|
حتى لا تتحول الى أحجارفي رقعة العدو..
المقاومة في العراق
الى أين ؟ ح : 3
الخطة الأمنية والمصالحة , هما عنوان المرحلة التي كان على
المالكي تنفيذها في أجندة الاحتلال , أي امن , وأية مصالحة ؟
تجيب على ذلك ( كوندزو ليزا رايز ) بوضوح وصلافة فهي لسان
الاحتلال في مواجهته لعملائه إذا ما ضعفت نفوسهم إزاء أية
غواية , السقوط في براثنها يعني الأضرار بمصالحه , انفجرت رايز
في وجه عملائها في العراق :ـ
ـ إننا لا نضحي بالمال والرجال عبثا ً.
وكانت قد تحملت أعباء السفر الى بغداد لتقرّ فوز المالكي
لرئاسة ( حكومة الخطة الأمنية ) . ( والمصالحة ) وحتى لا نخوض
في تفاصيل صفقات تم إبرامها بين أمريكا وقوى إقليمية من جهة ,
وبين البيت الشيعي متمثلا بالائتلاف والتيار الصدري من جهة
أخرى فإننا نستذكر ( والمقاومة في العراق موضوعنا ) إن التيار
الصدري رغم خلفيته المذهبية كاد أن يشبه أداؤه أداء حزب الله
في المعادلة الوطنية القومية في لبنان . ولا يفوتنا أن
نستذكر ايضا تصريحا للصدر أطلقه في أثناء المساومة على دخوله
العملية السياسية :ـ
ـ قد يدخل التيار الصدري حلفا مع الشركاء في الرمادي .
وكان
واضحا إن التصريح يرمي الى حجم التيار الصدري في الإخلال
بميزان العملية السياسية لصالح مشروع المقاومة , فالرمادي مثلت
حينها معقلاََ خطيرا في معاقل المقاومة . كما تمثل واقعيا كتلة
جغرافية مؤثرة عضويا في خارطة العراق السياسية وبؤرة قادرة على
النفخ في وجه أي مشروع لتزعزع الأرض من تحته , بمعنى إن وزن
الرمادي الجغرافي والسياسي يجسد معادلة مهمة في ميزان
الاستقرار أو تأجيج الفوضى أو نشر الثورة وتعميمها . لذا فان (
البيت السني ) لاحقا أنجز للاحتلال في فترة حرجة ولو مؤقتا (
الصحوات ) لتبدو وكأنها صمام أمان على نهج خطة المالكي الأمنية
كما تتطلبها حاجات الاحتلال للخروج من المأزق الذي صنعته
المقاومة أمام مشاريعه ووجوده في العراق .
بانتقال التيار الصدري من صفحة المقاومة الى صفحة ( العملية
السياسية ) توضحت أبعاد الخطة الأمنية التي عنونت أداء المالكي
. واستشعر الشارع في بغداد خطورة المؤامرة التي تخاض ضد وجوده
على قاعدة الإزاحة والحلول , وعلى الأرض انكشفت أبعاد وحدود
بغداد المطلوب رسمها بالدم لتعلنها الخطة الأمنية إقليما محررا
في مشروع المصالحة !! الذي كان من المفروض أن يصير إقليم بغداد
حصة التيار الصدري التي توازي حصته في ( حكومة المالكي ) كما
أنتجها الاحتلال لأغراض تحويل وجوده الى شريك ( أبدي ) في
العراق انطلاقا من الاتفاقية الأمنية وقوانين النفط والاستثمار
والشراكة الإستراتيجية التي تمثلها إدارة بوش سياسيا .
عمليا كان سيناريو الخطة الأمنية يستهدف مناطق بعينها في خارطة
بغداد ,يبدأ بإغلاق المنطقة المراد تطهيرها مذهبيا من جهة
والقضاء على جذوة المقاومة فيها من جهة أخرى , وتحاصر شوارعها
وأزقتها بالأسلاك الشائكة , وتحاصر داخل بوابتين ، إحداهما
بوابة الدخول الى المنطقة والأخرى بوابة الخروج , وتحمي قوات
الاحتلال قوات العسكر المحلية والمليشيات إما بالتمركز خلفها
أو بالتدخل السريع عند أول نداء . ويسمح في هذه الأثناء
للمليشيا ( التي تحولت الى ذراع الخطة الأمنية ) يسمح لها
بالدخول الحر لممارسة التطهير المذهبي , وتهجير من يراد
إزاحتهم لإحلال الفئة الأخرى مكان المزاحين , ثم تفتح أبواب
الليل المحظور التجوال الى قوى تعيث فسادا في أرواح السكان
التي وسمت أيام وشهور عامي 2006 ـ 2007 حيث تجاوز عدد
ضحايا الخطة الأمنية المائة ضحية يوميا وملايين المهجرين داخل
العراق وخارجه .
