أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف  
 

وحدة العراق في هويته العربية

    د ـ فوزي الراوي                                                                         

منذ الحكم العثماني لبلدان من الوطن العربي ، كانت بواكير الفكر القومي العربي الحديث وحدوية اصلاً . صحيح كانت تلك البواكير مهتمة بالاستقلال الذاتي عن الدولة العثمانية ، إلا أن الاستقلال المنشود كان لدولة عربية موحدة ولم يطالب باستقلالات قطرية أو إنشاء دول بعينها . ومن هنا نفهم لماذا كانت الحركات السياسية والثقافية النازعة نحو الاستقلال عن دولة العثمانيين تضم قادة وأعضاء فاعلين عرب من جميع البلدان و الأقطارالعربية تقريباً . من العراق ومصر وسورية والجزيرة العربية التي شهدت ثورة الشريف حسين ، أو ما يطلق عليها الثورة العربية الكبرى عام 1916 بهدف استقلال العرب وإنشاء دولتهم الموحدة .

فتجمع الضباط العرب و القادة السياسيين في مكة المكرمة ليس لاستقلال الحجاز أو عموم الجزيرة العربية فقط بل زحفوا نحو الشمال ودخلوا سورية واتجهوا نحو دمشق وخلصوها من القوات العثمانية وأقاموا فيها دولة عربية ( المملكة العربية) بقيادة الأمير الحجازي فيصل بن الحسين عام 1920 حيث كان المسؤلون فيها ليسوا من سورية وحدها فحسب بل من أقطار عربية أخرى .

وانتهت الحرب العالمية الاولى بهزيمة ألمانيا والدولة العثمانية التي كانت تحت حكمها بلدان عربية ، لكن الحلفاء المنتصرون حولوا هزيمة الدولة العثمانية ، التي أسهم العرب في انجازها ، إلى هزيمة للعرب أيضاً إذ تخلت بريطانيا عن وعودها كافة بصدد استقلالهم وتأسيس دولتهم القومية ، وبدلاً من ذلك قسموا الوطن العربي إلى دول بموجب الاتفاقية السرية المعقودة بين بريطانيا وفرنسا وروسيا والمعروفة باتفاقية مارك سايكس وجورج بيكو .

"وهكذا أصبح الفكر القومي العربي أمام تحد جديد وهو تقسيم الوطن بعد أن خسر الحرية مرة أخرى ولم ينل الاستقلال ، وعندئذ تشكلت المعادلة الفكرية التي تؤكد الرابط العضوي بين الحرية من ناحية ووحدة البلدان العربية من ناحية اخرى " وبذلك يكون الفكر القومي العربي قد وجد نفسه مجبراً في حالة مواجهة مع مصالح القوى الكبرى في المنطقة والوطن العربي إذ تحولا إلى ضدين ، فالمصالح الأجنبية قسمت الوطن إلى دول قطرية بعد احتلالها مما اوجب على الفكر القومي العربي أن يكافح ويناضل من أجل الحصول على أهداف المواطنين العرب في دولة وحدوية مستقلة وهذا ما حتّم تهديد المصالح الأجنبية ودولها الكبرى فنشأ الصراع ، بين التقسيم من جهة و بين الوحدويين القوميين العرب من جهة ثانية ، أي بين العروبة التي أسست أدواتها على شكل أحزاب ومنظمات وحركات ، وبين الفكر الاستعماري وآلته العسكرية المحضة في البداية ثم مع

أجهزة الأمن و الشرطة المحلية التي أنشئت مترافقة مع الدولة القطرية .

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي كان من نتائجها تثبيت الاحتلالات السابقة وفقدان الوطن العربي جزءاً حيوياً منه إذ اقتطعت فلسطين وظهرت اسرائيل ، تطور الصراع وظهرت عوامل اخرى نتيجة تطور الدولة القطرية و التغيير الحاصل فيها جراء الاتفاق على الاستقلالية ومغادرة القوات المستعمرة بتوقيع معاهدات مثل العراق وتونس ومصر وسورية أو بالكفاح العسكري مثل الجزائر.

وفرض وجود اسرائيل تغييراً هائلاً في الصراع في الوطن العربي ، لسببين على الأقل أولهما : أن أمن اسرائيل وضعت له نظرية تستوجب أن تكون الدولة العبرية أقوى عسكرياً وعلمياً من الدول العربية مجتمعة . والسبب الثاني التغيير الكبير و الهائل في نظرية أمن اسرائيل الذي أصبح يعتمد الضربة الاستباقية بدعم عسكري أمريكي ليمنع أي تطور علمي وتكنولوجي لاي قطر عربي وهذا ماحصل في عملية قصف مفاعل تموز النووي العراقي للاغراض السلمية في حزيران عام 1981 .

