تلك اللحظة بات المرجع اللاعربي الذي لا يتدخل في السياسة هو المطلوب من قبل الحكومة ، لأنه استطاع ان يوجد الحل لها ، فيما المرجع العربي الذي يؤمن بالسياسة هو المستهدف من هذه الحكومة، لأن هاجس الخالصي الكبير ــ الوطني العنيد ــ بقي في العقل الباطن لها ، فيما هو بالضرورة سيكون منافساً للزعامات الخضوعية للسلطة ، والغريب أن ((ايرانية المرجع)) الاعلى التي افرزت هكذا واقع ، والتي وضحت ان المرجع الايراني سيبقى دائماً مقيداً أمام السلطة العراقية ، ومهددا بالتسفير .. الغريب أن هذه القضية أهملت في الوعي العراقي العام ، ولم يصر الى محاولة تصحيحها في أي من الفترات اللاحقة ، ولم تتحول الى ثقافة تاريخية في العقل العراقي العام ، أو العقل الحركي ، اذ بعد مرور ما يقارب السبعين عاما يتجه العراقيون الى المرجع الأعلى الايراني ((السيد الخوئي)) لتخليصهم من السلطة ، ولم يضعوا في حساباتهم هذه القيود التاريخية المرتبطة بايرانية المرجع ، او افغانيته ، أو تركيت ، والفارضة عدم تدخله بالسياسة الا بالشكل الخضوعي للسلطة .

وفيما أن هذه المعادلة تحكمت الى حد ما بادارة العمل الاسلامي في العراق من قبل السلطة ، وتحولت الى ورقة وأداة خطيرة بيدها ، لم يخضع العمل الاسلامي في ايران الى هكذا معادلة ، الامر الذي أضعف من مناورات السلطة الايرانية ازاءه ، ودفع بها الى التفتيش عن أوراق أخرى حتى اضطرت في فترة من الفترات أن تستعين بالعراق كورقة ، أو أداة ضاغطة بوجه العمل الاسلامي في ايران .

وبهذا تكون الورقة الأولى ، ورقة المرجعية الايرانية في العراق جرت وبالاً آخر عليه ، وهو وبال اللجوء الى هذه المرجعية وتعزيزها وتدعيمها على أنها المرجعية الأصل كلما دعت ظروف السلطة الايرانية الداخلية الى ذلك .

وبهذه ننتهي الى نتيجة قاسية أخرى من نتائج هذا الواقع ، وهي ان المرجعية الايرانية في العراق ليست مطلوبة من السلطة العراقية فقط ، انما من السلطة الايرانية أيضا في كثير من الاوقات ، الامر الذي اعطى هذه المرجعية غالبا ((حصانة)) السلطتين العراقية والايرانية ، لأنها ــ حسب ما سيتضح لاحقا ــ مرجعية خضوعية للسلطة ، لا تتدخل في السياسة ، فاستمدت قوتها في العراق من هذه ((الحصانة)) ، وباتت قادرة على أن تدحر الخط التجديدي داخل المؤسسة الدينية على خلاف ما حصل في ايران ــ كما سنأتي على تفصيلات ذلك أيضا .

وهذا التدخل على الأرض وفي النتائج حدا بنا الى أن تقرأ مسار العمل الاسلامي في العراق على ضوء تجربة العمل الاسلامي في ايران ، اذ أن هذه القراءة يبررها التداخل المذكور بشكل كبير.

عراق بلا قيادة ، عادل رؤوف

 الطبعة الثانية 1424هـ

 صفحة : 40 وما بعدها

 

 

 

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات

اطلالات
خفايا واسرار
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2008
©