إن تناول هذه المرحلة ببعض التفصيل فأن القصد منه تحول أداء
بعض الأطراف في المقاومة الى خوض الصراع الداخلي على القاعدة
المذهبية الضيقة بمعنى تحول الصراع عن مجراه الطبيعي في مواجهة
الاحتلال .
لم تنجح خطة امن بغداد كما تناولتها صفقة دخول التيار الصدري
الى العملية السياسية ( فالبيت السني ) المنشود قيامه ليمثل في
كعكة العراق نسبة ال ( 16 % ) له أن يحصد غنائم وانتصارات
تناسب دوره في التصويت بنعم على الدستور , وفي المشاركة بلعبة
العملية السياسية ، كما له أن تمنحه الخطة الأمنية تراجعا إذا
ما اثبت حضوره على الأرض .
قال احد قادة مقاومة الغزالية في بغداد حزينا :ـ
ـ وكأننا كنا بيادق في لعبة الشطرنج .
بعد أن تأكد له لاجدوى صراعه على تقسيم الغزالية الى غزالية
شيعية محاددة لمنطقة الشعلة , وغزالية سنية محاددة للعامرية
والخضراء , إذ وجد نفسه أخيرا ملاحقا من قوى الاحتلال وعملائها
المحليين معا , ومراقبا من ( صحوة ) الغزالية التي كان بعض
عناصرها يقاتلون معه ضد الاحتلال وفي معركة التطهير المذهبي في
الوقت نفسه .
نورد الواقعة على سبيل المثال ,فالتحول في بنية المقاومة الى
مقاومة مذهبية جعل المقاومين يكتشفون بعد تدخل المال السياسي
في تشكيل الصحوات والمليشيات الطائفية أنهم بمثابة أحجار
فوق رقعة الشطرنج .
يتذكر الشارع العراقي كيف أن التيار الصدري وفصائل المقاومة
جمعهم تحدي الكرامة الوطنية لمواجهة الاحتلال في الفلوجة
والرمادي والكوفة والنجف ما دفع السيد احمد حسن البغدادي الى
إطلاق مقولته الشهيرة :ـ
ـ إن المقاومة الصدرية رفعت عار الإذعان عند شيعة العراق وإذا
بالمجتمع العراقي يصاب بالصدمة ويفقد ثقته بالعباءة المذهبية
أيا كان لابسها في خضم تطبيق الخطة الأمنية على قاعدة التطهير
المذهبي .
لكن الخطة لم تنجز بعد , إذ أن جوهر ما ترمي إليه هو إنهاء
المقاومة مفهوما ومشروعا , بما يطمئن الست رايز بان ما أنفقته
أمريكا من مال ورجال لن يذهب سدى .
هل أن التيار الصدري لم يحصل على ما وعد به عندما دفع الى
المشاركة في ( حرب بغداد ) فخسر إقليمه الموعود به ؟ وهل أن
البيت السني نال حصة التيار الصدري في مناطق سنية من بغداد لان
المال السياسي نجح في تحويل الصراع عن مجراه ! ما زلنا نتذكر
عندما قالت إحدى ممثلات الحزب الإسلامي في تجمع نسوي اثر
اغتصاب الطفلة عبير ردا على ممثلة هيئة إرادة المرأة وممثلة
المكتب النسوي للمؤتمر التأسيسي العراقي الوطني وقد طالبتا
بانتفاض المجتمع كله لإخراج الاحتلال :ـ
ـ إن ما تطرحانه هو مجرد كلام ثقافي , أما نحن الان لسنا بصدد
الوجود الأمريكي في العراق إنما بصدد الخطر الإيراني !!
العراقيون العرب المسلمون هم ضحايا الخطة الأمنية على قاعدة
التطهير المذهبي أي أن هوية العراق العربي المسلم هي المستهدفة
بالخطة الأمنية بل وبأغراض الاحتلال الرئيسية .
لانكشف
المستور في المأزق الذي وجدت المقاومة في العراق نفسها محاصرة
به , مهددا أسباب وجودها بحد ذاته .
كما لا نعري المَُعرّى عندما ننقل الاعتراف الحزين لأحد قادة
مجموعات المقاومة الجهادية :ـ
ـ وكأننا أحجار في رقعة شطرنج !!.
وكان
قد أردف :ـ كم نحن بحاجة الى رؤية سياسية صافية ترسم آفاق
إستراتجية المقاومة لتحرير العراق . كما أكد وهو أكثر حزنا :ـ
ـ هو الاحتلال , وهي سياسة فرق تسد .
إن استرجاعنا لمفاصل في حركة المقاومة والجهاد في العراق
يعيننا على اتخاذ موقف شجاع من الذات إزاء شرف المهمة .