وفي العراق لم تفلح الضغوط الغربية في إيقاف استثمار الموارد البشرية ، حيث عشرات الجامعات الكبرى التي خرّجت ملايين من الطلاب وعشرات الألوف من الباحثيين والأساتذة على مدى عقود من الزمن منذ تأسيس الدولة القطرية عام 1921 . ولقد كان الرقي دافعاً مهماً لاستنهاض همم العراقيين والذي يشكل العرب الأغلبية العظمى فيه كونهم يمثلون أكثر من 80% من سكانه ، لنيل ناصية العلم و التقدم التكنولوجي ضمن مفاهيم تحررية. ولقد أعلن مناحيم بيغن ، رئيس وزراء اسرائيل الأسبق ، أن العقل العراقي يمثل خطراً محدقاً بالنسبة لأمن اسرائيل . لذا لم يكن النظام السياسي في العراق مستهدفاً قدر استهداف الدولة العراقية وتدمير بنيتها التحتية وامكاناتها العلمية المتمثلة في الموارد البشرية العربية . وعليه حوصر الشعب العراقي غذائياً ودوائياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً وعلميا .

إن واضعي السياسة الامريكية من المحافظين الجدد ، درسوا استراتيجية أمن اسرائيل الذي يتطلب ، ضمن ما

يتطلب ، إضعاف العراق إلى الحدود الدنيا أو تقسيمه ، حسب مشروع اسرائيلي سري كشفت عنه مراكز أبحاث

ودراسات سنة 1981 ، يقسم الوطن العربي مجدداً إلى دويلات أقليات واثنيات عديدة ومصادرة أو إلغاء الهوية العربية عنها . ووجدوا(المحافظون الجدد) أن احتلال العراق فرصة وخطوة مهمة للأمن الاسرائيلي لكنها لاتحقق متطلبات أخرى لاتقل أهمية لهذا الأمر ، فتأكدوا من أن تهديد وحدة العراق لايتم إلا من خلال مشروع طائفي ، من جهة ، وشوفيني من جهة أخرى . وعلى هذا الأساس وضعوا نظرية مكونات العراق الثلاثة : الشيعة والسنة والأكراد ، حيث تضمن هذه النظرية تشظية عرب العراق اولاً ثم العراق ثانياً ،بإلغاء هويته العربية ، ودفع مشروع الطائفية إلى الأمام تمهيداً لترسيخه واعطائه صفة دستورية وقانونية وواقعية . وهذا ماحصل فعلاً بدءاً من تشكيلة مجلس الحكم وانتهاءاً بالمجلس النيابي الحالي على وفق سياسة المحاصصة الطائفية والعنصرية . وأصبحت المنادات بتشظية العراق وتقسيمه ذات منحى قانوني ودستوري بذريعة انشاء أقاليم ، لاتقل عن دولة ، تمتلك حكومة ومجلساً وطنياً وعلماً وتمثيلاً دبلوماسياً ! .

ومع ذلك لم ينتج عن عملية تقسيم الأرض إلغاء الهوية العربية  خاصة وأن مشروع تشظية العراق لم يكن ضمن أجندة الاحتلال فحسب بل وجد من الأحزاب الطائفية حاضنة له وأرضا خصبة للإنبات . وهكذا بالنسبة إلى أحزاب شوفينية . وصدق المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين ، رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان حينما وصف الطائفية بأنها ضد المواطن والوطنية والديمقراطية ، وانها لا دين لها .

إن تعثر المشروع السياسي والعسكري للاحتلال نتيجة تصاعد وتائر المقاومة الوطنية العراقية ، دق ناقوس الخطر للإدارة الأمريكية وللأحزاب الموالية لها ،مما حدا بها إلى الإسراع  بطرح مشروعها التقسيمي على أسس طائفية في الجنوب عن طريق الأحزاب الطائفية وعلى أسس عرقية في الشمال ، لتبرير بقائها في العراق حماية لمصالحها .

ولقد استهدفت نظرية المكونات الثلاثة سلب العراق هويته العربية بطريقة بسيطة وتلقائية وذكية ، بتفجير الطائفية العمياء حيث صاحب النظرية إطلاق كم هائل من الاعلام اليومي المستمر الذي يريد تزيين تشتيت العراق وجعله فيدراليات طائفية أو شوفينية بإنشاء أقاليم متعددة لها سلطات وصلاحيات لاتمتلكها الحكومة المركزية . وكان هذا الموضوع ، القاعدة التي انطلقت منها دعوات الأحزاب الطائفية في عدائها للعرب وللفكر القومي العربي الإسلامي الذي أخذ يرسم طريقه في بناء مستقبل الأمة حيث نظمت حملات مازالت مستمرة ضد كل ماهو عربي لدرجة ان طالت وجود الفلسطينيين في بغداد قتلاً وتهجيراً وسلبا وتشريدا وإصدار قرارات تعمل على إنهاء الوجود العربي فيها من خلال سن قانون متشدد وعدائي لايسمح للعرب ان يقيموا في العراق إلا لفترة محدودة وضمن شروط في غاية الحدة والتطرف .

فالنظرية أعلاه بمترادفاتها الثقافية والسياسية والاعلامية تشكل خلاصة المخاطر على العراق وشعبه بعربه وكرده ، وحركاته الوطنية التي وعت هذا الخطر ثقافياً وسياسياً لكنها تفتقر إلى إستراتيجية سياسية متكاملة وثقافية لصد هذه الهجمة .

ولعل أهمية وعظم هذه الاستراتيجية غير الموضوعة لحد الآن تتمثل في انها تحافظ على العراق ووحدته الجغرافية والديموغرافية ووحدة ثرواته الطبيعية والبشرية ، وتفشل أهم مشروع من مشاريع احتلال العراق .

وهنا لابد من التأكيد بأن هوية العراق العربية لا تعني موقفا شوفينيا يهضم حقوق القومية الكردية أو التركمانية مثلما كانت تفعل الأنظمة والحكومات العراقية السابقة ، فالكرد شعب استطاع أن يحقق منجزات مهمة على الأرض فضلا عن كفاحه المستديم وعلى مدى تاريخه حيث حافظ على هويته القومية الواضحة ، وهذه الدعوة موجهة إليه لإظهار تضامنه مع شقيقه وشريكه في الوطن الذي يعيش تحت الاحتلال وتجنب كل مايسيء للعلاقة التاريخية بين العرب والكرد باستغلال وضع الاحتلال الزائل حتما . 

وبالنظر للترابط العضوي بين دول الإقليم وبخاصة الدول المحيطة بالعراق، العربية منها وغير العربية ، فإن ما يجري داخله ينعكس على امتدادته في دول الجوار عن طريق التأثر . وينتقل إليها أيضاً باعتباره مشروعاً يلبي رغبة الإدارة في واشنطن . أي ان السياسة الأمريكية ستعمل جاهدة على نقل (التجربة الناجحة) هذه إلى دول المنطقة كونها هدفاً سياسياً لمجموعة المحافظين و المتصهينين .

وباعتقادنا فإن تقسيم العراق باسم الفيدرالية عن طريق تنفيذ سياسة المكونات الثلاثة بسلخه عن هويته العربية يعني :

1.     امتداد لهيب النتائج إلى إيران نظراً لتوفر ، ليس المكونات الثلاثة فحسب ، بل مكونات أخرى مضافة ، حيث الأكراد والأذريين والعرب و البلوش والفرس .

2.     امتداد لهيب النتائج أيضاً إلى المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج بسبب تفكيك المجتمعات العربية فيها إلى مكونات جديدة (شيعة وسنة) .

3.              انعكاس تلك النتائج كافة على سورية ولبنان وتركيا .كما أن الاردن سيكون وسط النيران.

وفي حالة الاستمرار في السياسة الحالية بخصوص العراق ، أي المضي قدماً في تجريده عن هويته العربية وجعله على شكل أقاليم طائفية وعرقية على مستوى دولة فإن ذلك يشكل عملياً ، إعادة نظر بالواقع السياسي و السيادي والديموغرافي لدول الإقليم كافة . وذلك ليس بمستغرب فقد سبق وأن اقترح هنري كيسنجر ،وزير الخارجية الأمريكية الأسبق بناء على رغبة صهيونية وهو في أرذل العمر ، تقسيم العراق كبديل عن الحرب الأهلية على حد زعمه !! وأيدته في ذلك ، مع الأسف، القيادة في الحزبين الكردستانيين ، الديمقراطي الكردستاني ، والاتحاد الوطني الكردستاني ، انطلاقاً من موقف شوفيني أو التعجل في إدراك الموقف الدولي على الأقل .

وعلى الرغم من التعقيد الظاهر في هذه المسألة فإن الطائفيين والشوفينيين يبسطون الأمر متجاهلين حقائق التأريخ و الجغرافية وحقائق امكانيات الشعوب ، ويعتقدون بأن قوة ميليشياتهم ، التي سمح الاحتلال بوجودها وتشكيلها كفيلة بجعل احلامهم واقعاً ، لدرجة أنهم نسوا مصالح دول الجوار حيث أن /تقسيم العراق يعني / ان إيران هي المشروع التالي. وهذا ما يفسر عدم تعجل طهران وتحسبها بخصوص اندفاعات بعض القادة الطائفيين أصحاب المواقف غير الواقعية.

28/6/2006     

 

 

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات

اطلالات
خفايا واسرار
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2008
©