فتحرير الأرض , الوطن ـ الأمة , هدف مشترك يجب أن يجمع فصائل
المقاومة مهما كانت عقائدها أولا , إن تحرير المقاومة من المال
السياسي الذي انصب في جيوب ( مقاولي ) السياسية خدمة لتوازنات
إقليمية , أو إنجاحا لوصايا بيكر ـ هاملتون في إنقاذ بوش من
وحل العراق المتحرك , وكثبان المقاومة السحرية , وذئاب صحاري
العراق وواحاتها وضفاف نهريها ومظلات نخيلها , إنقاذا
للإستراتيجية الأمريكية في تحولها من عملية عسكرية الى عملية
أمنية سياسية , إن تحرر المقاومة ثانيا من أموال ( بندر )
ومقاولين سياسيين مهما كلفها من جوع وعطش هو رأسمالها في
استعادة مشروعها على القاعدتين الوطنية والجهادية , إن مشروع
التحرير على الأرض , لا يتناقض والعقيدة الفكرية مهما اختلفت
منطلقاتها , انه توافق الأحرار على برنامج الحد الأدنى .
والحد الأدنى هو تحرير العراق مشروعا رديفا لتحرير الامة
والمنطقة من غزوة المشروع الأمريكي .
لأجل صفاء الرؤية ونقائها نعري كيف استطاع ( المال ) السياسي
ونغروبونتي وخليل زاده وخطة المالكي الأمنية الاستفراد بالتيار
الصدري المقاوم بعد تحوليه الى مجرد حالة إجرامية تندرج
تحت طائلة ( القانون ) ! والخطط الأمنية ! وكيف يحاول
المحتل بالعملية السياسية ( والمصالحة ) !! احتواء المقاومة
بالبيت الشيعي والبيت السني والبيت الكردي .
ندرك أن المقاومة التي تعيش حالة انكماش بين الكر والفر لشدة
التآمر عليها من خارجها وداخلها إنما تجري نقدا ذاتيا لأدائها
كما تعيد هيكلة نفسها , وإنها في الوقت نفسه لم تنقطع عن توجيه
ضرباتها اللاذعة الى العدو المحتل في مكمن الوجع من جسده
المتورط بالطين العراقي , إلا إن ما يجب أن يسعى إليه مشروع
التحرير في العراق ,الإيمان بأن استحقاقه التاريخي , يكمن في
البعد القومي ـ الاجتماعي , لا لأسباب عاطفية أو تحريضية أو
ثقافية , وإنما لمتطلبات النصر.ولهذه المتطلبات رؤى
واليات , وأولويات الصراع الرئيسي من منطلق المصالح
الإستراتيجية لحركة التحرر في العراق . لن ندعو الان لقيام
جبهة عريضة لتحرير العراق من شماله الى جنوبه . فمأزق المقاومة
والحركات الجهادية انعكس واقعيا على أسباب قيامها بشكل مخجل
ومحرج . إنما ندعو ( الان ) في منظور زمني يجب أن يكون
قصيرا الى استرجاع الذات الحرة المقاومة المجاهدة فينا ,
بتأصيل المقاومة وتجذيرها واستغلال سمتها المناطقية لإطلاق
عملياتها في كل بقاع العراق , ويكفيها اليوم تنسيقا نسف الأرض
تحت الأطراف التي ستوقع الاتفاقية باسم الشعب زورا , لترهن
مستقبل العراق في المشروع الأمني الأمريكي لعموم المنطقة دهرا
من الزمن , الى جانب سرقة ثرواته وهويته وعمقه الحضاري وأحلامه
في مستقبل مزهر .
خارج اللغة الوجدانية , والإنشاء السياسي , لا خيار للمقاومة
في العراق حتى تكون أمينة على آمال الشعب إلا أن تغادر
المتاهة التي تكاد تبتلعها , عندما تؤثر العصبية الضيقة باسم
العقيدة على منهج ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) .علينا أن نجرؤ
في مواجهة النفس . فالمصلي قبل الجامع أو الكنيسة أو الحسينية
أو المعبد .
كما أن مشروع المقاومة والجهاد هو مشروع التحرير تلتقي فيه
الأيديولوجيات والعقائد عند مهمة التحرير . وأي اتجاه أو عقيدة
تتعطل عن هذه المهمة فقد خانت قدسية مشروع التحرير وأولويته .
الصراع تحدده اللحظة الراهنة بمواجهة الاحتلال ومشاريعه
وأحلافه .
إذ لا يقوم الصراع في أولوياته على التكفير.وليس من باب
الحصافة النضالية ووضوح الرؤية أن يختلف أصحاب المذاهب
والعقائد على كيفية دخول المسلم الى الحمام , أو شكل
حجاب رأس المرأة .واليوم لا تستأذن المرأة أحدا لولوج الجهاد ,
إنما الجهاد يستدعيها آمرا من دون آمرا خر.
إن إزاحة دنس العدو وتطهير النفس والأرض والسماء والماء هي
حجنا الى الله وهي آليات المقاومة والجهاد نحو التحرير كما
أمرنا الله وكما يأمرنا الضمير ....
وللحديث
صلة ....
غياث الدين العزاوي
مستل من دار بابل للدراسات
والاعلام
|